سبب وكيفية تأثير تعليل النص على دلالته
مما سلف ذكره في المطلب السابق أن للتعليل على النص - القابل للتأويل - أثرين:
١ - إما تقوية ظاهر النص.
٢ - وإما توهين هذا الظاهر وبالتالي تقوية المعنى المؤول.
ومما يجدر قوله هاهنا: إن هذين الأثرين إنما ينتجان عن التمازج والتفاعل بين مقتضى العلة بطردها أو عكسها من جهة وبين مقتضى النص بظاهره ومؤوله من جهة أخرى.
_________________
(١) انظر: ابن الهمام، كمال الدين السيواسي الحنفي، شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج ٤، ص ٣٠٨ وسيشار له: ابن الهمام: شرح فتح القدير.
(٢) ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، بيروت، ج ٢، ص ٦٨ وسيشار له: ابن رشد، بداية المجتهد.
[ ٦٦ ]
فالأثر الأول - وهو تقوي ظاهر النص - ينتج عن توافق ظاهر النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها.
أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض مؤول النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيزداد بهذا التعارض مؤول النص وهنًا على وهن، ليزداد - في الوقت نفسه - ظاهر النص قوة على قوة.
والأثر الثاني - وهو تقوي مؤول النص - ينتج عن توافق مؤول النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها.
أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض ظاهر النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيَهِنُ بهذا التعارض ظاهر النص، ليتقوى - في الوقت نفسه - مؤول النص.
فالتوافق والتعارض بين مقتضى النص والعلة هما إذن سبب تأثير تعليل النص على دلالته.
وفهم كيفية هذا التأثير تكمن في فهم طبيعة المقتضيات التي تسبب هذا التأثير بتفاعلها مع بعضها البعض، وذلك: أنها ظنون، والظنون من شأنها أن تتوافق أو تتعارض فإذا توافق ظنان تولد من مجموعهما ظنٌ واحد قوي، وإذا تعارضا طغى الأقوى منهما على الأضعف.
فالحال على ذلك إذن: أن ظاهر النص قد يقتضي حكمًا ما في محل ما، والعلة - بطردها - قد تقتضي ذات الحكم في ذات المحل، فيتأكد في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى المعنى الظاهر من النص، وقد تقتضي العلة - بعكسها - نفي هذا الحكم عن ذات المحل، ويوافقها على ذلك مقتضى المعنى المؤول للنص، فيترجح في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى هذا المعنى من النص دون المعنى الظاهر.
[ ٦٧ ]
ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي:
روى أبو هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (^١).
هذا الحديث يشتمل على أمر بغسل اليد عند الاستيقاظ من النوم، ويشتمل كذلك على ذكر علة هذا الأمر، قال البيضاوي في قوله -ﷺ- "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده": «فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم كان لأجلها» (^٢).
هذا وللعلماء اجتهادات في نص هذا الحديث الشريف نتجت عن التوافق والتعارض بين مقتضيات كل من النص والعلة.
ويمكن تصنيف هذه الاجتهادات بحسب طبيعة المقتضيات المسببة لها ضمن أربعة أنواع:
النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص.
النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص.
النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص.
النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص.
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٦٢).
(٢) نقله عنه ابن حجر، فتح الباري، ج ١، ص ٣١٨. وليس هو في المنهاج.
[ ٦٨ ]
النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص:
ويمكن إجراؤه في موضعين كما يلي:
أولًا: ظاهر الأمر "فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه" يقتضي وجوب الغسل قبل الإدخال.
ومؤول هذا الأمر - بحكم دلالة صيغة الأمر - يقتضي ندب الغسل قبل الإدخال.
أما مقتضى اطراد العلة فهو كذلك يقتضي ندب الغسل لا وجوبه، وذلك لأن علة غسل اليدين قبل الإدخال - كما دلّ عليها النص - هي الشك في نجاستها، والشك - كما دلت عليه الأدلة - لا يرفع اليقين السابق، لذلك لم يقل العلماء بوجوب إزالة الشك إذا ما حصل، وإنما قالوا بندب ذلك احتياطًا (^١).
إذن فقد تعاضد مقتضى مؤول النص مع مقتضى اطراد العلة، ولذا ذهب الجمهور من العلماء إلى القول بندب غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم خلافًا لظاهر النص، قال الحافظ، ﵀: «القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور: التعليل بأمر يقتضي الشك، لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة» (^٢).
_________________
(١) انظر: جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ، ص ٥١.
(٢) ابن حجر، فتح الباري، ج ١، ص ٣١٧.
