القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه:
أما شروطه وصفاته١:
_________________
(١) ١ في ف وج "فهو".
[ ٨٥ ]
أن يكون مكلفًا مسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح "للاعتماد"١، وإن كان من أهل الاجتهاد٢.
ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر٣، صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا٤.
ثم ينقسم وراء هذا إلى قسمين، مستقل، وغير مستقل.
القسم الأول: المفتي المستقل، وشرطه: أن يكون مع ما ذكرناه قيمًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وما التحق بها على التفصيل، وقد فصلت في كتب الفقه، وغيرها. فتيسرت والحمد لله. عالمًا بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وذلك يستفاد من علم أصول الفقه٥، عارفًا من علم القرآن٦، وعلم الحديث٧، وعلم الناسخ
_________________
(١) ١ في الأصل "الاعتماد". ٢ قال ابن حمدان في "صفة الفتوى": ١٣: "أما اشتراط إسلامه وتكليفه وعدالته، فبالإجماع "، وفي قول عند الحنفية: أن الفاسق يصلح مفتيًا؛ لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى الخطأ، انظر مجمع الأنهر: ٢/ ١٤٥. وقال ابن حمدان: ٢٩: "ولا تصح من فاسق لغيره، وإن كان مجتهدًا، لكن يفتي نفسه، ولا يسأله غيره"، وانظر المجموع: ١/ ٧٠، وسيتحدث عن هذا الأمر ابن الصلاح في فقرة "القول في أحكام المفتين": ١٠٦. ٣ في ف "للفكر". ٤ من ف وج وفي الأصل: "مسقطًا". ٥ انظر البرهان للإمام الجويني: "٢/ ١٣٣٠-١٣٣٢"، الملل والنحل للشهرستاني: "١/ ٢٠٠، ٢٠١"، الغياثي: ٤٠١، إرشاد الفحول: ٢٥٢، المنخول: "٤٦٣، ٤٦٤" المحصول في علم الأصول لفخر الدين الرازي، الجزء الثاني القسم الثالث: ٣٦، اللمع: ١٢٧، الابتهاج في شرح المنهاج: ٣/ ٢٥٦، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٠. ٦ انظر الرسالة للإمام الشافعي: ٤٦، الغيائي: ٤٠٠، ١ المستصفى للإمام الغزالي: ٢/ ٣٥٠، المحصول: "٢/ ٣/ ٣٣"، اللمع: ١٢٧، إرشاد الفحول: ٢٥٢، التقرير والتحبير: ٣/ ٢٩٣، الابتهاج في شرح المنهاج: ٣/ ٢٥٤، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٠. ٧ المستصفى: ٢/ ٣٥١، الغياثي: ٤٠٠، المحصول للرازي: "٢/ ٣/ ٣٣"، إرشاد الفحول: ٢٥١، المسودة: ٥١٦.
[ ٨٦ ]
والمنسوخ١، وعلمي٢ النحو٣، واللغة٤، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط٥ الأدلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالمًا بالفقه، ضابطًا لأمهات مسائله٦ وتفاريعه المفروغ من تمهيدها.
فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية٧، "ولن"٨ يكون إلا مجتهدًا مستقلا.
والمجتهد المستقل: هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد وتقيد٩ بمذهب أحد١٠.
_________________
(١) ١ الغياثي: ٤٠٠ المحصول: ٢/ ٣/ ٣٥، الابتهاج في شرح المنهاج: ٣/ ٢٥٥، التقرير والتخيير: ٣/ ٢٩٣، اللمع: ١٢٧، المنخول: ٤٦٤. ٢ في ف وج "علم". ٣ المستصفى: ٢/ ٣٥١، الغياثي: ٤٠٠، المحصول: ٢/ ٣/ ٣٥، المنخول من تعليقات الأصول للغزالي: "٤٦٣، ٤٦٤"، الموافقات للشاطبي: "٤/ ٥٩، ٦٢"، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٠، الابتهاج في شرح المنهاج: ٣/ ٢٥٥، اللمع: ١٢٧. ٤ في المجموع: ١/ ٧٦ حيث نقل نص كلام ابن الصلاح: "والتصريف". ٥ في ف: "وبشرط". ٦ في ف وج "مسائل". ٧ نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه الفقرة بطولها عن ابن الصلاح في المجموع: ١/ ٧٦، ونقل السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" -تحقيق ودراسة الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد: "ص٣٦ و٩٤"- تعريف المجتهد المطلق عن ابن الصلاح وسمى الكتاب "أدب الفتيا". ٨ من ش وفي النسخ كأنها "أن". ٩ في ف وج "تقييد". ١٠ قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: ٤/ ٢١٢: "ولا ينافي في اجتهاده تقليده لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي ﵀ ورضي عنه في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء". وانظر "حجة الله البالغة" لولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي: ١/ ٣٣٠.
