تعرض الشاطبي، ﵀، في كتاب الأدلة من الموافقات لبيان تأثير علة النص - أمرًا كان أو نهيًا - على مفهومه، فقرر أن النص يُمكن النظر إليه بطريقين:
«أحدهما: من حيث مجرّده، لا يُعتبر فيه علة مصلحية، وهذا نظر من يجري مع الصيغة مجرى التعبد المحض من غير تعليل [وهم الظاهرية] فلا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمر وأمر، ولا بين نهي ونهي» (^١).
وقال، وهو بصدد توجيه هذا النظر، والدفاع عنه: «قد مرّ في كتاب المقاصد أن كل أمر ونهي لا بد فيه من معنى تعبدي وإذا ثبت هذا لم يكن لإهماله سبيل، فكل معنى يؤدي إلى عدم اعتبار مجرّد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه، فإذن المعنى المفهوم للأمر والنهي إن كرّ عليه بالإهمال فلا سبيل إليه.
ولا يقال: إن عدم الالتفات إلى المعاني إعراض عن مقاصد الشارع المعلومة، كما في قول القائل: لا يجوز الوضوء بالماء الذي بال فيه الإنسان، فإن كان قد بال في إناء ثم صبّه في الماء جاز الوضوء به.
لأنا نقول: هذا أيضًا معارَض بما يضاده في الطرف الآخر في تتبع المعاني مع إلغاء الصيغ، كما قيل في قوله -ﷺ- "في أربعين شاة شاة" (^٢): إن المعنى قيمة شاة؛ لأن المقصود سد الخلة، وذلك حاصل بقيمة الشاة، فجعل الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا، وأدى ذلك إلى أن لا تكون الشاة واجبة وهو عين المخالفة، وأشباه ذلك من أوجه المخالفة الناشئة عن تتبع المعاني، وإذا كانت المعاني غير معتبرة بإطلاق، وإنما تعتبر من حيث هي مقصود الصيغ فاتباع
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٤٤.
(٢) أبو داود، السنن، ج ٢، ص ٢٢٦. والترمذي، السنن، ج ٣، ص ١٧، وقال: حديث حسن.
[ ١٤٢ ]
أنفس الصيغ التي هي الأصل واجب، لأنها مع المعاني كالأصل مع الفرع ولا يصح اتباع الفرع مع إلغاء الأصل» (^١).
وبعد ذلك ذكر الشاطبي الطريق الثاني للنظر في النصوص فقال:
«والثاني من النظرين: هو من حيث يُفهم من الأوامر والنواهي قصد شرعي بحسب الاستقراء وما يقترن بها من القرائن الحالية أو المقالية الدالة على أعيان المصالح في المأمورات، والمفاسد في المنهيات» (^٢).
وقال وهو بصدد توجيه هذا النظر وترجيحه:
«إن النبي ﵊ نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها إطلاقًا، ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجرّدًا من الالتفات إلى المعاني، وقد نهى ﵊ عن بيع الغرر (^٣)، وإذا أخذنا بمقتضى مجرد الصيغة امتنع علينا بيع كثير مما هو جائز بيعه وشراؤه؛ كبيع الجوز واللوز والقسطل في قشرها، وبيع الخشبة والمغيبات في الأرض والمقاثي كلها، بل كان يمتنع كل ما فيه وجه مغيَّب، كالديار والحوانيت المغيبة الأسس، وما أشبه ذلك مما لا يحصى، ولم يأت فيه نص بالجواز، ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلًا، لأن الغرر المنهي عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررًا مترددًا بين السلامة والعطب، فهو مما خُصَّ بالمعنى المصلحي، ولا يُتّبع فيه اللفظ بمجرّده».
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٤٧، ١٤٨ مع حذف ما لا حاجة إليه.
(٢) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٤٨.
(٣) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٧٨٧).
[ ١٤٣ ]
قال: «وقد حكى إمام الحرمين عن ابن سريج أنه ناظر أبا بكر بن داود الأصبهاني في القول بالظاهر، فقال له ابن سريج: أنت تلتزم الظواهر وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين، فقال مجيبًا: الذرتان: ذرة وذرة فقال ابن سريج: فلو عمل مثقال ذرة ونصف؟ فتبلّد وانقطع، وقد نقل القاضي عياض عن بعض العلماء أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين، وهذا، وإن كان تغاليًا في ردّ العمل بالظاهر، فالعمل بالظواهر أيضًا على تتبع وتغال بعيدٌ عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضًا. فإذا ثبت هذا، وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي، فهو جار على السَّنن، القويم، موافق لقصد الشارع في ورده وصدره» (^١).
ثالثًا: تقي الدين أحمد بن تيمية:
تعرض ابن تيمية ﵀ في مسائل النسخ من «المسودة» إلى مسألة تأثير تعليل النص على دلالته فجاء فيها بتفصيل جديد قال: «الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتًا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام:
القسم الأول: ما كان عامًا للمكلفين فيدّعى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم قطعًا بالاضطرار عمومه، فمُخصِّصه كافر كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه، إلى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى العبادة بسقوط واجب أو حل محرم، كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين وهذا كفر، ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله.
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥١ - ١٥٤ مع حذف ما لا حاجة إليه.
[ ١٤٤ ]
القسم الثاني: ما كان عامًا في الأزمنة لفظًا أو حكمًا فيُدّعى اختصاصه بزمانه فقط، وقد كتبته في غير هذا الموضع (^١).
