الأدلة النظرية للمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
ويمكن في هذا الصدد ذكر أدلة أربعة:
الدليل الأول: - وهو الذي يذكره أكثر الأصوليين (^١) - أن الاجتهاد المبنيَّ على تأثير تعليل النص على دلالته هو اجتهاد تضمّن إبطال الفرع لأصله وهو باطل؛ لأن الفرع إذ أبطل أصله أبطل نفسه.
ووجه ذلك أنّ النص أصل والعلة فرع تولّد عن هذا الأصل، فإذا عادت العلة على النص بإبطال كله أو بعضه كأن تخصص من عمومه، أو تقيّد من إطلاقه، أو تصرفه من الحقيقة إلى المجاز أو تبطل مفهومه المخالف، لزم من ذلك أن تبطُل هذه العلة أيضًا، لأن الفْرضَ أن الفرع إنما ثبت بالأصل فإذا بطل الأصل بطل الفرع، وإذن فاعتبار الفرع على هذا الوجه مؤدٍّ إلى عدم اعتباره، وتصحيحه مؤدٍّ إلى إبطاله وهذا تناقض لا يُتصوّر فهو باطل وكذا ما أدى إليه، فوجب أن يُشترط في التعليل حتى يصحّ أن لا يعود على أصله وهو النص بالإبطال، وهذا بالفعل ما أجمع عليه الأصوليون، قال ابن حجر ﵀: «اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال» (^٢).
_________________
(١) انظر: الغزالي، المنخول، ص ٢٠١، والآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٣٥٤ والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٢، وعضد الدين الأيجي، شرح مختصر ابن الحاجب، ط ٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣، هـ، ج ٢، ص ٢٢٨ وابن الهمام، التحرير، ج ٤، ص ٣١.
(٢) ابن حجر، فتح الباري، ج ١٢، ص ٧٥.
[ ١٧٨ ]
ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بالقول:
إنه من المسلم به أن معرفة العلة فرع عن دلالة النص، ومن المسلم به أيضًا أنه لا يصح للفرع أن يعود على أصله بالإبطال، إلا أن المنازعة قائمة في إسقاط هذه القاعدة على محل النزاع، وذلك لأن تأويل النص بصرفه من العموم إلى الخصوص أو من الخصوص إلى العموم أو بصرفه من الحقيقة إلى المجاز وغير ذلك من أوجه التأويل ليس هو «إبطالًا» للنص، وإنما هو إعمال له في أحد معنييه بكامل دلالته، وإعمال النص - ولو في أحد معنييه - مناف لإبطاله، فليس التأويل إبطالًا وإنما هو ترجيح لأحد معنيي أو محملي النص على الآخر، وشأن التعليل في ترجيح أحد هذين المحملين هو شأن أي قرينة تصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول فلا يُقال بأن هذه القرينة بتأثيرها على النص بالتأويل تكون قد أبطلته.
نعم، يمكن القول بأنها أبطلت ظاهره، ولكنَّ هذا شيء وإبطاله كليا شيء آخر. ومن هنا قال الصفي الهندي، ﵀، عندما علّق على اشتراط الأصوليين لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله بالكلية فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز» (^١).
فإن قيل: فما الدليل على أن عَوْد العلّة على ظاهر النص بالإبطال يفترق عن عودها عليه كليًا بذلك، وأن عودها على الظاهر بالإبطال لا يُعدّ من قبيل عود الفرع على أصله بالإبطال لا سيما أن العلة منبثقة عن النص كلّه بكلتا دلالتيه الظاهرة - أو الظنية - والقاطعة؟
_________________
(١) الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٣.
[ ١٧٩ ]
فالجواب هو أنّ القول بانبثاق العلة عن كلا دلالتي النص الظنية والقطعية - وقد سبق شرح هذين الدلالتين في مقتضى النص في الفصل الأول - فيه نظر.
ووجه ذلك أن الدلالة القطعية للنص - وهي ما دلّ عليه النص قطعًا - تكفي بمجردها للتعريف بعلة النص، لذلك فإنها - وحدها دون الدلالة الظنية - هي أصل العلة والعلة فرعها، ومن هنا سبق القول بأنه لا يجوز للعلة أن تعود عليها بالتأثير، وبأن مجال تأثير التعليل على النص يتحدد بما دون المقتضى القطعي للنص، فإذا كان ذلك خرج عود العلة على المقتضى الظني للنص بالإبطال عن كونه عودًا للفرع على أصله بذلك لأنه - وكما سبق القول - ليست العلة فرعًا لمقتضى النص الظني وإنما لمقتضى النص القطعي فقط.