[ ٨٧ ]
وفصل الإمام أبو المعالي ابن الجويني١ صفات المفتي، ثم قال القول الوجيز في ذلك: إن المفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسر من غير معاناة تعلم٢. وهذا الذي قاله معتبر في المفتي، ولا يصلح حدًّا للمفتي، والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: ما اشترطناه فيه من كونه حافظًا لمسائل الفقه، لم يعد من شروطه في كثير من الكتب المشهورة، نظرًا إلى أنه ليس شرطًا لمنصب الاجتهاد، فإن الفقه من ثمراته فيكون متأخرًا عنه، وشرط الشيء لا يتأخر عنه.
واشترطه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني٣، وصاحبه أبو منصور البغدادي٤، وغيرهما.
واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو٥ الصحيح،
_________________
(١) ١ هو "ركن الدولة إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، ولد في جوين "من نواحي خراسان"، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي بنيسابور سنة ثمان وسبعين وأربعمائة". ترجمته في: المنتظم: ٩/ ١٨، وفيات الأعيان: ٣/ ١٩٧، تبيين كذب المفتري: ٢٧٨، العبر: ٣/ ٢٩١، العقد الثمين: ٥/ ٥٠٧. ٢ كتاب الغياثي غياث الأمم في التباث الظلم، لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني "ت٤٧٨هـ"، والرسالة للشافعي "ص٥٠٩"، المنخول: ٤٦٤. ٣ هو "الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، قال السبكي: أحد أئمة الدين، كلامًا وأصولا، وفروعًا، توفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة". ترجمته في تبيين كذب المفتري: ٢٤٣، طبقات العبادي: ١٠٤، طبقات الشافعية الكبرى: ٤/ ٢٥٦. ٤ هو "الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي البغدادي الشافعي، الفقيه الأصولي النحوي المتكلم، صاحب "تفسير القرآن". و"الملل والنحل" و"الفرق بين الفرق"، وغير ذلك، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة"، ترجمته في إنباه الرواة: ٢/ ١٨٥، بغية الوعاة: ٢/ ١٠٥، فوات الوفيات: ١/ ٦١٣، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٧٢. ٥ في ف "وهو".
[ ٨٨ ]
وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل١ على تجرده، لأن حال المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة يسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على القرب من غير تعب كثير، وهذا لا يحصل لأحد من الخلف إلا بحفظ أبواب الفقه ومسائله، ثم لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه، بل يكفي أن يكون حافظًا للمعظم متمكنًا من إدراك الباقي على القرب٢.
الثاني: هل يشترط فيه٣ أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟
حكى أبو إسحاق، وأبو منصور فيه اختلافًا للأصحاب، والأصح اشتراطه لأن من المسائل الواقعة نوعًا لا يعرف جوابه إلا من جمع بين الفقه والحساب٤.
