بسم الله الرحمن الرحيم
ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا إنك على كل شيء قدير١.
قال العبد الفقير عثمان بن عبد الرحمن٢، المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم٣:
الحمد لله الذي كرم هذه الأمة بالشريعة السمحة الظاهرة، وأيدها بالحجج الباهرة، القاهرة٤، ووطدها بالقواعد المتظاهرة المتناصرة، ونورها بالأوضاع المتناسبة المتوازرة.
أحمده على نعمه الباطنة والظاهرة، وأصلي على رسوله محمد، وسائر النبيين والصالحين، وأسلم صلاة وتسليمًا متواصلي "الصلات"٥ في الدنيا والآخرة آمين.
هذا ولما عظم شأن الفتوى في الدين وتسنم المفتون٦ منه سنام السناء،
_________________
(١) ١ في ج "بسم الله الرحمن الرحيم نسأله الهداية إلى الطريق المستقيم قال". ٢ ناقصة من ف وج. ٣ في ش "بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمد وسلم الحمد لله الذي ". ٤ ناقصة من ف. ٥ من ش، وفي الأصل وف وج "الصلاة". ٦ في الأصل "المعنيون".
[ ٦٩ ]
وكانوا قرات١ الأعين، لا تلم بهم على كثرتهم أعين الأسواء، فنعق بهم في أعصارنا ناعق الفناء، وتفانت بتفانيهم أندية ذاك٢ العلاء، على أن الأرض لا تخلوا من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء، رأيت أن أستخير الله تبارك "وتعالى"٣، وأستعينه، وأستهديه، وأستوقفه، وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت، أفصح فيه إن شاء الله العظيم٤ عن شروط المفتي، وأوصافه، وأحكامه، وعن صفة المستفتي وأحكامه، وعن كيفية الفتوى والاسفتاء وآدابهما جامعًا فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الروايا٥، وخفايا الزوايا، ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء، ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته٦ من الفهماء٧، ويبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن "حضيض"٨ الضعفاء، مقدمًا في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى، وخطرها، والتنبيه على آفاتها وعظيم٩ غررها، ليعلم المقصر عن شأوها، المتجاسر عليها أنه على النار يجرأ ويجسر، وليعرف متعاطيها المضيع شروطها أنه لنفسه يضيع ويخسر، وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا انتزوا١٠ على منصب تدرس، أو اختلسوا١١ ذروا من تقديم وترئيس، وجانبوا جانب المحترس، ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس.
_________________
(١) ١ كذا في النسخ، ولعل الأسلم: "قرة" لأنها مصدر. ٢ في ف وج: "ذلك". ٣ من ف وج وش. ٤ في ف وج: "تعالى". ٥ في هامش ج: "الروايا جمع رواية، وهو الكثير الرواية قاله ﵁"، ومثله في ش وجاء في آخره "المصنف" بدل "قاله ﵁"، وانظر تاج العروس: ١٠/ ١٥٨ مادة "روى". ٦ في ج: "مطالعاتها". ٧ في ف: "الفقهاء". ٨ من ف وج وش وفي الأصل: "تحضيض". ٩ من ف: "وعظم". ١٠ نزا: أي وثب، انظر تاج العروس مادة "نزا". ١١ في ف وج "واختلسوا".
[ ٧٠ ]
اللهم فعافنا، واعف عنا، وأحلنا منها بالمحل المغبوط ولا تحلنا منها بالمحل المغموط، واجعل ما نعانيه منها على وفق هداك وسببًا واصلا بيننا وبين رضاك، إنك الله لا إله إلا أنت، أنت١ حسبنا ونعم الوكيل.