[ ٦٩ ]
ثانيًا: ظاهر الشرط "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يقتضي بمفهومه المخالف عدم استحباب غسل اليدين في غير «الاستيقاظ من النوم» من الحالات، ومقتضى اطراد العلة أن يعم حكم الاستحباب كافة المحال أو الحالات التي يتحقق فيها الشك بنجاسة اليد.
وعلى ذلك يدخل في حكم النص: الإفاقة من الإغماء، ومن السكر، ومن الجنون، وكذلك أي حال حصل فيها الشك بنجاسة اليد لأي سبب من الأسباب، قال النووي، ﵀: «مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء» (^١).
النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص:
وإجراؤه كالتالي:
قوله -ﷺ-: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يعم بظاهره نوم الليل ونوم النهار، وقد رأى الإمام أحمد، ﵀، تخصيص هذا العموم بنوم الليل دون نوم النهار، وحجته على هذا التخصيص قرينة لفظية وردت في الحديث وهي قوله -ﷺ-: "أين باتت يده" حيث إن لفظ «بات» لا يستخدم لغة إلا في نوم الليل ولا يستخدم في نوم النهار، فدلّ هذا على أن المقصود في الحديث هو نوم الليل خاصة لا عموم النوم كما هو ظاهر اللفظ (^٢)، لكن جمهور العلماء
_________________
(١) النووي: يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط ١، دار المعرفة بيروت، ١٤١٤ هـ، ج ٣، ص ١٧١. وسيشار له: النووي: شرح صحيح مسلم.
(٢) انظر: ابن قدامة، المغني، ج ١، ص ٩٢. والشوكاني، نيل الأوطار، ج ١، ص ٦٣.
[ ٧٠ ]
خالفوا أحمد في هذا التخصيص، وإن دعمته القرينة اللفظية، مستندين في مخالفتهم هذه إلى مقتضى العلة، إذ لا فرق في حصول الشك بنجاسة اليد بين نوم الليل ونوم النهار (^١)، وبناء على ذلك فقد تقوى عموم النص - وهو الظاهر منه - بمقتضى العلة فامتنع عن التخصيص.
النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص:
وإجراؤه كالتالي:
قوله -ﷺ-: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" عام في كل من يقوم من النوم من المكلفين فهذا هو الظاهر من النص، وانعكاس العلة يعارض هذا الظاهر، إذ هو يقتضي عدم وجوب أو استحباب غسل اليدين لمن قام من نومه متأكدًا من طهارة يديه كمن وضعهما في قفازين مثلًا قبل أن ينام (^٢)، فيُخَصُّ عموم النص بمقتضى انعكاس العلة هذا، ويَخرُج عن حكم النص كل من لم تتحقق فيه علة الشك بنجاسة يده لأي سبب من الأسباب وإن صدق عليه أنه استيقظ من نومه، فهذا هو تخصيص - تأويل - النص بالتعليل.
النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص:
وإجراؤه كالتالي:
_________________
(١) المراجع السابقة.
(٢) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ١، ص ٣١٧.
[ ٧١ ]
ظاهر الحديث يقتضي إخراج النبي -ﷺ- عن حكم النص، وذلك لأن قوله -ﷺ-: "إذا استيقظ أحدكم" صريح في إضافة الحكم إلى المخاطَبين ولا يدخل فيه المخاطِب - وهو هو -ﷺ- إلا بدليل.
والعلة بانعكاسها توافق الظاهر إذ هي تقتضي خروج النبي -ﷺ- عن حكم الحديث لأنه -ﷺ- ليس هو ممن «لا يدري أين باتت يده» إذا نام؛ لما ورد أنه -ﷺ- كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه (^١).
جملة القول في هذا المطلب
تعليل النص يعمل عمل «القرينة» المبيِّنة لمراد الشارع من النص، فإذا كان النص عامًا فإما أن تؤكد هذا العموم وإما أن تخصصه، وإذا كان مطلقًا فإما أن تؤكد هذا الإطلاق وإما أن تقيده، وإذا كان حقيقة فإما أن تؤكدها وإما أن تصرف النص عنها إلى المجاز، وإذا كان له مفهوم مخالف فإما أن تؤكد هذا المفهوم وإما أن تبطله.
وهكذا كل ظاهر للنص إما أن يؤكده التعليل وإما أن يصرف النص من الدلالة عليه إلى الدلالة على المعنى المؤول بغض النظر عن نوع التأويل ما دام احتماله قائمًا.
والفلسفة في امتلاك التعليل هذه القوة في التبيين: هي كون التعليل يحدث ظنًا دالًا على مراد الشارع من النص، فإذا اجتمع هذا الظن مع الظن الذي يحدثه ظاهر النص قواه، وإذا عارضه - وكان أقوى منه - صرفه إلى المعنى المؤول.
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٣٥٦٩).
[ ٧٢ ]