تتعدد مواضع بحث مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته عند الأصوليين تبعًا لتعدد تعلّقات هذه المسألة، إذ إنها من جانب تتعلق بالعلّة وشروطها، ومن جانب آخر تتعلق بالنّص وتأويله، ومن جانب ثالث بالقياس وشروطه.
ولهذا نجد أن الزركشي - وهو من أكثر الأصوليين استقصاءً في هذه المسألة - تعرض لهذه المسألة في ثلاثة مواضع من كتابه: البحر المحيط:
أحدها: عند الحديث عن شروط العلّة (^١).
والثاني: في ختام بحث الظاهر وتأويله (^٢).
والثالث: بعد بحث مسألة تخصيص العموم بالقياس (^٣).
ولا يخرج أصوليو الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة عن هذه المواضع (^٤)، اللَّهم إلا أن الغزالي، ﵀، بحث هذه المسألة - بتوسع - عند حديثه عن مسالك العلّة، وذلك في كتابه شفاء الغليل (^٥)، أما في كتابيه المنخول (^٦) والمستصفى (^٧)، فقد وافق غيره في مواضع بحث هذه المسألة،
_________________
(١) الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٢.
(٢) المرجع السابق، ج ٣، ص ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٤٩.
(٣) المرجع السابق، ج ٣، ص ٣٧٧.
(٤) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج ١، ص ٣٥٩. والآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٧٩، ص ٣٥٤. وابن النجار: أحمد الفتوحي الحنبلي، شرح الكوكب المنير، طبع مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، ١٤٠٨ هـ، ج ٣، ص ٤٦٥.
(٥) انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص ٦١ - ٩١.
(٦) انظر: الغزالي، المنخول، ص ١٩٢.
(٧) انظر: الغزالي، المستصفى، ج ١، ص ٣٩٤، ج ٢، ص ٣٢٦.
[ ١٢٦ ]
وكذلك فإن الشاطبي وابن القيم، رحمهما اللَّه، كونَهما لم يسلكا في ترتيب كتابيهما الموافقات وإعلام الموقعين المنهج التقليدي للتأليف الأصولي - فقد تعرض الشاطبي لـ «تأثير تعليل النّص على دلالته» في فصل الأوامر والنواهي من كتاب الأدلة من الموافقات (^١)، أما ابن القيم فقد تعرّض لهذه المسألة في ثنايا إثباته للقياس (^٢).
وفي الوقت الذي تعددت فيه مواضع بحث هذه المسألة عند أصوليي الجمهور فقد اتفق الحنفية على بحث هذه المسألة في موضع واحد، وذلك عند الحديث عن شروط القياس (^٣).
إلا أن متأخري الحنفية الذين جمعوا في تأليفهم الأصولي بين طريقتي المتكلمين والحنفية تعددت عندهم مواضع بحث هذه المسألة، فبحثها ابن الهمام في ختام بحث الظاهر وتأويله (^٤)، وفي بحث شروط القياس (^٥)، وفي بحث شروط العلّة (^٦)، وكذلك فعل ابن عبد الشكور في كتابه مسلّم الثبوت (^٧).
هذا ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا أمران:
أحدهما: أن الأصوليين إذ يبحثون هذه المسألة فإن ألفاظهم تختلف في التعبير عن «الأثر» الذي تلقيه العلّة على النّص، فيقع منهم التعبير عن تأثير العلّة على النّص بأنها عادت عليه، أو على حكمه بالتغيير أو الإبطال، أو أنها عكّرت على النّص بالتخصيص أو التعميم، أو أنها رفعت حكم النّص،
_________________
(١) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٤٤.
(٢) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج ١، ص ٢١٧ - ٢٢٠.
(٣) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج ٣، ص ٣٣١ - ٣٤٤. والسمرقندي، الميزان، ص ٦٤٢، ٦٤٣. والسرخسي، أصول السرخسي، ج ٢، ص ١٥٠، ص ١٦٦ - ١٧١. وصدر الشريعة، التوضيح، ج ٢، ص ٥٩ - ٦٢.
(٤) انظر: ابن الهمام، التحرير، ج ١، ص ١٤٦ - ١٤٨.
(٥) انظر: المرجع السابق، ج ٣، ص ٢٩٧.
(٦) انظر: المرجع السابق، ج ٤، ص ٣١.
(٧) انظر: ابن عبد الشكور، مسلّم الثبوت، مع شرحه فواتح الرحموت، ج ٢، ص ٣٠، ص ٢٥٧، ص ٢٨٩.
[ ١٢٧ ]
أو أزالته، أو أسقطته، أو أنها زادت في حكم النّص، أو نقصت منه، أو أنها خالفت ظاهر النّص، أو عارضته، أو أبطلته (^١)، وغير ذلك من التعبيرات التي تتنوع تبعًا لتنوع «الأثر» أو التأويل الذي يعود به التعليل على النّص وتبعًا لتنوع دلالة النّص المتأثرة بهذا التعليل.
ولكن مهما يكن من تعبير فإنّ ذلك كله يندرج تحت مفهوم عام واحد وهو: أن العلّة المأخوذة من نصّ ما عادت على دلالة هذا النّص بالتأثير أو التأويل، بغض النظر عن نوع هذا التأثير أو التأويل، وبغض النظر عن نوع دلالة النّص التي وقع عليها.
والأمر الآخر: هو أن الأصوليين إذ يبحثون في أثر العلّة على النّص فهم إنما يبحثون في الأثر الذي يتعارض مع دلالة النّص، أما الأثر المؤكّد لهذه الدلالة والمقوي لها فإني لم أجد لأحدهم فيه كلامًا، وما ذاك - في نظري - إلا لأن تأكيد العلّة لمقتضى النّص، فضلًا عن ضعف الفائدة الأصولية والفقهية المترتبة عليه، فإنه ليس موضع خلاف وأخذ وردّ بخلاف التأثير المعارض لدلالة النّص واللَّه أعلم.
_________________
(١) ستمر غالب هذه التعبيرات في المباحث القادمة أثناء عرض أقوال الأصوليين في المسألة.
[ ١٢٨ ]