بيان شرف حرمة الفتوى وخطرها، وغررها:
روينا ما رواه أبو داود السجستاني٢، وأبو عيسى الترمذي٣، وأبو عبد الله ابن ماجه القزويني٤ في كتبهم المعتمدة في "السنن" من حديث أبي الدرداء٥، عن
_________________
(١) ١ ناقصة من ف وج. ٢ هو "الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث بن شداد، الأزدي السجستاني، روى عن القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، وأبي الوليد السجستاني، وأحمد بن حنبل، وخلق، روى عنه الترمذي، وأبو عوانة، وخلق، له كتاب "السنن" و"الناسخ والمنسوخ" و" القدر" و"المراسيل"، وغير ذلك. قال الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه أحد إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعه في زمانه. توفي في شوال سنة خمس وسبعين ومائتين"، ترجمته في: تاريخ بغداد٩/ ٥٥، البداية والنهاية: ١١/ ٥٤، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٩١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: ٢/ ٢٩٣، وغير ذلك من المراجع. ٣ هو "الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي، طاف البلاد، وسمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه خلق كثير، قال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف، وحفظ، وذاكر، توفي بترمذ سنة تسع وسبعين ومائتين"، ترجمته في: وفيات الأعيان: ١/ ٤٥٧، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٦٣٣، العبر: ٢/ ٦٣٣، ميزان الاعتدال: ٣/ ٦٧٨. ٤ هو "الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي مولاهم، القزويني، سمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، وغيرها. قال الخليلي: ثقة كبير متفق عليه، محتج به توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين"، ترجمته في البداية والنهاية: ١١/ ٥٢، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٦، العبر: ٢/ ٥١، طبقات المفسرين للداودي: ٢/ ٢٧٢. ٥ هو "الإمام القدوة، قاضي دمشق، وصاحب رسول الله ﷺ، أبو الدرداء، عويمر بن زيد القيسي، ويقال: عويمر بن عامر، وقيل غير ذلك، الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة، وسيد القراء. توفي سنة اثنتين وثلاثين". ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٧/ ٣٩١، الاستيعاب: "١٢٢٦، ١٦٤٦"، تاريخ ابن عساكر: ١٣/ ٣٦٦أ، أسد الغابة: ٦/ ٩٧، سير أعلام النبلاء: ٢/ ٣٣٥، تذكرة الحفاظ١/ ٢٤، تهذيب التهذيب: ٨/ ١٧٥.
[ ٧١ ]
رسول الله ﷺ أنه قال١: "إن العلماء ورثة الأنبياء" ٢.
فأثبت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة، وما هم بصدده من أمر الفتوى، يوضح تحققهم بذلك للمستوضح، ولذلك قيل في الفتيا: إنها توقيع عن الله ﵎.
وقد أخبرنا الشيخ "الإمام"٣ المسند٤ أبو بكر منصور بن عبد المنعم الفراوي٥، قراءة عليه بنيسابور٦، قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي٧، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي٨، قال: أخبرنا
_________________
(١) ١ ناقصة من ف وج. ٢ رواه أحمد في المسند: ٥/ ١٩٦، وأبو داود في العلم، باب الحث على طلب العلم حديث رقم: "٣٦٤١، ٣٦٤٢"، والترمذي في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم "٢٦٨٣، ٢٦٨٤"، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم، "٢٢٣"، والدارمي في السنن: ١/ ٩٨، وابن حبان كما في موارد الظمآن: ٤٨ حديث رقم "٨٨"، وانظر المقاصد الحسنة: ٢٨٦، كشف الخفاء: ٢/ ٦٤. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ١/ ١٦٠، "وشاهده في القرآن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: ١/ ٣٤. ٣ من ف وج. ٤ ناقصة من ف. ٥ هو "الشيخ الإمام المسند أبو بكر، وأبو الفتح، وأبو القاسم منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد. قال ابن نقطة: كان شيخًا ثقة مكثرًا صدوقًا. توفي في سنة ثمان وستمائة"، ترجمته في معجم البلدان: ٣/ ٨٦٦، التقييد لابن نقطة: ٢٠٧، التكملة للمنذري: ٢/ ٣٧١، سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٤٩٤، تاريخ الإسلام: ١٨/ ٣٣٢. ٦ "بفتح النون، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين وفتح السين المهملة، وبعد الألف منقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء هي أحسن مدن خراسان، وأجمعها للخيرات، وإنما قيل لها: نيسابور لأن سابور لما رآها قال: يصلح بأن يكون هاهنا مدينة، وكانت قصبًا فأمر بقطع القصب وأن يبنى مدينة، فقيل: نيسابور، والتي هي القصب". الأنساب: ١٣/ ٢٣٤، اللباب: ٣/ ٣٤١. ٧ هو أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، ثم النيسابوري راوي "السنن الكبير" عن البيهقي وراوي "البخاري" عن العيار، توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة". ترجمته في شذرات الذهب: "٤/ ١٢٤-١٢٥". ٨ هو "الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، صاحب التصانيف، ولزم الحاكم وتخرج به توفي في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ونقل في تابوت إلى بيهق مسيرة يومين"، ترجمته في: المنتظم: ٨/ ٢٤٢، تذكرة الحفاظ: ٣/ ١٣٢، "طبقات الشافعية الكبرى: ٤/ ٨، شذرات الذهب: ٣/ ٣٠٤.