الثالث: إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة٥ في المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع، أما المفتي في باب خاص من العلم، نحو علم المناسك، أو علم الفرائض، أو غيرهما، فلا يشترط فيه جميع ذلك٦، ومن الجائز أن ينال
_________________
(١) ١ اقتبس الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه الفقرة بطولها في المجموع: "١/ ٧٦-٧٧". ٢ انظر جمع الجوامع: ٢/ ٤٢٢، وشرح الكوكب المنير: ٣٩٦، المستصفى: ١/ ٤٢، المحصول: ٢/ ٣/ ٣٦، إرشاد الفحول: ٢٥٢، الإحكام في أصول الأحكام: "٤/ ٢٢٠-٢٢"، الغياثي: ٤٠٤. ٣ سقطت من ف. ٤ المجموع: ١/ ٧٧، وانظر: "الرد على من " للسيوطي: "١٨١-١٨٢". ٥ في ج "المزبورة". ٦ اختلف العلماء في جواز تجزئة الاجتهاد وعدم جوازه إلى ثلاثة مذاهب: "أ" رأى جمهور علماء أهل السنة والمعتزلة إلى جوازه، وكذا الشيعة الإمامية. انظر في ذلك: المستصفى للغزالي: "٢/ ٣٥٣-٣٥٤"، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: "٤/ ٢٢٠-٢٢١"، المحصول للرازي: "٢/ ٣/ ٣٧-٣٨"، جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٦، والمجموع للنووي: ٧٦٨ فما بعدها، ومسلَّم الثبوت: ٢/ ٣٦٤، وإرشاد الفحول: ٢٢٥، التحرير لابن الهمام وشرحه تيسير التحرير للعلامة محمد أمين: ٤/ ١٩١، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب المعتزلي البصري "ت٤٣٦هـ": ٢/ ٩٢٩ حيث ذكر آراء المعتزلة، وتهذيب الوصول إلى علم الأصول للحلي: ١٠٠ حيث ذكر آراء الشيعة الإمامية، وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ٢٠/ ٢٠٤. =
[ ٨٩ ]
الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض فمن عرف القياس وطرقه وليس عالمًا بالحديث فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنه١ لا تعلق لها بالحديث، ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها، وإن لم يكن عالمًا بأحاديث النكاح، ولا عارفًا بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب الفقه.
قطع بجواز هذا٢ الغزالي٣، وابن برهان٤، وغيرهما٥. ومنهم من منع من ذلك
_________________
(١) = "ب": المذهب الثاني المنع من التجزئة؛ وهو المنقول عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى والإمام الشوكاني، وملاخسرو من الحنفية، والعلامة الفناري. انظر: "المرآة" لملاخسرو: "٢/ ٤٦٧-٤٦٨"، و"إرشاد الفحول" للشوكاني: "٢٢٤-٢٢٥"، و"فصول البدائع" للفناري: ٢/ ٤٢٥، "مسلم الثبوت" وشرحه "فواتح الرحموت: ٢/ ٣٦٤. "ج": المذهب الثالث: جواز الاجتهاد في مسائل الميراث وحدها: ومن أصحاب هذا المذهب ابن الصباغ من الشافعية. انظر "المجموع": ١/ ٧٧ و"إعلام الموقعين" لابن القيم: ٤/ ٢١٦. ومذهب تجزيء الاجتهاد هو مذهب أكثر العلماء نص عليه الغزالي، والرازي والرافعي من الشافعية، وصححه ابن الصلاح والنووي، وابن السبكي، واختاره ابن دقيق العيد، وهو مذهب الحنابلة والظاهرية انظر: المستصفى: ٢/ ٢٥٣، نهاية السول للأسنوي بهامش التقرير: ٣/ ٢٩٣، المجموع للنووي: ١/ ٧٧، وإرشاد الفحول: ٢٥٥، الأحكام لابن حزم: "٥/ ٦٩٤-٦٩٥"، جمع الجوامع لابن السبكي: ٢/ ٢٤٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢١. ١ في ش "أنها". ٢ في ف وج "ذلك". ٣ هو "الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، قال الذهبي: وصنف التصانيف مع التصون والذكاء المفرط، والاستبحار من العلم، وفي الجملة: ما رأى الرجل مثل نفسه، توفي سنة خمس وخمسمائة"، ترجمته في إتحاف السادة المتقين للسيد مرتضى الزبيدي: ١/ ٦، البداية والنهاية: ١٢/ ١٧٣، تاريخ دمشق لابن الوردي: ٢/ ٢١، العبر: ٤/ ١٠، وكتب عنه الأخ الأستاذ المحقق الدكتور علي محيي الدين علي القره داغي كتابة وافية في مقدمة تحقيقه لكتاب "الوسيط في المذهب" للإمام الغزالي. ٤ هو "أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد بن برهان الأصولي. وبرهان بفتح الباء الموحدة، قال السبكي: كان حاذق الذهن، عجيب الفطرة، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه، وتعلق بذهنه. توفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة"، ترجمته في البداية والنهاية: ١٢/ ١٩٤، طبقات الشافعية الكبرى: ٦/ ٣٠، مرآة الجنان: ٣/ ٢٢٥. ٥ المجموع: ١/ ٧٧، وتقدم ذكر مراجع تجزيء الاجتهاد في أول الفقرة.
