أقوال أصوليي الحنفيّة
ذهب جمهور الحنفية - على خلاف ما هو منشود منهم - إلى القول بعدم جواز أن تؤثر علة النص على دلالته، وذلك على الرغم من وجود وفرة من الفروع الفقهية في مذهبهم تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته؛ ولهذا السبب - وهو كثرة الفروع المتضمنة لتأثير تعليل النص على دلالته في مذهبهم - فإن الناظر في كتبهم يجد أنهم، بعد تقريرهم ما ذهبوا إليه، قد أوردوا كثيرًا من الفروع الفقهية التي انتُقدت عليهم لأنها تضمنت عود العلة على النص بالتأثير، وأخذوا في الإجابة عنها وتخريجها مخارجَ أخر في غالبها تكلّف، كما سيرد بيان شيء من ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.
هذا، وقد سبق القول، أن الحنفية إذ يبحثون هذه المسألة فإنما يبحثونها عند الخوض في شروط القياس، وأقدم من وجدته يذكرها منهم: القاضي أبو زيد الدبوسي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ.
قال السمرقندي: «ذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ شروطًا أربعة لصحة القياس: …
الثالث: أن يبقى حكم النص بعد التعليل كما كان قبله من غير تغيير لأنه يصير التعليل مُبطلًا لحكم النص، مثاله ما قاله الشافعي ﵀ [منتقدًا إياه على الحنفية]: إن النبي -ﷺ- قال: "في خمس من الإبل شاة" (^١) حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوّزنا التعليل لا يبقى حكم النص وهو وجوب
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٤٥٤).
[ ١٥٠ ]
الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا مناقضة حكم الوجوب» (^١).
وقد تتابع الحنفية بعد أبي زيد على ذكر هذا الشرط، فقال البزدوي: «وأما الشرط الرابع، وهو أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل؛ فلأن تغيير حكم النص في نفسه بالرأي باطل كما أبطلناه في الفروع، وذلك مثل قول الشافعي في طعام الكفارة بشرط التمليك فإنه تغيير لحكم النص بعينه، لأن الإطعام اسم لفعل يُسمى لازمه طعمًا، وهو الأكل على ما قلنا (^٢)، ومثل قوله في حد القذف إنه لا يبطل الشهادة وهذا تغيير لأن النص يوجب أن يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدًّا وقد أبطله، فجعل بعض الحدّ حدًّا لأن الوقت من الأبد بعضه، وأثبت الردّ بنفس القذف دون مدة العجز وهو تغيير، وزاد النفي على الجلد وهو تغيير وجعل الفسق مبطلًا للشهادة والولاية، وهو تغيير؛ لأن حكم الفسق بالنص التثبت والتوقف، دون الإبطال، ومثلُه كثير» (^٣).
أما السرخسي فقد ادعى الإجماع على عدم جواز أن يعود التعليل على النص بالتغيير أو الإبطال (^٤)، وأضاف إلى شروط القياس الأربعة التي ذكرها من قبله شرطًا جديدًا يزيد من التأكيد على أنه لا يجوز للتعليل أن يؤثر على النص بحال فقال في شروط القياس: «وهذه الشروط خمسة … الرابع: أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله.
_________________
(١) علاء الدين السمرقندي، الميزان، ص ٦٤٢.
(٢) انظر في توضيح هذا المثال وما يليه من أمثلة مع بيان وجه تأثير تعليل النص على دلالته فيها: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج ٣، ص ٣٣١، ٣٣٢.
(٣) البزدوي، أصول البزدوي، ج ٣، ص ٣٣١.
(٤) انظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج ٢، ص ١٩٣.
[ ١٥١ ]
والخامس: أن لا يكون التعليل متضمّنا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص» (^١) ومثَّل للشرط الرابع بنحو ما مثّل به البزدوي من اجتهادات الشافعية، وأما الشرط الخامس، فمثاله - قال السرخسي -: «ما قاله علماؤنا: إنه لا يجوز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمُحرم، وفي الحرم، لأن في النص قال ﵊: "خمس يُقتلن في الحلّ والحرم" (^٢) وإذا تَعدى الحكم إلى محل آخر، يكون أكثر من خمس، فكان في هذا التعليل إبطالُ لفظٍ من ألفاظ النص، بخلاف حكم الربا فإن النبي -ﷺ- لم يقل: الربا في ستة أشياء ولكن ذكر حكم الربا في أشياء، فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال شيء من ألفاظ النص» (^٣).
ولم يأتِ من هم بعد السرخسي والبزدوي، كصدر الشريعة (^٤)، وعبد العزيز البخاري (^٥)، وحتى ابن الهمام (^٦)، وابن عبد الشكور (^٧)، بشيء جديد في هذه المسألة، وإنما تابعوا فيها من قبلهم إلا أنهم انتقدوا التمثيل ببعض الفروع الفقهية ممن تقدمهم، وأحدثوا جوابات جديدة عما انتُقِد على مذهبهم من فروع تضمَّنت تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
غير أن علاء الدين السمرقندي - وهو أحد من أخذ عن البزدوي - جاء بجديد حيث كشف عن أنَّ هذه الشروط التي يشترطها أصوليو العراق من
_________________
(١) المرجع السابق، ج ٢، ص ١٥٠.
(٢) سيأتي تخريجه في المبحث التالي في المطلب الأول.
(٣) السرخسي، أصول السرخسي، ج ٢، ص ١٧٠.
(٤) انظر: صدر الشريعة، التوضيح، ج ٢، ص ٥٩ - ٦٢.
(٥) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج ٣، ص ٣٣١ - ٣٤٤.
(٦) انظر: ابن الهمام، التحرير، ج ٣، ص ٢٦٩ - ٢٩٩.
(٧) انظر: ابن عبد الشكور، مسلّم الثبوت، ج ٢، ص ٢٥٧ - ٢٥٩.
[ ١٥٢ ]
الحنفية، لا اعتبار لها عند مشايخ سمرقند، فقال بعد نقله هذه الشروط عن الدبوسي: «ولكنّ أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس فيمنع وجود القياس، ولا يُتصور وجود القياس مع هذه الشرائط» (^١).
فبان من هذا الكلام أن الحنفية منقسمون في اعتبار هذه الشروط - ومنها شرط أن لا يُؤثّر تعليل النص على دلالته - إلى قسمين: فأهل العراق يعتبرونها، وأهل سمرقند لا يعتبرونها.
والذي أراه أن قول أهل سمرقند أقرب إلى التحقيق، وأصدق في تمثيل المذهب الحنفي من قول أهل العراق، وذلك لوفرة الفروع المنقولة عن أبي حنيفة وصاحبيه والتي تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته، كما سيأتي بحث بعضها في المبحث الثالث من هذا الفصل. واللَّه أعلم.