[ ٧٢ ]
أبو عبد الله الحافظ١، وأبو سعيد٢ بن أبي عمرو٣، قالا: حدثنا٤ أبو العباس محمد بن يعقوب٥، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال بن الفرات٦، ببيروت٧، حدثنا أحمد بن أبي الحواري٨، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سفيان بن
_________________
(١) ١ هو "الحاكم الحافظ الكبير، إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري، يعرف بابن البيع، كان إمام عصره في الحديث، توفي سنة خمس وأربعمائة"، ترجمته في: وفيات الأعيان: ١/ ٤٨٤، العبر: ٣/ ٩١، الوافي بالوفيات: ٣/ ٣٢٠، مقدمة سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني في الجرح والتعديل. ٢ في ج "سعد". ٣ هو" الشيخ الثقة، أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان، الصيرفي، ابن أبي عمرو النيسابوري حدث عنه البيهقي، والخطيب، وأبو صالح المؤذن توفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة عن نيف وتسعين سنة" ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٣٥٠، العبر: ٣/ ١٤٤، شذرات الذهب: ٣/ ٢٢٠. ٤ في ف "أخبرنا". ٥ هو "الإمام المفيد الثقة محدث الشرق أبو العباس محمد بن يعقوب بن معقل بن سنان الأموي، مولاهم، المعقلي، النيسابوري الأصم. قال الحاكم: حدث في الإسلام ستًّا وسبعين سنة ولم يختلف في صدقه وصحة سماعه توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة"، مصادر ترجمته في: الأنساب: ١/ ٢٩٤، تاريخ ابن عساكر: "١٦/ ٦٧أ-٦٩ب"، المنتظم: ٦/ ٣٨٦، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٤٥٣، تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨٦٠، الوافي بالوفيات: ٥/ ٢٢٣. ٦ هو "عبد الله بن هلال الرومي الدمشقي، نزيل بيروت، روى عن أحمد بن عاصم الأنطاكي وأحمد بن أبي الحواري "قال ابن أبي حاتم": روى عنه أبي وكتبت عنه وهو صدوق، وسئل أبي عنه فقال: صدوق"، الجرح: ٥/ ١٩٣. ٧ "بالفتح، ثم سكون، وضم الراء، وسكون الواو، والتاء فوقها نقطتان: مدينة مشهورة على بحر الشام"، مراصد الاطلاع: ١/ ٢٤٠، وهي عاصمة لبنان في وقتنا الحاضر. ٨ هو "أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث، أبو الحسن بن أبي الحواري: بفتح المهملة، والواو الخفيفة، وكسر الراء، ثقة، زاهد، توفي سنة ست وأربعين ومائتين"، ترجمته في الجرح: ٢/ ٤٧، طبقات الصوفية للسلمي: "٩٨، ١٠٢"، الحلية: ١٠/ ٥، تهذيب الكمال: ١/ ٣٦٩، تهذيب التهذيب: ١/ ٤٩، التقريب: ١/ ١٨.
[ ٧٣ ]
عيينة١، عن محمد بن المنكدر٢، قال: "إن العالم٣ بين الله، وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم"٤.
وفيما نرويه٥ عن سهل بن عبد الله التستري٦، وكان ﵁ أحد الصالحين المعروفين بالمعارف والكرامات أنه قال: "من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء ﵈، فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل٧ فيقول: يا فلان أيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، وهذا مقام الأنبياء فاعرفوا لهم ذلك ".
ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين وأفاضل السابقين٨، والخالفين، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة، واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدفع بالجواب، أو يقول: لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري.
_________________
(١) ١ هو "الإمام الحافظ أبو محمد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، الكوفي، الأعور، ثقة حافظ إمام حجة، توفي بمكة سنة ثمان وتسعين ومائة"، ترجمته في: تاريخ بغداد٩/ ١٧٤، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٦٢، الحلية: ٧/ ٢٧٠، التقريب: ١/ ٣١٢. ٢ هو "الإمام شيخ الإسلام، أبو عبد الله محمد بن المنكدر بن الهدير التيمي، ثقة فاضل، توفي سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها"، ترجمته في: تذكرة الحافظ: ١/ ١٢٣، تهذيب التهذيب: ٩/ ٤٧٣، التقريب: ٢/ ٢١٠. ٣ في ج "العلماء". ٤ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٦٨. ٥ في ف وج "يرويه". ٦ هو "شيخ العارفين، أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس، التستري، الصوفي الزاهد، قال الذهبي: له كلمات نافعة، ومواعظ حسنة، وقدم راسخ في الطريق، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين"، ترجمته في: طبقات الصوفية للسلمي: ٢٠٦، الحلية: ١٠/ ١٨٩، المنتظم: ٥/ ١٦٢، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٣٠، طبقات الأولياء: ٢٢٢، شذرات الذهب: ٢/ ١٨٢. ٧ في ج "رجل يقول". ٨ في ف وج "السابقين".
[ ٧٤ ]
فروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى١ أنه قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة٢، فيردها٣ هذا إلى هذا، وهذا٤ إلى هذا حتى ترجع إلى الأول". وفي رواية: "ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه٥ ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا"٦.