[ ٩٠ ]
مطلقًا، وأجازه أبو نصر بن الصباغ١، غير أنه خصصه بباب المواريث. قال: لأن الفرائض لا تنبني٢ على غيرها من الأحكام، فأما ما عداها من الأحكام فبعضه مرتبط ببعض.
والأصح أن ذلك لا يختص بباب المواريث، والله أعلم.
القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل، ومنذ دهر طويل طوي بساط المفتي المستقل المطلق، والمجتهد المستقل٣، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أحوال أربع:
الأولى: أن لا يكون مقلدًا "لإمامه"٤، لا في المذهب٥ ولا في دليله لكونه قد جمع الأوصاف والعلوم المشترطة في المستقل، وإنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد، ودعا إلى سبيله٦.
_________________
(١) ١ هو "أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن جعفر بن الصباغ قال السبكي: انتهت إليه رياسة الأصحاب. وكان ورعًا نزهًا تقيًّا، صالحًا زاهدًا، فقيهًا أصوليًّا محققًا. توفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة". ترجمته في: البداية والنهاية: ١٢/ ١٢٦، الجواهر المضية: ١/ ٣١٦، العبر ٣/ ٢٨٧، طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ١٢٢. ٢ في ف وج "لا تبتني". ٣ قال السيوطي في كتاب "الرد على من أخلد ": ٩٣ "لهج كثير من الناس اليوم بأن المجتهد المطلق فقد من قديم، وأنه لم يوجد من دهر إلا المجتهد المقيد. وهذا غلط منهم، ما وقفوا على كلام العلماء، ولا عرفوا الفرق بين المجتهد المطلق والمجتهد المستقل، ولا بين المجتهد المقيد ولا المجتهد المنتسب، وبين كل مما ذكر فرق؛ ولهذا ترى أن من وقع في عبارته المجتهد المستقل مفقود من دهر، ينص في موضع آخر على وجود المجتهد المطلق، وللتحقيق في ذلك أن المجتهد المطلق أعم من المجتهد المستقل، وغير المجتهد المقيد، فإن المستقل هو الذي استقل بقواعد لنفسه بنى عليها الفقه خارجًا عن قواعد المذاهب المقررة، وهذا شيء فقد من دهر بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه، ولم يجز له، نص عليه غير واحد ". ٤ من ف وج وش وفي الأصل: "لأئمته". ٥ في ف وج "المذاهب". ٦ "الرد على " للسيوطي: ٩٥.
[ ٩١ ]
وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ﵀: إنه ادعى هذه الصفة لأئمة أصحابنا، فحكى عن أصحاب مالك، وأحمد، وداود١، وأكثر أصحاب أبي حنيفة٢، ﵏ أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم٣. ثم قال: الصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ "تعالى"٤، لا على جهة التقليد له، ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق، وأولاها، ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه في الاجتهاد، وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به "رحمه الله تعالى"٥.
قلت: وهذا الذي حكاه عن أصحابنا واقع على وفق ما رسمه لهم الشافعي، ثم المزني٦ في أول "مختصره"، وفي غيره، وذكر الشيخ أبو علي السنجي٧ شبيهًا
_________________
(١) ١ هو "أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني، الإمام المشهور بالظاهري قال ابن خلكان: كان زاهدًا متقللا كثير الورع، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية. توفي سنة سبعين ومائتين"، ترجمته في تاريخ بغداد: ٨/ ٣٦٩، طبقات الشيرازي: ١٧٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٢٥٥، تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٧٢. ٢ هو "الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه الكوفي، كان عالمًا عاملا زاهدًا عابدًا ورعًا تقيًّا، مناقبه وفضائله جمة، توفي ببغداد في السجن لِيَلِيَ القضاء فلم يفعل، سنة خمسين ومائة"، ترجمته في تاريخ بغداد: ١٣/ ٣٢٣، الجواهر المضية: ١/ ٢٦، تذكرة الحفاظ: ١/ ١٦٨، العبر: ١/ ٢١٤. ٣ في ف وج "بتقليد لهم". ٤ من ف وج. ٥ من ج وش. ٦ هو "أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا، وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه، توفي سنة أربع وستين ومائتين بمصر". ترجمته في المؤلف للدارقطني: ٢١٩٠، طبقات الشيرازي: ٩٧، وفيات الأعيان: ١/ ٢١٧، طبقات الشافعية الكبرى: ٢/ ٩٣. ٧ هو "أبو علي الحسين بن شعيب بن محمد السنجي، من قرية سنج، بكسر السين المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، فقيه العصر، وعالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق، وخراسان، توفي سنة ثلاثين وأربعمائة"، ترجمته في البداية والنهاية: ١٢/ ٥٧، طبقات الشافعية الكبرى: ٤/ ٣٤٤.
