الاقتضاء هو الاستلزام أو التطلّب (^٢). ومقتضى العلّة هو ما تستلزمه أو تتطلبه العلة، أو إن شئتَ قلتَ: ما تدل عليه العلة، وذلك كما نقول: مقتضى الأمر الوجوب أي: ما يدل عليه هو الوجوب، أو ما يستلزمه هو الوجوب.
والذي تقتضيه العلة - إذا ثبتت لأحد الأحكام بمسلك صحيح - أمران:
أحدهما: ثبوت هذا الحكم لكل محل توجد فيه هذه العلة، وهذا ناشئ عما يعبر عنه الأصوليون بـ «اطراد العلّة» (^٣) أو «العموم العقلي للعلة» (^٤).
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ١، ص ٥٦، ٥٧ مع حذف ما لا حاجة إليه.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ٧٧١.
(٣) انظر: إمام الحرمين: أبو المعالي الجويني، البرهان في أصول الفقه، ط ٣، دار الوفاء، المنصورة، ١٤١٢ هـ، ج ٢، ص ٦٤٨، وسيشار له: إمام الحرمين، البرهان. والغزالي، المنخول من تعليقات الأصول، ط ٢، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٠ هـ، ص ٣٤٨، وسيشار له الغزالي، المنحول. والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٣٥.
(٤) انظر: الرازي، المحصول ج ١، ص ٣٥٥.
[ ٢٠ ]
والآخر: انتفاء هذا الحكم عن كل محل لا تتحقق فيه هذه العلّة.
وهذا ناشئ عما يعبر عنه الأصوليون بـ «انعكاس العلة» (^١) أو «المفهوم المخالف للعلة» (^٢).
فالمقتضى الأول موجب للحكم والمقتضى الآخر سالبٌ للحكم، وفيما يلي شرح لهذين المقتضيين بشيء من التفصيل:
أولًا: مقتضى اطراد العلة:
معناه: ثبوت حكم العلة في كل محل تتحقق فيه.
وبيان ذلك: أنه إذا تقرر أن حكمًا من الأحكام الشرعية ثبت في محل من المحال لعلة من العلل، كما لو قيل بتحريم قضاء القاضي حالة الغضب لما في ذلك من تشوش الفكر الحائل دون الإصابة في الحكم - فإنّ مقتضى اطراد العلة هذه - وهي تشوش الفكر - هو ثبوت حكمها، وهو في المثال التحريم، لجميع المحال التي تتحقق فيها هذه العلة.
فيحرم بناءً على هذا المقتضى القضاء حالة الألم المفرط، أو الجوع المفرط، أو النعاس المفرط، أو الحزن المفرط، وغير ذلك من المحال التي تتحقق فيها العلة.
الفرق بين مقتضى اطراد العلة وبين القياس:
فإن قيل: فما الفرق بين مقتضى اطراد العلة وبين القياس مع أنهما في النتيجة يشتركان في كونهما إلحاق واقعة مسكوت عنها بأخرى منصوص عليها إذا اشتركتا في العلّة المقتضية للحكم؟
_________________
(١) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٥٥١، والغرالي، المستصفى، ط ٢، ص ١٤٣، دار الكتب العلمية، بيروت، ج ٢، ص ٣٤٤، وسيشار له: الغزالي، المستصفى، والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٤٣.
(٢) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٤، ص ٣٦، وإمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٥٥٦.
[ ٢١ ]
فالجواب: نعم، هما من حيث النتيجة سيّان؛ إذ لا اختلاف بين الحكم بالقياس في واقعة ما وبين الحكم بمقتضى اطراد العلة في الواقعة ذاتها بل هما يؤديان الغرض نفسه ويثبتان الحكم نفسه، وإنما يكمن الفرق بينهما - ولم أرَ من نبّه على ذلك - في طريقة إجراء كل منهما من قِبَل المجتهد وذلك من وجهين:
الأول: أن المجتهد حين إجرائه القياس يبتدئُ النظر في الواقعة المسكوت عنها ليلحقها بما يشابهها من الوقائع المنصوص عليها، وهذا بخلاف حاله إذا أراد أن يحكم بمقتضى اطراد العلة، فإن نظره إذ ذاك، ينصب بادئ ذي بدء على الواقعة المنصوص عليها ليستنبط منها العلة ثم ليعمم حكمها في جميع الوقائع المسكوت عنها التي تتحقق فيها هذه العلة.
