مقتضى النص هو ما يدل عليه أو يستلزمه النص، والذي يدل عليه النص هو الحكم الشرعي بأنواعه المختلفة.
فإن كان النص قولًا فلا يخلو أن يكون أمرًا أو نهيًا أو تخييرًا.
فالأمر يدلُّ - كما هو رأي الجمهور (^١) - على الوجوب إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الندب أو الإباحة.
والنهي يدل على التحريم إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الكراهة، والتخييرُ يدلُّ على الإباحة.
_________________
(١) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٢، ص ٣٦٥، ومحمد بن على الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، ط ١، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ، ص ١٦٩، وسيشار له: الشوكاني، إرشاد الفحول.
[ ٣٣ ]
وإن كان النص فعلًا ففي دلالته على الحكم الشرعي تفصيل كثيرٌ عند الأصوليين (^١) يمكن تلخيصه بما يلي:
الفعل لا يخلو، إما أن يكون على سبيل القربة، وإما لا، فإن لم يكن على سبيل القربة كالأكل والشرب والجماع، فهو يدل على الإباحة، وإن كان على سبيل القربة فهو على وجهين:
الأول: أن يُفعل بيانًا لغيره كأفعاله -ﷺ- في الصلاة والحج إذ قد ورد بهما الأمر مجملًا فبيّنهما -ﷺ- بفعله، والأصل في هذا الفعل أن يتبع في حكمه حكم المبيَّن إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك.
والثاني: أن يُفعل ابتداءً من غير سبب كما روي أنه -ﷺ- كان يضجع بعد ركعتي الفجر (^٢)، ففي دلالة هذا الفعل على الحكم ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأصل فيه أن يدل على الوجوب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل.
القول الثاني: الأصل فيه أن يدل على الندب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل.
القول الثالث: أنه يُتوقف فيه فلا يحمل على الوجوب أو الندب إلا بدليل.
وإن كان النص إقرارًا فهو يدل على جواز الفعل المقرّ ورفع الحرج عن فاعله.
_________________
(١) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٤، ص ١٧٦ - ١٨١. وأبو إسحاق الشيرازي، شرح اللمع، ط ١، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٨ هـ، ج ١، ص ٥٤٥ - ٥٥٢، والغزالي، المستصفى، ج ٢، ص ٢١٤ - ٢٢١.
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١١٦٠).
[ ٣٤ ]
القطعية والظنية في مقتضى النص:
والنص إما أن يدل على الحكم قطعًا كما هو في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وإما أن يدل عليه ظنًا كما هو في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فقد قال قوم بوجوب كتابة الدين كما هو ظاهر النص، وقال قوم بندبها لأدلة قرروها (^١).
وإفادة القطع بمجرد النصوص وحدها قليل، وبعضهم نفاه، وذلك لكثرة الاحتمالات التي ترد على الألفاظ إلا أن القطع يكثر في النصوص إذا نظرنا إليها مع ما يحتف بها من القرائن المؤكِّدة لظواهرها (^٢).
فمثلًا ما سبق إيراده آنفًا وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وإن كان قطعيًا في تحديد عدد الجلدات فإنه مظنون في إفادة وجوب الجلد، وذلك لأن صيغة الأمر وهي هاهنا «فاجلدوهم» تتردد - بحسب ما تقضي به اللغة - بين الطلب الجازم وبين الطلب غير الجازم، وسواء أقيل بأنها ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب، أم قيل بأنها مشتركة بن المعنيين، فإنها على كل تقدير تظل ظنية الدلالة.
هذا إذا كان النظر منصبًّا على مجرد النص، وأما إذا نظرنا إلى النص مع ما احتف به من قرائن، وأهمها تعامل النبي -ﷺ- معه، وكيف أنه كان لا يتساهل
_________________
(١) انظر: أبو بكر أحمد بن علي الجصاص، أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ج ٢، ص ٢٠٥، وسيشار له: الجصاص، أحكام القرآن.
(٢) انظر: فخر الدين الرازي، المحصول، ج ١، ص ١٧٢ - ١٧٨.
[ ٣٥ ]
في شأن الحدود ولا يتوانى في تطبيقها ولا يقبل الشفاعة فيها وغير ذلك - لم نرتَبْ في القول بأن النص هاهنا يدل على وجوب الجلد ثمانين قطعًا.
ومما ينبغي تقريره هاهنا هو أن الكثرة الكاثرة من النصوص التي تدل على أحكامها قطعًا لا تخلو - على الرغم من قطعيتها - من «دلالات ظنية» على جوانب ومتعلَّقات الحكم المقطوع.
فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وإن كان - مع ما احتفّ به من قرائن - قاطعًا في وجوب الجلد ثمانين فإنَّه - مع ذلك - ظنيٌّ في كثير من جوانب هذا الحكم ومتعلقاته:
فمثلًا: النص مطلق في طلب الجلد بغضّ النظر عن محلّ الجلد أهو الظهر أو البطن أو الأطراف، وبغض النظر عن الشيء الذي يتم به الجلد، وبغض النظر عن شدة الجلد ودرجة قوته.
ثم إن النص عام في المجلودين، لذا فهو يقبل التخصيص بدليل كما هو الشأن في العبد إذ قد جلده الخلفاء الراشدون أربعين على النصف من حدِّ الحُر (^١).
وكذا هو عام في مكان الجلد حيث منع العلماء من إقامة الحد في المسجد (^٢)، وكذا حصل خلاف في إقامة الحد في الغزو وفي دار الحرب (^٣).
_________________
(١) مالك، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٦ هـ، ج ٢، ص ٨٣٨، وإسناده على شرط البخاري.
(٢) انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ط ١، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧ هـ، ج ١٢، ص ١٣٢، وسيشار له: ابن حجر، فتح الباري.
(٣) انظر: محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ، ج ٧، ص ٢٨٦، وسيشار له: الشوكاني، نيل الأوطار.
[ ٣٦ ]
وكذا النص عام في زمان الجلد، وفيمن يقوم بالجلد أهو الإمام أم يجوز ذلك للأفراد، كالأب على ابنه، أو السيد على عبده، وغير ذلك (^١).
فكل هذا الذي ذُكر من متعلقات وجوانب حكم «وجوب الجلد ثمانين» هو مقتضيات ظنية للنص ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، دلّ عليها بإطلاقه أو بعمومه، ودلالة المطلق على الإطلاق، والعام على العموم هي - كما هو عند الجمهور - دلالات ظنية تقبل التخصيص والتقييد.
إذن، فالنص وإن كان - أحيانًا - قاطع الدلالة على الحكم فإنه يبقى مع ذلك ظني الدلالة على كثير من جوانبه ومتعلقاته كزمانه ومكانه ومحله وكيفيته وغير ذلك.
وفي مقابل هذا فإن النص الدال على الحكم ظنًا لا يخلو - على الرغم من ظنيته - من أن تكون له «دلالات قطعية»، بل لا بد له من ذلك.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإن كان ظنيًا في الدلالة على مدة التربص للاشتراك في لفظ «القرء» فإنه قاطع في حصر مدة التربص بين ثلاث حيض وبين ثلاثة أطهار فلا يجوز بحال أن يُختلف في أن العدة لا تقل عن ثلاث حيض وأنها لا تزيد عن ثلاثة أطهار.
ومثلًا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وإن كان ظنيًا في تحديد ماهية اللمس الناقض للوضوء أهي الجماع أم الجسُّ باليد، فإنه قاطع في كون اللمس لا يخرج عن هذين المعنيين، فالنص إذن يدل قطعًا على أن واحدًا من
_________________
(١) انظر: المرجع السابق، ج ٧، ص ٢٧٠.
[ ٣٧ ]
الجماع أو الجس باليد ناقض للوضوء، والمظنون فيه هو دلالته على أحد هذين المعنيين بالتحديد.
وقول القائل جاء الأولاد يدل دلالة ظنية على عموم الأولاد المعهودين لكنه كذلك يدل، وفي الوقت نفسه، دلالة قطعية على مجيئ أقل الجمع - وهو اثنان أو ثلاثة - من الأولاد، وإلا كان قوله - إذا لم يقصد مجيء أحد - كذبًا وزورًا، ومن هنا قال الأصوليون: إن دلالة العام على أقل الجمع دلالة قطعية (^١)، وكذلك قالوا: إن العام إذا ورد على سبب فإن صورة السبب مرادة به قطعًا فلا يصح إخراجها بالتخصيص (^٢)، مع أن العام من حيث الأصل يقبل التخصيص.
وبعد هذا كله يمكن الخلوص إلى هاتين النتيجتين:
الأولى: أن النص إذا دل على الحكم قطعًا فإنه في الوقت نفسه يدل على كثير من جوانب الحكم ومتعلقاته ظنًا.
والثانية: أن النص إذا دل على الحكم ظنًا فإنه في الوقت نفسه يدل قطعًا على حصر هذا الظن بمجال معيّن لا يصح تجاوزه.
وهاتان النتيجتان تخلصان بدورهما إلى نتيجة واحدة هي أن كل نص تشريعي - إلا النادر الذي لا يكاد يوجد - لا بد له من مقتضيين:
الأول: مقتضى قطعي: وهو ما دل عليه النص قطعًا.