ويمكن توضيح هذا القول بمثال، وهو اجتهاد المالكية في الحديث «القاتل لا يرث» (^١)، إذ يرى الإمام مالك، ﵀، أن القتل المانع من الإرث هو فقط القتل العمد العدوان؛ وذلك لأن العلة في الحرمان من الإرث - كما رآها هو - هي معاملة القاتل المستعجل للإرث بنقيض مقصوده عقوبة له، ومقتضى هذه العلة هو أن لا يحرم القاتل خطأ من الإرث وذلك لعدم توفر قصد الإجرام لديه، وأن لا يحرم كذلك القاتل بحق كمستوفي القصاص وذلك لأنه لا يستحق العقوبة لقيامه بواجبه.
وعليه يكون الإمام مالك قد خصّ بمقتضى العلة هذا عموم الحديث الناصّ على حرمان القاتل - بإطلاق - من الإرث (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في المبحث السابق، المطلب الأول.
(٢) انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص ٧٢، والحطاب، مواهب الجليل، ج ٦، ص ٤٢٢.
[ ١٨٠ ]
وللحديث دلالتان:
إحداهما: قطعية وهي تفيد بأن نوعًا على الأقل مما يُسمَّى قتلًا يمنع من الإرث، وهذه الدلالة لا يجوز التأثير عليها بحال؛ لأن ذلك يعني نسخَ حكم منع القتل لاستحقاق الإرث وتعطيلَه، وهذا لا يكون إلا بخطاب من الشارع الحكيم وهو ما لم يرد، ومن هنا أجمع الفقهاء الآخذون بهذا الحديث على أن نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث، وهو القتل العمد العدوان، واختلفوا فيما سوى هذا النوع من القتل (^١).
والدلالة الثانية: ظنية وهي تفيد بأن جميع أنواع القتل تمنع من الإرث، وهذه الدلالة مأخوذة من عموم لفظ «القاتل»، وإنّما قيل بأنها ظنية لأن اللفظ العام يقبل - من حيث الاستعمال اللغوي - أن يُراد به الخاص وإن كان الأصل فيه العموم والاستغراق.
فإذا تقرر ما سبق، فإنه من غير المستهجن القول بأن دلالة النص القطعية والتي قضت بأن هناك نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث تكفي في إفادة علة الحكم، وذلك لأن العلة إذا استُنبطت بمسلك المناسبة فهي إنما تتولّد من نظر العقل في وجه المصلحة التي من أجلها ربط الشارع «الحكم» بـ «المحكوم فيه»، وما دامت دلالة النص القطعية كافية في الدلالة على هذا الربط - إذ إنها ربطت بين القتل، وهو الفعل المحكوم فيه، وبين المنع من الإرث، وهو الحكم - فإنه يمكن، بالنظر إليها بمجردها، استنباطُ علة الحكم.
_________________
(١) انظر: سعدي أبو جيب، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، ط ٢، دار الفكر دمشق، ١٤٠٤ هـ، ج ٢، ص ٩٨٦.
[ ١٨١ ]
وبناء على ذلك فليس للدلالة الظنية للنص دخْل في إفادة العلة حتى يُقال بأن اجتهاد الإمام مالك في هذا الحديث تضمّن استنباط علة عادت على أصلها بالإبطال.
وإذن فهكذا يمكن القول في كل مثال عادت فيه العلة المستنبطة من نصّ ما على ظاهر هذا النص بالإبطال.
فإن قيل: فما هو مثال عود العلة على أصلها وهي الدلالة القاطعة للنص بالإبطال؟
فالجواب إنه يمكن التمثيل لذلك بمثالين:
المثال الأول: قوله تعالى في القاذفين: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥]، على فرض عدم تعلّق الاستثناء ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعدم قبول الشهادة وإنما بالحكم بالفسق كما هو رأي الحنفية (^١).