[ ٩٢ ]
بذلك، فقال: اتبعنا قول الشافعي، دون غيره من الأئمة، لأنا وجدنا قوله أحج١ الأقوال وأعدلها، "لا أنا"٢ قلده في قوله٣.
قلت: دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقًا من كل وجه لا يستقيم إلا أن يكون قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق، وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين، وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم، أو أحوال أكثرهم، وقد ذكر بعض الأصوليين منا: أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل٤.
وحكى اختلافًا بين أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة في أبي يوسف٥،
_________________
(١) ١ في ف وج "أحج من الأقوال". ٢ من ش، وكتبت في باقي النسخ "لانا". ٣ اقتبس الفقرة النووي في المجموع: ١/ ٧٧، وانظر "شرح عقود رسم المفتي المفتي" للعلامة السيد محمد أمين الشهير بابن عبدون الحنفي، طبع الأستانة: ١/ ٣١، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: "٤/ ٢١٣-٢١٤": " وكل منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره، ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من اتباع غيره. فبالله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم أعلم من غيره، أحق بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه، وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص، مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمنه لجوامع الكلم، وفصله للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب، فقعدت بهم هممهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الأمة وأولاها بالصواب، وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب، والله المستعان". ونقل السيوطي كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض": ٩٥. ٤ المجموع: ١/ ٧٨. ٥ هو "القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة ﵁، كان فقيهًا عالمًا حافظًا. قال عمار بن أبي مالك: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة" ترجمته في تاريخ بغداد: ١٤/ ٢٤٢، أخبار القضاة لوكيع: ٣/ ٢٥٤، وفيات الأعيان: ٦/ ٣٧٨، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٩٢، العبر: ١/ ٢٨٤، مرآة الجنان: ١/ ٣٨٢.
[ ٩٣ ]
ومحمد١، والمزني، وابن سريج٢ خاصًّا٣، هل كانوا من المجتهدين المستقلين، أو من المجتهدين في المذاهب؟ ٤
ولا نستنكر٥ دعوى ذلك فيهم في فن من الفقه، دون فن بناء على ما قدمناه من جواز تجزيء٦ منصب المجتهد المستقل٧، ويبعد جريان ذلك الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها، فإنه لا يخفى على أحدهم إذا كمل في باب ما لا يتعلق منه بغيره من الأبواب التي لم يكمل فيها لعموم نظره وجولانه في الأبواب كلها.
إذا عرفت هذا ففتوى المنتسبين في هذه الحالة، في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق، يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف٨، والله أعلم.
الحالة الثانية: أن يكون في مذهب إمامه مجتهدًا مقيدًا فيستقل بتقرير مذاهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده٩، ومن شأنه أن يكون
_________________
(١) ١ هو "أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني، مولاهم، الفقيه الحنفي قال الشافعي: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير، توفي سنة تسع وثمانين ومائة"، ترجمته في تاريخ بغداد: ٢/ ١٧٢، المعارف: ٥٠٠، وفيات الأعيان: ٤/ ١٨٤. ٢ هو "أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، الفقيه الشافعي، قال أبو إسحاق الشيرازي: كان يفضل على جمع أصحاب الشافعي رحمة الله تعالى عليهم، حتى على: المزني. توفي سنة ست وثلاثمائة". ترجمته في: تاريخ بغداد: ٤/ ٢٨٧، طبقات الشيرازي: ١٠٨، وفيات الأعيان: ١/ ٦٦، طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٢١، العبر: ٢/ ١٣٢. ٣ في ف وج وش" خاصة أهل". ٤ انظر الأقوال في هؤلاء الأئمة في "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" للعلامة الكنوي المتوفى سنة١٣٠٤هـ طبع الهند: "٤-٦" "وعمدة الرعاية" مقدمة "شرح الوقاية" للعلامة الكنوي: ٩، و"شرح عقود رسم المفتي: ٣١. ٥ في ف وج "ولا يستنكر". ٦ في ف وج "تجوز". ٧ تقدم ذكر المذاهب في تجزيء الاجتهاد: "٨٩-٩٠". ٨ انظر "إعلام الموقعين": ٤/ ٢١٢-٢١٣". ٩ إعلام الموقعين: "٤/ ٢١٣، "الرد على من أخلد إلى الأرض" للسيوطي: ٩٦، مغني المحتاج: ٤/ ٣٧٧.