والثاني: مقتضى ظني: وهو ما دلّ عليه النص ظنًا.
_________________
(١) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ١٣٩، والشيرازي، شرح اللمع، ج ١، ص ٣٤٢.
(٢) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج ١، ص ٢٥٦، وأبو إسحاق الشيرازي، اللمع في أصول الفقه، مع تخريج أحاديثه للغماري ط ١، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ص ١٢٢، وسيشار له الشيرازي، اللمع.
[ ٣٨ ]
المقتضى الظني للنص الشرعي:
إذا كان النص الشرعي ظنيًا يحتمل معنيين أو أكثر، فالنص إذ ذاك: إما أن يدلَّ على معنييه أو معانيه بدرجة من الظن مختلفة ما بين معنى وآخر وإما أن يدل عليها بدرجة متساوية.
فإذا كانت دلالته على معانيه مختلفة فلا بدّ أن تكون راجحة في معنى من المعاني ومرجوحة في غيره.
فإذا كانت راجحة في معنى من المعاني سُمِّيَ هذا المعنى ب «ظاهر النصّ» (^١)، أما المعاني المرجوحة الأخرى فتُسمى بـ «مؤول النص» (^٢).
وإذا كانت دلالة النص على معانيه بدرجة متساوية من الظن سُمّي هذا النص بـ «المجمل» (^٣) أو «المشكل» في اصطلاح الحنفية (^٤).
وعليه يمكن تعريف المقتضى الظني للنص الشرعي بأنه: دلالة النص على معنى من معانيه التي يحتملها من غير قطع، سواء أكانت هذه الدلالة من النص في غالب الظن أو في مغلوبه أو في لا غالبه ولا مغلوبه، وبتعبير آخر، سواء أكانت هذه الدلالة «ظاهرة» أو غير ظاهرة وإنّما «مؤوّلة» أو كانت لا ظاهرة ولا مؤوّلة وإنّما «مجملة».
والأصل في النص الشرعي - وهو ما تقتضيه لغة العرب - أن يُحمل على معناه الظاهر إلا أن ترد «قرينة» تعضد المعنى المؤوَّل لتنقله من الضعف إلى القوة ومن المرجوحيّة إلى الرجحان، فيتقدم بذلك على المعنى الظاهر (^٥).
_________________
(١) انظر: الغزالي، المستصفى، ج ١، ص ٣٣٦، والرازي، المحصول، ج ١، ص ٨١، والآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٧٣.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) انظر: الغزالي، المستصفى، ج ١، ص ٣٣٦، والآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ١١.
(٤) انظر: صدر الشريعة، التوضيح، ج ١، ص ١٢٦، والدريني، المناهج الأصولية، ص ٨٧.
(٥) انظر: الغزالي، المستصفى، ج ١، ص ٣٣٦، ص ٣٤٠، والرازي، المحصول، ج ١، ص ١٨٠.
[ ٣٩ ]
هذا إذا كان للنص معنى ظاهر، وآخر مؤول، وأما إذا لم يكن له ذلك بأن كان نَصًّا مجملًا فالأصل إذ ذاك التوقف عن إحالة مراد الشارع على أيّ من معانيه حتى يتسنى الوقوف على «قرينة» ترجح أحد هذه المعاني (^١).
فالقرينة على هذا، وبالنظر إلى ما سبق، شيء مشترك بين إرادة حمل اللفظ على المعنى المؤول إذا كان اللفظ محتملًا للتأويل وبين حمل اللفظ على أحد معانيه إذا كان مجملًا.
إلا أنه ثمّة فرق وهو: أن القرينة المحتاج إليها في دعم احتمال التأويل ينبغي أن تكون على قدر من القوة بحيث تفوق قوة المعنى الظاهر المقابل للمعنى المؤول، ومن هنا يشترط الأصوليون لصحة التأويل: «أن يكون الدليل الصّارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره» (^٢).
أما القرينة المحتاج إليها في رفع الإجمال عن اللفظ بترجيح أحد معانيه فلا يشترط فيها أن تكون قوية كالقرينة الداعمة للتأويل، وذلك لأن التساوي بين معاني اللفظ المجمل في القوة يجعل أحدها يترجح على غيره بأدنى دليل على خلاف الحال في الظاهر والمؤول.
ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا هو: أن علة النص يُسلك بها مسلك القرينة: إما الداعمة للتأويل وإما الرافعة للإجمال - إذا كان اللفظ مشتركًا - كما سيرد بيانه في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: الغزالي، ج ١، ص ٣٣٦، والدريني، المناهج الأصولية، ص ١٠٣، ١٠٤.
(٢) الآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٧٥.
[ ٤٠ ]