"و"٧ روينا عن ابن مسعود٨ ﵁ أنه قال: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"٩.
وعن ابن عباس١٠ ﵄ نحوه.
_________________
(١) ١ هو "عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، ويقال: بلال، وقيل غير ذلك، أبو عيسى الأنصاري الأوسي، الكوفي، ثقة، مات سنة ست وثمانين، وقيل غير ذلك"، ترجمته في تذكرة الحفاظ: ١/ ٥٨، العبر: ١/ ٩٦، تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٦٠، التقريب: ١/ ٤٩٦. ٢ ساقطه من ج. ٣ في ف "غيرها". ٤ ساقطة من ف. ٥ ساقطة من ف. ٦ أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٦/ ١١٠، والدارمي في السنن: ١/ ٥٣، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: ١/ ١٧٧ وعزاه للبراء، و٢/ ١٦٣ وعزاه لعبد الرحمن بن أبي ليلى. شرح السنة للبغوي ١/ ٤٠٥، وأخرجه ابن المبارك في الزهد: ١٩، وابن حمدان في صفة الفتوى:٧، وابن القيم في إعلام الموقعين: "٤/ ٢١٨-٢١٩"، والسيوطي في "آداب الفتيا". الورقة: "٢١ب". ٧ من ف وج وش. ٨ هو "صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السابقين الأولين، ومن كبار البدريين وأحد أوعية العلم ﵁، توفي سنة اثنتين وثلاثين" ترجمته في: تاريخ بغداد: ١/ ١٤٧، أسد الغابة: ٣/ ٣٨٤، تذكرة الحفاظ: ١/ ٣١. ٩ جامع بيان العلم: "١/ ١٧٧، ٢/ ١٦٥" الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٩٨، الدارمي المقدمة: ٢١، شرح السنة للبغوي: ١/ ٣٠٦، صفة الفتوى: ٧، وانظر مجمع الزوائد: ١/ ١٨٣، الجامع لابن أبي زيد القيرواني: ١٥١، آداب الفتيا للسيوطي: "٢٢ب-٢٣أ". ١٠ هو "أبو العباس، ابن عم رسول الله ﷺ وصاحبه، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، حبر الأمة، وترجمان القرآن، توفي بالطائف سنة ثمان وستين". ترجمته في تاريخ بغداد: ١/ ١٧٣، أسد الغابة: ٣/ ٢٩٠، تذكرة الحافظ: ١/ ٤٠، وقول ابن عباس هذا في جامع بيان العلم: ٢/ ١٦٤.
[ ٧٥ ]
وروينا١ عن أبي حصين الأسدي٢ أنه قال: "إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت٣ على عمر "بن الخطاب"٤ رضي الله عنه٥ لجمع لها أهل بدر"٦.
وروي عن الحسن٧، والشعبي٨، مثله.
وأخبرنا الشيخ "الأجل"٩ الأصيل أبو القاسم، منصور بن أبي المعالي الفراوي بنيسابور، قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الصفار١٠ يقول: سمعت عبد الله بن
_________________
(١) = الأمة، وترجمان القرآن، توفي بالطائف سنة ثمان وستين". ترجمته في تاريخ بغداد: ١/ ١٧٣، أسد الغابة: ٣/ ٢٩٠، تذكرة الحافظ: ١/ ٤٠، وقول ابن عباس هذا في جامع بيان العلم: ٢/ ١٦٤. ١ ساقطة من ف. ٢ هو "عثمان بن عاصم بن حصين، ويقال: زيد بن كثير بن زيد بن مرة، أبو حصين: بفتح المهملة، ثقة ثبت سني توفي سنة سبع وعشرين ومائة، ويقال بعدها، ترجمته في المؤلف للدارقطني: ٥٥٢، والإكمال: ٢/ ٤٨٠، تهذيب التهذيب: ٧/ ١٢٨، التقريب: ٢/ ١٠، سير أعلام النبلاء: ٥/ ٤١٢. ٣ في ج "ورد". ٤ من ف وج وش. ٦ الكنز: ٥/ ٢٤١، شرح السنة للبغوي: ١/ ٣٠٥، صفة الفتوى٧، سير أعلام النبلاء: ٥/ ٤١٦. ٧ هو الحسن بن أبي الحسن البصري واسم أبيه: يسار بالتحتانية والمهملة، الأنصاري، مولاهم، ثقة فقيه، فاضل مشهور، توفي سنة عشر ومائة"، ترجمته في الحلية: ٢/ ١٣١، طبقات القراء لابن الجزري، ١/ ٢٣٥، تذكرة الحفاظ: ١/ ٧١، تهذيب التهذيب: ٢/ ٢٦٣، التقريب: ١/ ١٦٥. ٨ هو: "الإمام الحافظ أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي، الكوفي، ثقة مشهور، فقيه، فاضل. مات بعد المائة"، ترجمته في تاريخ بغداد: ١٢/ ٢٢٩، الحلية: ٤/ ٣١٠، تذكرة الحفاظ١/ ٧٩، العبر: ١/ ١٢٧. ٩ من ش. ١٠ هو "أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصفار، صنف في الزهد وغيره، قال الحاكم: هو محدث عصره مجاب الدعوة توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة". ترجمته في العبر: ٢/ ٢٥٠، طبقات الشافعية للأسنوي: ٢/ ١٣٦، شذرات الذهب: ٢/ ٣٤٩.