فلو علّل أحدهم عدم قبول شهادة القاذف بأنه خرج عن حدّ العدالة بالقذف، وهذا يقتضي أنه إذا تاب قُبلت شهادته لأن العدالة تعود بالتوبة، فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن لفظ التأبيد «أبدًا» أفاد القطع بدوام الحكم في كل الأحوال، والتعليل وهو مظنون أفاد حكما غير ذلك، فإذا تعارض ظني مع قطعي لم يكن شكٌ في بطلان ما هو ظني.
المثال الثاني: تعليل قوله -ﷺ- لأحد أصحابه إذ أراد أن يضحّي بجذعة (^٢) "اذبحها ولا تصلح لغيرك" وفي رواية "ولن تجزي عن أحد بعدك" (^٣) - بأن
_________________
(١) انظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج ٥، ص ١١٩.
(٢) والجذعة من المعز: ما دخل السنة الثانية انظر: ابن حجر، فتح الباري ج ١٠، ص ٧.
(٣) البخاري، الصحيح، الأحاديث رقم (٥٥٥٦)، (٥٥٥٧).
[ ١٨٢ ]
ذلك كان لأنه لا يجد مُسنَّة (^١) يضحي بها، فيُقاس عليه من هو مثله في عدم وجدانه ذلك فيجوز له أن يضحي بما وجد عنده حتى لو لم تستوف أُضحيتُه السنّ المقررة لها شرعًا.
فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن قوله -ﷺ-: "ولن تجزي عن أحدٍ بعدك" قاطع في الدلالة على تحصيص الحكم بذلك الصحابي فلا يجوز إلحاق غيره به بالتعليل لمنافاة التعليل حينئذ لدلالة النص القاطعة.
الدليل الثاني: هو أن القول بتأثير تعليل النص على دلالته «يُفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح إذ الظن المستفاد من اللفظ أقوى من المستفاد من الاستنباط» (^٢). ومثل هذا لا يجوز.
ويرد على هذا الدليل أمران:
أحدهما: أن الظن المستفاد من ظاهر النص ليس دائما أقوى وأرجح من الظن المستفاد من العلة، كما هو الحال في كثير من الأمثلة مما مرّ سابقًا وسيرد لاحقًا.
والآخر: أنه حيثما كان الظن المستفاد من ظاهر اللفظ أقوى من الظن المستفاد من العلة لم يجز القول بتأثير العلة على هذا الظاهر كما سبق توضيح ذلك في الفصل الأول. وعلى هذا خرج هذا الدليل عن محلّ النزاع.
الدليل الثالث: وهو ما قاله إلكيا الهراسي من أنه لا يجوز للعلة المستنبطة أن تخصّص عموم النص الذي أُخذت منه «لأنّ العموم ينبغي أن يُفهم ثم يُبحث عن دليله، فإن فهم معنى اللفظ سابق على فهم معناه المستنبط، وإذا فُهم عمومه فكيف يتّجه بناء علة على خلاف ما فُهم منه» (^٣).
_________________
(١) المسنة من المعز: ما دخل السنة الثالثة انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ١٠، ص ١٦.
(٢) الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٢.
(٣) المرجع السابق، ج ٣، ص ٣٧٨.
[ ١٨٣ ]
وقريب من هذا قول الغزالي: «إنّ من منع العلة التي تعكِّر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس [التعليل] ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولا، ثم طلب علته» (^١).
وقد كفى إلكيا الهراسي المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته مؤونة الاعتراض على هذا الدليل فأجاب عنه بقوله:
«ويتّجه للمخالف أن يقول: المعنى الذي يُفهم من العموم في النظر الثاني ربما نراه أوفق لموضوع اللفظ ومنهاج الشرع، وذلك تنبيهٌ إمّا بفحوى الخطاب ومخرج الكلام، وإمّا بأمارة أخرى تُفصِّل الكلام، وذلك راجحٌ على ما ظهر من اللفظ، وهذا المعنى لا يُقدَّر مخالفًا للفظ ولكن يُقدّر بيانًا له، فالذي فهمناه أولًا العموم، ثم النظر الثاني يبين أن المراد به الخصوص فغلب معهود الشرع على معنى ظاهر اللفظ» (^٢).