[ ٩٤ ]
عالمًا بالفقه، خبيرًا بأصول الفقه، عارفًا بأدلة الأحكام تفصيلا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيمًا بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرى عن شوب من التقليد له، لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل. مثل أن يخل بعلم الحديث أو بعلم اللغة العربية، وكثيرًا ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد. ويتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها نحو١ ما يفعله المستقل بنصوص الشارع، وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله، فيكتفي بذلك "فيه"٢ ولا يبحث هل لذلك الدليل من معارض؟ ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل، وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب.
وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا، أو أكثرهم، ومن كان هذا شأنه فالعامل بفتياه مقلد لإمامه. لا له٣، لأن معوله على صحة إضافة ما يقوله إلى إمامه، لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع، والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: الذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن من كانت هذه حالته ففرض الكفاية لا يتأدى به، ووجهه أن ما فيه من التقليد نقص وخلل في المقصود.
وأقول: "إنه"٤ يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى، وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى٥، لأنه قد قام في فتواه مقام إمام مطلق، فهو يؤدي عنه ما كان يتأدى به٦ الفرض حين كان حيًّا قائمًا بالفرض
_________________
(١) ١ ساقطة من ج. ٢ من ش. ٣ "الرد على من أخلد إلى الأرض": ٩٦. ٤ من ش. ٥ "الرد على من أخلد إلى الأرض": "٣٦، ٣٨، ٩٧" اقتبس كلام ابن الصلاح وسمى كتابه "أدب الفتيا"، وكذا نقل كلام ابن الصلاح صاحب "الإبهاج في شرح المنهاج" ٣/ ٢٥٦. ٦ سقطت من ف وج.
[ ٩٥ ]
فيها. والتفريع على الصحيح في أن تقليد الميت جائز١.
الثاني: قد يوجد من المجتهد المقيد الاستقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة خاصة، أو باب خاص٢، كما تقدم في النوع الذي قبله، والله أعلم.
الثالث: يجوز له أن يفتي فيما لا يجده من أحكام الوقائع منصوصًا عليه لإمامه بما يخرجه على مذهبه، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة، فالمجتهد في مذهب الشافعي مثلا، المحيط بقواعده مذهبه، المتدرب في مقاييسه وسبل تصرفاته، متنزل كما قدمنا ذكره في الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على هذا من ذاك٣ على ذاك٤، فإن هذا يجد في مذهب إمامه من القواعد الممهدة، والضوابط المهذبة ما لا يجده المستقل في أصل الشرع ونصوصه، ثم إن هذا٥ المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه، لا له.
قطع بهذا الشيخ أبو المعالي ابن الجويني في كتابه "الغياثي"٦.
وأنا أقوال: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي٧: في أن ما يخرجه أصحابنا ﵏ على مذهب الشافعي رضي الله
_________________
(١) ١ انظر "إعلام الموقعين": ٤/ ٢١٥، و"المحصول" للرازي: "٢/ ٣/ ٩٧- ٩٨"، المعتمد: ٢/ ٣٦٠. ٢ المجموع: ١/ ٧٧، وانظر مجموع الفتاوى الكبرى: ٢٠/ ٢٠٤، إعلام الموقعين: ٤/ ٢١٦. ٣ و٤ في ف وج "ذلك". ٥ سقطت من ش. ٦ انظر الغياثي: ٤٢٦. ٧ هو "أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي صاحب "التبصرة" و"التنبيه" و"المهذب" في الفقه. وغير ذلك قال السبكي: هو الشيخ الإمام شيخ الإسلام، صاحب التصانيف التي سارت كمسير الشمس، ودارت الدنيا توفي سنة ست وسبعين وأربعمائة"، ترجمته في: تبيين كذب المفتري: ٢٧٦، البداية والنهاية: ١٢/ ١٢٤، العبر: ٣/ ٢٨٣، طبقات الشافعية الكبرى: ٤/ ٢١٥.