[ ٧٦ ]
أحمد بن حنبل١ يقول: سمعت أبي٢ يقول: سمعت الشافعي٣، يقول: سمعت مالك بن أنس٤ يقول: سمعت محمد بن عجلان٥ يقول: "إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله"٦.
هذا إسناد جليل عزيز جدًّا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض.
وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله٧ عنهما، وذكر الحافظ أبو
_________________
(١) ١ هو "أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل. قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فهمًا، توفي سنة تسعين ومائتين"، تاريخ بغداد: ٩/ ٣٧٥، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٦٥، العبر: ٢/ ٨٦، طبقات الحفاظ: ٢٨٨، شذرات الذهب: ٢/ ٢٠٣. ٢ هو "إمام أهل السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المروزي البغدادي، قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم منه توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين"، ترجمته في تاريخ بغداد: ٤/ ٤١٢، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٤٣١، طبقات الشيرازي: ٩١. ٣ هو "إمام الأئمة، وقدورة الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي، المكي نزيل مصر، قال أحمد: إن الله تعالى يقبض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي. توفي سنة أربع ومائتين". ترجمته في تاريخ بغداد: ٢/ ٥٦، تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٦١، ترتيب المدارك: ٢/ ٣٨٢، تهذيب التهذيب: ٩/ ٣٥. ٤ هو "الإمام الحافظ أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة، رأس المتقين، وكبير المثبتين. قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، توفي سنة تسع وسبعين ومائة". ترجمته في وفيات الأعيان: ١/ ٤٣٩، البداية والنهاية: ١٠/ ١٧٤، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٠٧، العبر: ١/ ٢٧٢. ٥ هو "محمد بن عجلان القرشي مولاهم، المدني، أحد الفقهاء العباد، صدوق، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة". ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ١/ ١٦٥، العبر: ١/ ٢١١، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٤٤، تهذيب التهذيب: ٩/ ٣٤١، التقريب: ٢/ ١٩٥. ٦ جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٥٤، الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٧٣، آداب الشافعي: ١٠٧، الانتفاء لابن عبد البر: "٣٧-٣٨" كشف الخفاء: ٢/ ٣٤٧، الآداب الشرعية: ٢/ ٧٩، بدائع الفوائد: ٣/ ٢٧٦، ترتيب المدارك: ١/ ١٤٦. ٧ الانتفاء: ٣٨، جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٥٤ تذكرة السامع: ٤٢، المجموع: ١/ ٤٠.
[ ٧٧ ]
عمر ابن١ عبد البر الأندلسي٢، عن القاسم بن محمد٣ بن أبي بكر الصديق ﵃: "أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أحسنه. فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك لا أعرف غيرك؟
فقال القاسم: "لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه".
فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: "يابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم".
فقال القاسم: "والله لأن يقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به"٤.
وروى أبو عمر عن سفيان بن عيينة، وسحنون بن سعيد٥. قالا: "أجسر "الناس"٦ على الفتيا أقلهم علمًا"٧. وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي٨،
_________________
(١) ١ سقطت من ف وج. ٢ هو "الإمام الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثله في الحديث، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة". ترجمته في: بغية الملتمس: ٤٧٤، الصلة: ٢/ ٦٧٧، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٤٨، تذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٢٨. ٣ هو "أبو محمد أو أبو عبد الرحمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. قال ابن سعد: ثقة رفيع، عالم فقيه، إمام ورع، كثير الحديث، توفي سنة إحدى ومائة، أو بعدها". ترجمته في طبقات ابن سعد: ٥/ ١٣٩، الحلية: ٣/ ١٨٣، تذكرة الحفاظ: ١/ ٩٦، وفيات الأعيان: ١/ ٤١٨. ٤ جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٥٣، صفة الفتوى والمفتي: "٧-٨" إعلام الموقعين: ٤/ ٢١٩. ٥ هو "القاضي الفقيه أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسحنون، كان زاهدًا لإيهاب سلطانًا في حق يقوله، انتهت إليه رياسة العلم في المغرب، وسحنون: بفتح السين المهملة وضمها، وسكون الحاء المهملة، وضم النون، وبعد الواو نون ثانية ولقب سحنون باسم طائر حديد بالمغرب يسمونه سحنونًا لحدة ذهنه وذكائه، توفي سنة أربعين ومائتين"، ترجمته في: ترتيب المدارك: ٢/ ٥٨٥، الديباج المذهب: ٢/ ٣٠، طبقات أبي العرب: ١٨٤، العبر: ١/ ٤٣٢، وفيات الأعيان: ٣/ ١٨٠. ٦ من ف وج وش. ٧ جامع بيان العلم وفضله: ٢/ ٥٥، صفة الفتوى والمفتي: ٨. ٨ هو "الإمام الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري، قال ابن المديني: كان أعلم الناس، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة". ترجمته في تاريخ بغداد: ١٠/ ٢٤٠، تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٢٩، العبر: ١/ ٣٢٦.