الدليل الرابع: وهو ما استشكله الشاطبي على المقدمة العاشرة من الموافقات والتي تنصّ على أنه: «إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا ويتأخّر العقل فيكون تابعًا فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدْر ما يُسرّحه النقل» (^٣) - من أن بعض الأصوليين قرّر «أنّ المعنى المناسب إذا كان جليًا سابقًا إلى الفهم عند ذكر النص، صحّ تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له والزيادة عليه، ومثلوا ذلك بقوله -ﷺ-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^٤) فمنعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوّشات، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب
_________________
(١) الغزالي، شفاء الغليل، ص ٨٤.
(٢) الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٨.
(٣) الشاطبي، الموافقات، ج ١، ص ٨٧.
(٤) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٧١٥٨) بلفظ قريب.
[ ١٨٤ ]
فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقُّف» (^١). وهذا منافٍ للمقدمة آنفة الذكر.
وقد أجاب الشاطبي عن هذا الإشكال بقوله: «إنّ إلحاق كل مشوّش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ، وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير فليس من تحكيم العقل، بل من فهم معنى التشويش ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوّش؛ فجاز القضاء مع وجوده؛ بناء على أنه غير مقصود في الخطاب. هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى وأنّ مطلق الغضب يتناوله اللفظ لكن خصَّصَه المعنى، والأمر أسهل من غير احتياج إلى تخصيص فإنّ لفظ عضبان وزنه فعلان، وفعلان في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء ممّا اشتُق منه، فغضبان إنّما يستعمل في الممتلئ غضبًا كريان في الممتلئ ريًا، وعطشان في الممتلئ عطشًا، وأشباه ذلك، لا أنه يُستعمل في مطلق ما اشتُقّ منه، فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبًا، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب أو ممتلئ الغضب، وهذا هو المشوّش، فخرج المعنى عن كونه مخصِّصا، وصار خروج يسير الغضب عن النهي بمقتضى اللفظ لا بحكم المعنى؛ وقِيس على مشوّش الغضب كلُّ مشوش، فلا تجاوز للعقل إذن» (^٢).
ولا يخفى ضعف هذا الجواب على ذي نظر، وذلك لأنه - على فرض التسليم به من الناحية اللغوية - إنّما يستقيم في مثال النهي عن القضاء حالة الغضب فحسب، وأمّا في غيره من الأمثلة - وهي بالعشرات - فلا يمكن الإجابة عنها بمثل هذا الجواب فيبقى إشكال تقديم العقل على النقل قائمًا فيها.
_________________
(١) الشاطبي، البحر المحيط، ج ١، ص ٨٩.
(٢) الشاطبي، الموافقات، ج ١، ص ٩٠.
[ ١٨٥ ]
والجواب الصحيح عن هذا الإشكال هو أن تأثير تعليل النص على دلالته وإن تضمن تقديمًا للعقل على النقل فإنّ هذا إنما كان بموافقة الشرع وإقراره كما يظهر من خلال ما أُورد في الفصل الثاني من اجتهادات للصحابة انبنت على هذا الأصل فأقرها النبي -ﷺ-، هذا من ناحية، وَمن ناحية أخرى، فإنّ التعليل ليس عملًا عقليًا محضًا بل هو محاطٌ بضوابط وقيود شرعية ومدلولٌ عليه بأدلة سمعية توقيفية، قال الغزالي ﵀: إنّ الأدلة على العلة لا تكون إلا سمعية وتعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها لا يمكن إلا بالأدلة السمعية كما يثبت الحكم الشرعي تمامًا (^١).
«فإن قيل: فالحكم لا يثبت إلا توقيفًا ونصًا فلتكن العلة كذلك قلنا: لا يثبت الحكم إلا توقيفًا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام مجرد النص، بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلة، فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يُقتصَر فيه على النص» (^٢).
فإذا تقرر ما سبق لم يكن القول بتأثير تعليل النص على دلالته قولًا بتقديم العقل على النقل بتاتًا.
وأخيرًا وبعد استعرض أدلة المجيزين والمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها يظهر بجلاء رجحانُ أدلة المجيزين وهشاشة أدلة المانعين، لا سيما إذا أُضيف إلى أدلة المجيزين ما سبق إيراده من اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم التي انبنت على تأثير تعليل النص على دلالته سواء تلك التي كانت إبّان حياته -ﷺ- فأقرهم عليها أو تلك التي كانت بعد وفاته -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: الغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٢٨٠.
(٢) الغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٢٨١.
[ ١٨٦ ]