تعريف الفتوى لغة واصطلاحًا:
١- الفتوى لغة:
قال ابن منظور: "أفتاه في الأمر أبان له، وأفتى الرجل في المسألة واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء يقال: أفتيت فلانًا رؤيا رآها إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألة إذا أجبته عنها يقال: أفتاه في المسألة إذا أجابه والفتيا والفُتْوى والفَتْوى: ما أفتى به الفقيه، الفتح في الفتوى لأهل المدينة١ قال ابن سيدة: وإنما قضينا على ألف أفتى بالياء لكثرة ف ت ي، وقلة ف ت و "٢.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ٣ قال عبد الحق بن عطية: "أي يبين لكم حكم ما سألتم"٤.
"ومما تقدم نعلم أن الاستفتاء في اللغة يعني السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة، وهذا السائل يسمى المستفتي، والمسئول الذي يجيب: هو المفتي، وقيامه
_________________
(١) ١ قال في المحكم: "وهو الجاري على القياس" مواهب الجليل للخطاب: ١/ ٣٢. ٢ لسان العرب: "١٥/ ١٤٧، ١٤٨" مادة "فتا". ٣ النساء: آية: "١٢٧". ٤ المحرر الوجيز: ٤/ ٢٦٧.
[ ٢٣ ]
بالجواب هو الإفتاء، وما يجيب به هو الفتوى، فالإفتاء يتضمن وجود المستفتي والمفتي والإفتاء نفسه والفتوى"١.
الإفتاء اصطلاحًا:
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: "والمعنى الاصطلاحي للإفتاء هو المعنى اللغوي لهذه الكلمة وما تتضمنه من وجود مستفتٍ ومفتٍ وإفتاء وفتوى، ولكن بقيد واحد هو أن المسألة التي وقع السؤال عن حكمها تعتبر من المسائل الشرعية، وأن حكمها المراد معرفته هو حكم شرعي٢.
٢- وعرف العلماء المفتي بتعاريف عدة:
قال الشاطبي: "المفتي هو القائم في الأمة مقام النبي ﷺ "٣.
وقال ابن حمدان: "المفتي: هو المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله. وقيل: هو المخبر عن الله بحكمه.
وقيل: هو المتمكن من معرفة أحكام الوقائع شرعًا بالدليل مع حفظه لأكثر الفقه"٤.
وقال ابن القيم: "المفتي هو المخبر عن حكم الله غير منفذ"٥.
وقال ابن الصلاح: " ولذلك قيل في الفتوى: إنها توقيع عن الله ﵎"٦.
_________________
(١) ١ أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان: ١٣٠. ٢ أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان: ١٣٠. ٣ الموافقات للشاطبي: ٤/ ٢٤٤. ٤ صفة الفتوى: ٤٤. ٥ إعلام الموقعين: ٤/ ٢٢٤. ٦ أدب المفتي: ٧٢.
[ ٢٤ ]
٣- المجتهد والمفتي:
الاجتهاد لغة:
قال في التاج: ""الجهد" بالفتح الطاقة والوسع، ويضم. قال ابن الأثير: "الجَهْدُ والجُهْدُ بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير "١.
وفي المشارق لعياض نقلا عن ابن عرفة: الجُهد بالضم الوسع والطاقة، والجهد المبالغة والغاية ومنه قوله تعالى: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها.
والتجاهد: بذل الوسع والمجهود كالاجتهاد افتعال من الجهد الطاقة "٢.
٤- الاجتهاد في الاصطلاح:
وأما الاجتهاد في الاصطلاح فقال الرازي هو: "استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغ الوسع فيه"٣.
وقال الغزالي: في الاجتهاد التام: "أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب"٤.
وقال الزركشي: "الاجتهاد: بذل الوسع لنيل حكم شرعي بطريق الاستنباط"٥.
_________________
(١) ١ النهاية: ١/ ٣٢٠. ٢ تاج العروس: "٢/ ٣٢٩، ٣٣٠" مادة "جهد". ٣ المحصول: ٢/ ٣/ ٧ وانظر اعتراض الإمام القرافي على تعريف الرازي في: "نفائس الأصول شرح المحصول": "٣/ ". ٤ المستصفى: ٢/ ٣٥٠. وانظر الرسالة للإمام الشافعي: ٥١١. ٥ البحر المحيط: ٣/ ٢٨١.
[ ٢٥ ]
وقال الآمدي: "استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه"١.
وقال ابن السبكي: "الاجتهاد: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم"٢.
وقال ابن الحاجب: "الاجتهاد، استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي"٣.
وقال البيضاوي: "الاجتهاد استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية"٤.
وقال البهاري: "الاجتهاد: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني"٥.
وقال ابن الهمام: "الاجتهاد: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني"٦.
وقال ملاخسرو: "الاجتهاد: استفراغ المجهود في استنباط الحكم الشرعي الفرعي عن دليله"٧.
وقال ابن بدران: "الاجتهاد: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه"٨.
_________________
(١) ١ الإحكام: ٤/ ٢١٨. ٢ جمع الجوامع: ٢/ ٣٧٩. ٣ مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٩. ٤ المنهاج: ٣/ ١٩١. ٥ مسلم الثبوت: ٢/ ٣٣٦. ٦ التحرير: ٤/ ١٧٩. ٧ مرقاة الوصول: ٢/ ٤٦٤. ٨ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل: ٣٦٧.
[ ٢٦ ]
وقال القرافي: "الاجتهاد: بذل الوسع في الأحكام الفرعية الكلية ممن حصلت شرائط الاجتهاد"١.
وبعد تعريف "الإفتاء" و"المفتي" و"الاجتهاد" نريد أن نعرف هل هناك فرق بين "المجتهد" و"المفتي". ذهب كثير من الأصوليين إلى أنه لا فرق بين "المجتهد" و"المفتي"، وأن "المجتهد" هو "المفتي".
قال ابن الهمام: "إن المفتي هو المجتهد وهو الفقيه"٢، وقال المحلاوي: "إن المفتي عند الأصوليين هو المجتهد المطلق"٣.
وقال الشوكاني: "إن المفتي هو المجتهد ومثله قول من قال: إن المفتي هو الفقيه لأن المراد به المجتهد في مصطلح الأصول"٤.
وهذا هو رأي الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى فإنه عندما يتحدث عن "المجتهد وصفاته وأحكامه وآدابه" يعبر عنه بقوله: "القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه" وقوله: "المفتي المستقل وشروطه".
وقوله: "فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المستقل ".
وقوله: "والمجتهد المستقل هو الذي يستقل بإدراك "، وهكذا ذهب ابن الصلاح رحمه الله تعالى إلى أنه لا فرق بين المفتي والمجتهد، وأن المفتي هو المجتهد.
_________________
(١) ١ نفائس الأصول شرح المحصول: "٣/ ". ٢ التحرير في أصول الفقه: ٥٤٧. ٣ تسهيل الأصول إلى علم الأصول: ٣٢٧. ٤ إرشاد الفحول: ٥٤٧.
[ ٢٧ ]