[ ٧٨ ]
قال: "جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، وقد طال التردد إليك؟
قال: فأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه"١.
ورُوي عن الشافعي ﵁: "أنه سئل عن مسألة، فسكت، فقيل له ألا تجيب رحمك الله؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي، أو في الجواب"٢.
وروينا عن أبي بكر الأثرم٣، قال: "سمعت أحمد بن حنبل يستفتي فيكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه"٤.
وبلغنا عن الهيثم بن جميل٥، قال: "شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"٦.
وعن مالك أيضًا: "أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة
_________________
(١) ١ الحلية: ٣/ ٣٢٣، صفة الفتوى والمفتي: ٨. ٢ صفة الفتوى والمفتي: ١٠. ٣ هو "الحافظ الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ، الأثرم الطائي البغدادي، قال إبراهيم الأصبهاني: كان أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، قاله ابن قانع". ترجمته في: تاريخ بغداد: ٥/ ١١٠، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٧٠، تهذيب التهذيب: ١/ ٧٨. ٤ الفقيه والمتفقه: "٢/ ١٧٤-١٧٥"، صفة الفتوى والمفتي: ٨. ٥ هو "الحافظ أبو سهل الهيثم بن جميل البغدادي، وثقه أحمد والعجلي، والدارقطني، توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين". ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٦٣، ميزان الاعتدال: ٤/ ٣٢٠، العبر: ١/ ٣٦٥، التقريب: ٢/ ٣٢٦. ٦ الانتقاء: ٣٨، ترتيب المدارك: ١/ ١٤٦، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٧٧، صفة الفتوى: ٨.
[ ٧٩ ]
منها. وكان يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار، وكيف يكون خلاصه١ في الآخرة؟ ثم يجيب فيها"٢.
وعنه: "أنه سئل عن مسألة؟ فقال: لا أدري. فقيل "له"٣: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما٤ سمعت قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ٥ فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة"٦.
وقال: "إذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم مسائل٧، ولا يجيب أحد منهم في مسألة حتى يأخذ رأى صاحبه. قال٨: مع ما رزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة، فكيف بنا الذين قد٩ غطت الخطايا والذنوب قلوبنا؟ ١٠.
وعن سعيد بن المسيب١١ ﵄: "أنه كان لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني"١٢.
_________________
(١) ١ ساقطه من ج، وجاء في ج "وكون خلاصه". ٢ ترتيب المدارك: ١/ ١٤٤. ٣ من ش. ٤ في ف وج "ألم". ٥ سورة المزمل، الآية: ٥. ٦ ترتيب المدارك: ١/ ١٤٨، صفة الفتوى والمفتي: ٨٠. ٧ في ش "المسائل". ٨ في ف وج "وقال". ٩ سقطت من ف وج. ١٠ صفة الفتوى والمفتي: "٨-٩"، وانظر ترتيب المدارك: ١/ ١٤٥. ١١ هو "سيد التابعين أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. مات بعد التسعين". ترجمته في طبقات الشيرازي: ٥٧، العبر: ١/ ١١٠، تذكرة الحفاظ: ٥٤٨، تهذيب التهذيب: ٤/ ٨، التقريب: ١/ ٣٠٥. ١٢ طبقات ابن سعد: ٥/ ١٣٦ بلفظ: "كان سعيد بن المسيب يكثر أن يقول: اللهم سلم سلم". صفة الفتوى: ١٠.
[ ٨٠ ]
وجاء عن أبي سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، الملقب بسحنون إمام المالكية، وصاحب "المدونة" التي هي عند المالكيين ككتاب "الأم" عند الشافعيين أنه قال: "أشقى الناس من باع آخرته بدنياه"، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره.