فالقياس - على ذلك - يبدأ بالمسكوت عنه، والحكم بمقتضى اطراد العلّة يبدأ بالمنطوق به.
والوجه الثاني: أن المجتهد حين إجرائه القياس ينظر في إلحاق واقعة مفردة مسكوت عنها بأخرى منصوص عليها وأما في مقتضى اطراد العلة فينظر في إلحاق عموم الوقائع المسكوت عنها والتي تتحقق فيها العلة بحكم الواقعة المنصوص عليها التي أُخذت منها هذه العلة.
وعليه فمقتضى اطراد العلة هو حكم بجملة من الأقيسة في آن واحد دفعة واحدة واللَّه أعلم.
عموم العلة وعموم اللفظ والفرق بينهما:
والحكم بمقتضى اطراد العلة أو - بعبارة أخرى - بمقتضى عموم العلة، بما هو تتبع لمحال تحقق العلة لإلصاق حكمها بهذه المحال، كالعموم اللفظي الذي
[ ٢٢ ]
هو تتبع لمحال تحقق الاسم العام لإلصاق حكمه بها - فإنه يختلف عن الحكم بمقتضى عموم اللفظ اختلافًا جوهريًا، نشأ عن التباين بين طبيعة كلا العمومين: عموم العلة، وعموم اللفظ.
فعموم العلة، عموم عقلي لا بد فيه من الاطراد كما هو الشأن - تقريبًا - في القضايا العقلية إذ لا تثبت إلا بالاستقراء التام.
أما عموم اللفظ فهو عموم لغوي خاضع للاصطلاح، وقد اصطلح العرب في خطابهم على أن لا يشترط له الاطراد، ولذا كان من السائغ بل الواقع الكثير أن يُحدَّ من عموم اللفظ بالتخصيص فيبطل حكم اللفظ في محلّ التخصيص بينما يبقى عاملًا فيما هو وراءه من المحال، ولا يُعد هذا التخصيص بحال من الأحوال إبطالًا للفظ العام بالكلّية.
أما عموم العلة فإن ثبت تخصيصه أو - بعبارة أخرى - إن ثبت تخلّف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر» (^١) بين محل التخصيص وبين باقي المحال، فإن هذا يُعد إبطالًا «نقضًا» لهذه العلة بالكلية.
قال الغزالي، ﵀: «اعلم أن العلة إذا ثبتت فالحكم بها عند وجودها حكم بالعموم، فإنه إذا ثبت أن الطعم علة انتظم منه أن يقال: كل مطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فكان ربويًا، وإذا ثبت أن السُّكْر علة انتظم أن
_________________
(١) كانتفاء شرط لعمل العلة أو وجود مانع من عملها أو وجود علة أخرى تقتضي حكمًا آخر. انظر: آل تيمية، المسودة في أصول الفقه، دار الكتاب العربي، بيروت، ص ٤١٤، وسيشار له: آل تيمية المسودة والغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٣٣٤.
[ ٢٣ ]
يُقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حرامًا، وكذلك في كل علة دل الدليل على كونها مناطًا للحكم فينتظم منها قضية عامة كلية تجري مجرى عموم لفظ الشارع بل أقوى؛ لأن عموم اللفظ معرّض للتخصيص، والعلة إذا كانت عبارة عن مناطٍ [و] كانت جامعة لجميع أوصافها وقيودها لم يتطرق إليها تخصيص؛ إذ يكون تخصيصها نقضًا لعمومها» (^١).
فإن قيل: فتخصيص العلة ونقضها به مسألة مختلف فيها بين الأصوليين حتى حكى الزركشي فيها بضعة عشر قولًا (^٢)، فكيف ساغ هاهنا - وكما دلّ عليه كلام الغزالي - جزم القول بأن تخصيص العلة غير جائز وأنه إذا ثبت لعلة من العلل فإنه يُعدّ نقضًا لها.