القسم الثالث: أن يدعى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها.
القسم الرابع: أن يدّعى اختصاصه بمكان، كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة (^٢) في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتَهم الغالب، وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم بل اختصاصه بحال دون حال.
القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادُّعي اختصاصها بزمان أو مكان أوحال.
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين:
أحدهما: صحة ذلك التعليل وأن الشارع إنما شرع لأجله فقط، الأصل الثاني: ثبوت الحكم مع عدم تلك العلة لعلة أخرى، إذ أكثر ما في هذا، دعوى ارتفاع الحكم بما يُعتقد أن لا علة غيره» (^٣).
والناظر في تفصيل ابن تيمية القول في هذه المسألة يجد أنه ركّز نظره على النص الشرعي، فوجده إما خطابًا وإما فعلًا، ثم نظر إلى نوع العموم المتأثر بالتعليل في النص الشرعي - خطابًا كان أو فعلًا - فخلص إلى أربعة أنواع من العموم:
_________________
(١) سيأتي تفصيل قوله في هذا القسم بعد قليل.
(٢) وهي البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقِط (اللبن المجمد) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ٣، ص ٤٦٣.
(٣) آل تيمية، المسودة، ص ١٩٩ مع حذف يسير.
[ ١٤٥ ]
أولًا: عموم النص الشرعي في المكلفين، وهذا لا يجوز تخصيصه بالتعليل بل يكاد يكون ذلك كفرًا.
ثانيًا: عمومه في الأزمنة.
ثالثًا: عمومه في الأمكنة.
رابعًا: عمومه في الأحوال.
وهذه العمومات الثلاث يجوز تخصيصها بالتعليل بشرطين:
الأول: أن يكون التعليل في ذاته صحيحًا.
والثاني: أن يكون النص معلّلًا بعلة واحدة فقط، حتى يلزم من ارتفاعها ارتفاع الحكم، وإلا فلو وُجدت علة أخرى لثبت الحكم بها.
وكلام ابن تيمية هذا لا غبار عليه.
ثم إنه ﵀ تعرض في موضع آخر من كتاب النسخ لمسألة نسخ النص الشرعي بالعلة المستفادة منه، وفرق بينها، وبين تخصيص العموم الزماني للنص بالعلة، فمنع من النسخ بالعلة وفصّل في التخصيص بها بالنظر إلى نوع الخطاب.
قال ﵀: «ما حَكَمَ به الشارع مطلقًا أو في أعيان معينة فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زولًا مطلقًا؟ قد ذهب الحنفية والمالكية [في بعض الفروع الفقهية] إلى جواز ذلك». قال: «وهذا عندي اصطلام للدين، ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول -ﷺ- عن شرعه بالرأي، فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جُوِّز هذا بالرأي، نسخ بالرأي، وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب».
[ ١٤٦ ]
قال: «وينبغي أن يُذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس ويُسمى النسخ بالتعليل، فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتُسقط حكم الخطاب». ثم قال: «فإن كان الحكم مطلقًا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ [وهذه هي مسألة تخصيص العموم الزماني للخطاب بالعلة] فهذا أحق من الأول [يعني النسخ بالتعليل] وفيه نظر … وهو خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار، فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرًا إذ لا عموم له، وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرًا، لكنّ وقوعه في الخطاب العام فيه نظر» (^١).
وحاصل هذا القول: أن ابن تيمية، ﵀، يفرق بين النسخ بالتعليل، وبين تخصيص العموم الزماني به، بأن النسخ بالتعليل هو رفع الحكم مطلقًا لارتفاع العلة، وحتى لو عادت لا يعود، وأما التخصيص بها فهو وإن استلزم رفع الحكم بارتفاع العلة في زمن من الأزمان، إلا أنه يستلزم عوده إذا عادت هذه العلة.
وتخصيص العموم الزمني للنص بالعلة يجوز - في نظر ابن تيمية - في مواضع:
أولًا: إذا كان الخطاب فعلًا. ومثاله ما سبق بيانه من اجتهادات الصحابة في أفعال النبي -ﷺ- في الحج كطوافه راكبًا ونزوله بالمحصب وغير ذلك.
ثانيًا: إذا كان الخطاب إقرارًا. وصورة ذلك أن يقر النبي -ﷺ- فعلًا ما ثم يستنبط المجتهد علة لهذا الإقرار تقتضي تقييد جواز الفعل المقر بحال دون أخرى أو زمن دون آخر.
_________________
(١) آل تيمية، المسودة، ص ٢٢٧، ٢٢٨ مع حذف ما لا حاجة إليه.
[ ١٤٧ ]
ثالثًا: إذا كان الخطاب واقعة عين. ويمكن التمثيل له بما سبق إيراده في اجتهادات الصحابة من اجتهاد عائشة في واقعة فاطمة بنت قيس ﵄.
أما إذا كان الخطاب عامًا - ليس فعلًا ولا إقرارًا ولا واقعة عين - فيرى ابن تيمية أن تخصيص عمومه الزمني بالعلة فيه مجال للنظر.
وكلامه هذا حق؛ إذ لا يُقال بجواز ذلك بإطلاق، ولا بعدم جوازه بإطلاق، وإنما ينظر إلى كل مسألة على حدة، فإن رجح ظن العلة على الظن المستفاد من ظاهر اللفظ قيل بالتخصيص، وإلا فلا ومثال هذا اجتهاد الصحابة في حكم المؤلفة قلوبهم، واللَّه أعلم.