قال: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته المفتي يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقه، فيقول له:
لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه. وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا"١.
وعن سحنون: أن رجلا أتاه، فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال له مسألتي أصلحك الله لي٢ اليوم ثلاثة أيام؟
فقال له: وما أصنع لك يا خليلي؟ مسألتك معضلة٣، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك.
فقال له: وأنت أصلحك الله لكل معضلة.
فقال له سحنون: هيهات يابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار٤، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب٥ مسألتك في ساعة؟
فقال "له":٦ إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك.
_________________
(١) ١ صفة الفتوى: ١٠. ٢ ساقطة من ف وج، وفي الأصل كأنها "إلى". ٣ في ف وج "معضلة فقال له سحنون: وفيها". ٤ إلى هنا في "صفة الفتوى": ١٠. ٥ في الأصل وش: "في مسألتك". ٦ من ف وج وش.
[ ٨١ ]
فقال له: "فاصبر عافاك الله، ثم أجابه بعد ذلك".
وقد كان فيهم ﵃ من يتباطئوا بالجواب عما هو فيه غير مستريب، ويتوقف في الأمر السهل الذي هو عنه مجيب.
بلغنا عمن سمع سحنون بن سعيد: "يزري على من يعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك، عن المتقدمين من معلميه، وقال: إني لأسأل عن المسألة، فأعرفها، وأعرف في أي كتاب هي، وفي أي ورقة، وفي أي "صفحة"١، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى"٢.
وبلغنا عن الخليل بن أحمد٣، أنه كان يقول: "إن٤ الرجل ليسأل عن المسألة ويعجل في الجواب فيصيب فأذمُّه، ويسأل عن مسألة فيتثبَّت في الجواب فيخطئ٥ فأحمدُه"٦.
وروي عن سحنون بن سعيد أنه قيل له: "إنك لتسأل عن المسألة، لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها، فتترجَّح فيها٧ وتتوقف؟
فقال: إن فتنة الجواب بالصواب، أشد من فتنة المال"٨. ﵁.
ولما ذكره نَلفُتُ إلى نحو ما بلغنا عن القاضي أبي "الحسن"٩ علي بن محمد
_________________
(١) ١ من ف وج وفي الأصل وش "صفح". ٢ مثله في صفة الفتوى: ١٠. ٣ هو "أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي البصري، صاحب العروض والنحو، قال ابن حجر: صدوق عالم عابد، مات بعد الستين ومائة، وقيل سنة سبعين أو بعدها"، ترجمته في تهذيب التهذيب: ٣/ ١٦٣، التقريب: ١/ ٢٢٨. ٤ ساقطة من ف وج. ٥ في ج "ويخطئ". ٦ صفة الفتوى:١١. ٧ سقطت من ج. ٨ صفة الفتوى: ١١. ٩ من ف وج وش وفي الأصل "الحسين".
[ ٨٢ ]
ابن حبيب الماوردي١، أحد المصنفين الشافعيين، قال: "صنفت في "البيوع"، كتابًا جمعت له ما استطعت من كتب الناس، وجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا٢ بعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه٣ في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لشيء منها جوابًا، فأطرقت مفكرًا، بحالي٤ وحالهما معتبرًا. فقالا: أما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟
قلت: لا. فقالا: إيهًا لكَ، وانصرفا، ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثيرٌ من أصحابي، فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، فانصرفا عنه راضيين بجوابه، مادحين لعلمه، فبقيت مرتبكًا، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسألة إلى وقتي، فكان ذلك لي زاجر نصيحة، ونذير عظة"٥. وقال: "القاضي"٦ أبو القاسم الصيمري٧ أحد الأئمة٨ الشافعيين، ثم أبو بكر الخطيب الحافظ٩، الفقيه
_________________
(١) ١ هو "الإمام الجليل القدر أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي قال الخطيب: كان من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه، وغير ذلك. توفي سنة خمسين وأربعمائة". ترجمته في: تاريخ بغداد: ١٢/ ١٠٢، البداية والنهاية: ١٢/ ٨٠، العبر: ٣/ ٢٢٣، معجم الأدباء: ١٥/ ٥٢، طبقات الشافعية الكبرى: ٥/ ٢٦٧. ٢ كذا في الأصل ومثله في "أدب الدين والدنيا". وفي ف وج "اطلاعًا" ومثله في طبقات الشافعية الكبرى: ٥/ ٢٦٩. ٣ في ش: "عاقداه". ٤ في ش: "وبحالي". ٥ "أدب الدين والدنيا" للماوردي: ٥٧. ونقل السبكي هذه الفقرة أيضًا في طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٦٩. ٦ من ف وج وش. ٧ هو "أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين بن محمد القاضي الصيمري: بفتح الصاد المهملة، وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وفتح الميم، وفي آخرها الراء منسوبًا إلى نهر من أنهار البصرة، يقال له: الصيمري، ومن تصانيفه: "الإيضاح في المذهب"، وكتاب صغير في "أدب المفتي والمستفتي"، توفي بعد سنة ست وثمانين وثلاثمائة". ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٣٣٩، تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٢٦٥، طبقات الشيرازي: ١٠٤، طبقات ابن هداية الله: ١٢٩. ٨ في ش "أئمة". ٩ هو "الحافظ الكبير محدث الشام والعراق، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي. قال فيه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: أبو بكر الخطيب يشبه الدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة"، ترجمته في: إرشاد الأريب: ١/ ٢٤٦، البداية والنهاية: ١٢/ ١٠١، تذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٣٥، المنتظم: ٨/ ٢٦٥، وفيات الأعيان: ١/ ٢٧.