فالجواب: هو أن ما سبق تقريره من أن ثبوت تخلف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر» بين محل التخلف وبين باقي المحالّ يُعدّ نقضًا للعلة أمرٌ - بعد التمحيص - لا خلاف فيه، والذي جرى بين الأصوليين في هذه المسألة هو خلافٌ وهمي لا حقيقة له، إذ هو دائر على الألفاظ فحسب نشأ - في أغلبه - عن اختلاف مآخذهم في تفسير العلة.
وقد أشار إلى عدم جدوى الخلاف في هذه المسألة ولفظيته كل من إمام الحرمين (^٣) والغزالي (^٤)، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب (^٥) والبيضاوي (^٦)، وقرره
_________________
(١) الغزالي، أساس القياس، حققه د. فهد السرحان، ط ١، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٣ هـ، ص ٤٣، وسيشار له: الغزالي، أساس القياس.
(٢) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ٢٦٢.
(٣) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٦٤٨.
(٤) انظر: الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، ط ١، رئاسة ديوان الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي، العراق، ١٣٩١ هـ، ص ٤٥٨، وسيشار له: الغزالي، شفاء الغليل.
(٥) أ بو عمرو بن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ ص ١٧٢. وسيشار له: ابن الحاجب، منتهى الوصول.
(٦) البيضاوي، منهاج الوصول في معرفة الأصول، ط ١، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ص ٢٣٦.
[ ٢٤ ]
ابن تيمية، ﵀، في «مجموع الفتاوى» (^١)، وكذلك فعل ابن الهمام في «التحرير» (^٢) والأنصاري في «فواتح الرحموت» (^٣) وأطال في بيانه الأستاذ شلبي في «تعليل الأحكام» (^٤).
وعليه ساغ جزم القول بأن تخصيص العلة لا يجوز وأنه إذا ثبت فإنه يُعد نقضًا لها.
والفلسفة في ذلك أن قول المعلل: إنّ هذا الحكم شُرع لهذه العلة، بعد ثبوت تخصيصها أو - بعبارة أخرى - بعد وجود محل تحقّقت فيه هذه العلة ولم يُشرع له ذات الحكم - ينافي منطقية وعدالة وحكمة التشريع اللائي يقضين بوجوب التشريك بين المتشابهات في الحكم، فإذا ما ثبت أنّ ثمة فرقًا معنويًا بين محلّ الحكم وبين محل التخلف كان ذلك خروجًا عن هذه المنافاة.
ثم إن المجتهد في استنباطه للعلة إنما يستدلُّ على كونها علّةً ملحوظةً للشارع في موارد أحكامه بوجود خصيصة الاطراد فيها، فإذا انخرم هذا الاطراد بثبوت التخصيص في محل من المحال دون عذر مانع دلَّ هذا على عدم اعتبار الشارع لهذه العلة.
ثانيًا: مقتضى انعكاس العلة:
ومعناه: انتفاء حكم العلة عن كل محل لم تتحقق فيه.
_________________
(١) انطر: تقي الدين أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن العاصمي، ج ٢٠، ص ١٦٧.
(٢) انظر: كمال الدين بن الهمام الإسكندري الحنفي، التحرير، ومعه تيسير التحرير، دار الكتب العلمية، بيروت، ج ٤، ص ١٧، وسيشار له: ابن الهمام، التحرير.
(٣) انظر: عبد العلي الأنصاري، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، بذيل المستصفى، ط ٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ج ٢، ص ٢٧٩، وسيشار له: الأنصاري، فواتح الرحموت.
(٤) شلبي، تعليل الأحكام، ص ١٧٤ - ١٨٨.
[ ٢٥ ]
وبيان ذلك: أنه إذا تقرر أن حكما من الأحكام الشرعية ثبت في محل من المحال لعلة من العلل كما سبق القول بتحريم قضاء القاضي حالة الغضب لعلة تشوش الفكر - فإن مقتضى انعكاس العلة هو انتفاء هذا الحكم عن كل محل لم تتحقق فيه العلة المذكورة، فيحل بناء على هذا المقتضى القضاء حالة الغضب اليسير الذي لا يشوش لخلوّه من العلة المقتضية للتحريم.
والفلسفة التشريعية التي ينبني عليها القول بمقتضى انعكاس العلة أو - بعبارة أخرى - القول بزوال الحكم إذا زالت علته: هي أن العلة هي الباعث على تشريع الحكم أو هي المصلحة التي يستهدفها الحكم، فإذا انتفى الباعث أو انعدمت المصلحة وافترضنا عدم انتفاء الحكم لذلك، كان هذا الحكم ثابتًا من غير باعث ومستهدفًا ما ليس بمصلحة، وهذا لا يجوز؛ لأنه مناقض لحكمة الباري ﷾ ولِما اطرد في أحكامه من أنها شُرعت لعلل ومصالح سواء أمكن الوقوف عليها أم لا.
انعكاس العلة عند الأصوليين (^١):
فإن قيل: يلزم من القول بزوال الحكم إذا زالت علّته القول باشتراط الانعكاس في العلل الشرعية، وهذه قضية خلاف بين الأصوليين، والأكثرون على عدم اشتراطه فكيف يصح جزم الحكم في أفراد المسائل بمقتضى انعكاس العلة مع أن اشتراطه قضية خلاف؟!
فالجواب هو أن القول في انعكاس العلة كالقول في اطرادها سواءً بسواء، وقد سبق بيان أن الأصل هو اطراد العلة وأنه لا يجوز الحدُّ من هذا الاطراد في محل من المحال إلا لعذر مانع، فكذلك الانعكاس لا بدّ منه إلا أن يمنع منه مانع - يقوم عليه
_________________
(١) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٥٥١، والغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٣٤٤، والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٤٣.
[ ٢٦ ]
الدليل - وهذا مما لا ينبغي الخلاف فيه، قال إمام الحرمين: «دينًا حقَّ على كل مجتهد أن يفتي بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ولم يحجز حاجز» (^١).
وقال الغزالي، ﵀: «اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية وهذا الخلاف لا معنى له، بل لا بد من تفصيل، وقبل التفصيل فاعلم: أن العلامات الشرعية دلالات فإذا جاز اجتماع دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم، لكناّ نقول: إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم، لا لأن انتفاء العلة يوجب الحكم بل لأن الحكم لا بد له من علة، فإذا اتحدت العلة [أي كانت واحدة] وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتًا بغير سبب، أما حيث تعدّدت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها» (^٢).
والذي يُلحظ من كلام الغزالي هذا هو أن القول في اشتراط الانعكاس، إثباتًا ونفيًا، إنما ينبني على كون الحكم معلّلًا بعلة واحدة أو أكثر، فحيث قيل في حكم من الأحكام: إنه معلل بعلل، فحيث انتفت إحدى هذه العلل لم يلزم من ذلك انتفاء الحكم لأنه يثبت بغيرها من العلل، ومثال ذلك:
مَنْ قَتَل وارتدّ، فإنّ دمه يباح لعلّتين:
الأولى: الردة.
والثانية: القتل العمد العدوان.
فإذا انتفت علة الردة، بأن فاء إلى الإسلام، لم ينتفِ حكم إباحة الدم لثبوته بالعلة الأخرى، وإذا انتفت علة القتل العمد العدوان، كأن تراجع
_________________
(١) إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٥٥٩.
(٢) الغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٣٤٤.
[ ٢٧ ]
الشهود، لم ينتفِ كذلك حكم إباحة الدم.
إذن، فالانعكاس ليس يُشترط في حالة تعدد العلل الموجبة للحكم، أما حيث قيل: بأن الحكم معلل بعلة واحدة فقط، فلا بد حينئذ من اشتراط الانعكاس أو - بعبارة أخرى - لا بد من انتفاء الحكم إذا انتفت هذه العلة.
ومثال ذلك: ما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات هي حاجة الدولة إليهم في كفّ شرهم وشرّ غيرهم، فإذا انتفت هذه العلة بأن قويت الدولة فلم تعد بحاجة إليهم، كان لا بد من قطع العطاء عنهم؛ لأنا لو أعطيناهم - والحالة هذه - لكان هذا لغير علة ولا مصلحة وهو لا يجوز، ولعل هذا هو منحى اجتهاد عمر -﵁- في هذه المسألة (^١).