[ ٨٣ ]
الشافعي الإمام في علم الحديث: "قَلَّ من حرص على الفتوى، وسابق "إليها"١، وثابر عليها إلا قل توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا لذلك غير مختار له، ما وجد مندوحة عنه، وقدر أن يحيد بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب٢.
قال ذلك الصيمري أولًا، ثم تلقاه عنه الخطيب فقاله في بعض تصانيفه.
وروى بإسناده عن بشر بن الحارث٣ أنه قال:
"من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل"٤.
وذكر أبو عبد الله المالكي٥ فيما جمعه من "مناقب شيخه أبي الحسن القابسي" الإمام المالكي٦: أنه كان ليس شيء "أشد"٧ عليه من الفتوى، وأنه قال له عشية
_________________
(١) ١ في الأصل: "عليها"، وما جاء في ف وج وش هو الموافق لكتاب الفقيه والمتفقه. ٢ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٦٦، صفة الفتوى: ١١. ٣ هو "الزاهد الجليل، القدوة، أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي البغدادي، المعروف ببشر الحافي. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين". ترجمته في طبقات ابن سعد: ٧/ ٣٤٢، المعارف: ٥٢٥، طبقات الصوفية: ٣٩، الحلية: ٨/ ٣٣٦، تاريخ بغداد: ٧/ ٦٧، سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٤٦٩، تهذيب التهذيب: ١/ ٤٤٤، التقريب: ١/ ٩٨. ٤ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٦٦، صفة الفتوى: ١١. ٥ انظر ترتيب المدارك: "٤/ ٦١٨، ٦٢٠". ٦ هو "الإمام الحافظ الفقيه علامة المغرب، أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي المالكي، قال حاتم الأطرابلسي: كان أبو الحسن القابسي زاهدًا ورعًا يقظًا، لم أر بالقيروان إلا معترفًا بفضله توفي سنة ثلاث وأربعمائة"، ترجمته في: ترتيب المدارك: "٤/ ٦١٦-٦٢١"، وفيات الأعيان: ٣/ ٣٢٠، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٥٨، تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨٥. ٧ من ف وج وش.
[ ٨٤ ]
من العشايا: ما ابتلي أحد بما ابتليت به، أفتيت اليوم في عشر مسائل١.
قلت: قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. شامل بمعناه من زاغ في فتواه، فقال في الحرام: هذا حلال، أو في الحلال: هذا حرام، أو نحو ذلك.
وفيما رواه أبو عمر بن عبد البر الحافظ بإسناده، عن مالك، قال: "أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي٣ عبد الرحمن٤، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع٥ لبكائه. فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم"٦. قال ربيعة: "ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق"٧. رحم الله ربيعة. كيف لو أدرك زماننا؟ وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
_________________
(١) ١ إلى هنا في "صفة الفتوى": ١١. ٢ سورة النحل آية "١١٦-١١٧". ٣ سقطت من ف وج. ٤ هو "أبو عبد الرحمن ربيعة بن فروخ مولى آل المنكدر، المعروف بربيعة الرأي، ثقة، فقيه مشهور، مات سنة ست وثلاثين ومائة"، ترجمته في تاريخ بغداد: ٨/ ٤٢٠، وفيات الأعيان: ١/ ١٨٣، تذكرة الحفاظ: ١/ ١٥٧، التقريب: ١/ ٢٤٧. ٥ في ف وج "فارتاع". ٦ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٥٣، صفة الفتوى: ١١. ٧ البيان والتحصيل: ٥/ ٢ب، جامع مسائل الأحكام: "١/ ٥أ-ب"، إعلام الموقعين: ٤/ ٢٠٧.
[ ٨٥ ]