أما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة ليست هي ما سبق فحسب، بل يضاف إليها علة تشوف الشارع إلى إسلامهم ببذل المال لهم تحبيبًا لهم في الإسلام، ففي مثل هذه الحالة لا يشترط الانعكاس، لأنها إن انتفت الحاجة إلى دفع الشر؛ نظرًا إلى قوة الدولة، فإنها لا تزال تبقى الحاجة إلى التأليف والتحبيب في الإسلام، وبهذه العلة يثبت الحكم وإن زالت العلة الأولى، وعلى هذا لا يُمنع عطاء المؤلفة بحال.
وعليه فحاصل مسألة الانعكاس، وحاصل ما قاله الغزالي، ﵀، في هذا الشأن: هو أنه لا بدّ من زوال الحكم إذا زالت علته إلا أن يثبت الحكم لعلة أخرى.
وهذا لا ينبغي الخلاف فيه، قال العلامة الأصولي الصفي الهندي (^٢): «لا ينبغي أن يكون فيما ذكره الغزالي [وهو ما أُورد آنفًا] خلافٌ ونزاعٌ لأحد» (^٣).
_________________
(١) سيأتي في الفصل الثاني تفصيل القول في هذا الاجتهاد.
(٢) هو: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الآرموي الهندي: فقيه أصولي، ولد بالهند، وخرج إلى اليمن ومصر والروم، واستوطن دمشق، أشهر مصنفاته: «نهاية الوصول إلى علم الأصول» في أصول الفقه، توفي سنة ٧١٥ هـ. انظر: خير الدين الزِّركلي، الأعلام، ط ١٠، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٢ م، ج ٦، ص ٢٠٠، وسيشار له: الزركلي، الأعلام.
(٣) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٤٤.
[ ٢٨ ]
مثال لتوضيح مقتضى العلة طردًا وعكسًا في المسألة الواحدة:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. دلت هذه على تحريم البيع وقت النداء يوم الجمعة، وهذا الحكم مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
وعلة هذا الحكم - كما هي لائحة من خلال السياق - هي أن البيع شاغل عن السعي المطلوب.
ولهذه العلة - بطردها وعكسها - مقتضيان: موجب وسالب، أما الموجب - وهو مقتضى اطراد العلة - فهو تحريم كل عمل تحققت فيه علة الإشغال عن السعي يوم الجمعة، فيدخل في هذا إجراء العقود كلها وقت النداء، كالإجارة والسَّلم والهبة والدين وحتى عقد النكاح.
بل يدخل فيه كذلك كل عمل هو في الأصل مباح لكنها تتحقق فيه علة الإشغال كالأكل والشرب واللعب وغير ذلك.
لا يقال: ويدخل الوضوء أو الاغتسال وقت النداء لأنه شاغل عن السعي.
لأنا نقول: إن الأمر بالشيء أمرٌ بلوازمه، فالأمر بالصلاة أمر بالوضوء، وعليه يكون الوضوء أو الغسل وقت النداء جزءًا من المأمور به بالنص نفسه.
فإن قيل: فهذا نقض للعلة إذ هي لم تستلزم حكمها في جميع محالّ تحققها.
[ ٢٩ ]
فيقال: بل هو تخصيص لها وقد سبق القول بجوازه بوجود دليل مانع من اطرادها ينبني على وجود فرق مناسب بين محل التخصيص وبين باقي المحال، وهو الحاصل هاهنا.
هذا هو مقتضى اطراد العلة وهو موجب للحكم في جميع محال تحقق العلة.
وأما المقتضى الآخر، وهو مقتضى انعكاس العلة، فيسلب حكم تحريم البيع عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها العلة، وهي الإشغال عن السعي، حتى لو كان أحد هذه المحال مندرجًا في جنس البيع.
وهذا يُتصور في حالة ما إذا تعاقد المتبايعان وهما - مثلًا - في سيارة أو حافلة تسعى بهما إلى المسجد.
ففي هذه الحالة وُجد جنس متعلق الحكم، وهو مطلق البيع، وانتفت العلة المقتضية للتحريم، وهي الإشغال عن السعي، فأُبيحت هذه الصورة من مطلق البيع.
[ ٣٠ ]