[ ٩٦ ]
عنه هل يجوز أن ينسب إليه؟ واختار الشيخ أبو إسحاق: أنه لا يجوز أن ينسب إليه١. والله أعلم.
الرابع: تخريجه تارة يكون من نص معين لإمامه في مسألة معينة، وتارة لا يجد لإمامه نصًّا معينًا يخرج منه "فيخرج"٢ على وفق أصوله، بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه وعلى٣ شرطه، فيفتي بموجبه، ثم إن وقع النوع الأول من التخريج في صورة فيها نص لإمامه مخرجًا خلاف نصه فيها من نص آخر في صورة أخرى، سمي قولا مخرجًا٤، وإذا وقع النوع الثاني في صورة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك سمي ذلك وجهًا. ويقال: فيها وجهان. وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين، أن لا يجد بين المسألتين فارقًا، ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في٥ قوله ﷺ: "من أعتق شركً ا ٦ له في عبد قوم عليه" ٧.
_________________
(١) ١ التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي: ٥١٧، اللمع: ١٣٣، ونقل النووي هذه الفقرة عن ابن الصلاح في المجموع: ١/ ٧٨، وانظر: الشربيني في مغني المحتاج: ١/ ١٢، والرملي في النهاية: ١/ ٤٣، وإعلام الموقعين: ٤/ ٢١٥. ٢ من ف وج وش وفي الأصل: "مخرج". ٣ في ف وج "على". ٤ في المسودة: "٥٣٢، ٥٣٣": "وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد أو إيمانه أو دليله أو تعليقه أو سياق كلامه". والتخريج: هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه. ٥ في ف وج "لقوله". ٦ "أي حصة ونصيبًا"، النهاية: ٢/ ٤٦٧. ٧ رواه البخاري: ٥/ ٣٢ في الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء، باب الشركة في الرفيق، وفي العتق، باب إذا أعتق عبدًا أو عبدين بين اثنين أو أمة بين الشركاء، وباب كراهة التطاول على الرقيق، الأحاديث: "٢٤٩١، ٢٥٠٣، ٢٥٢١، ٢٥٢٢، ٢٥٢٣، ٢٥٢٥"، ومسلم في الأيمان، باب من أعتق شركًا له في عبد حديث رقم: "١٥٠١"، وأبو داود في العتق، باب فيمن روى أن لا يستسعي، الأحاديث "٣٩٤٠-٣٩٤٧"، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فينفق أحدهما نصيبه، الأحاديث: "١٣٤٦، ١٣٤٧"، والنسائي: ٧/ ٣١٩ في البيوع، باب الشركة بغير مال، وباب الشركة في الرقيق، ومالك في الموطأ: ٢/ ٧٧٢ في العتق، باب من أعتق شركًا له في مملوك من رواية "عبد الله بن عمر ﵄"، وانظر نيل الأوطار: ٦/ ٢٠٧.
[ ٩٧ ]
ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه١ تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق، وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق٢، والله أعلم.
الحالثة الثالثة٣: أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس٤ حافظ لمذهب إمامه، عارف٥ بأدلته، قائم بتقريرها، وبنصرته، يصور، ويحرر، ويمهد، ويقرر، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه لم يرتضي في التخريج والاستنباط كارتياضهم، وإما لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أداته٦، على أطراف من قواعد أصول الفقه، وإما لكونه مقصرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق. وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الخامسة٧ من الهجرة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه، وتمهيد الطرق في المذهب.
_________________
(١) ١ في ج "فلزمه" وطمست في ف. ٢ نقل الإمام النووي هذه الفقرة عن ابن الصلاح رحمه الله تعالى في المجموع: ١/ ٧٨. وانظر التبصرة: ٥١٦، وجمع الجوامع: ٢/ ٣٨. ٣ "الرد على " السيوطي: ٩٧. ٤ فقه النفس: هو استعداد فطري يؤهله للاجتهاد. قال إمام الحرمين في البرهان: ٢/ ١٣٣٢ فقرة "١٤٩٠": ثم يشترط "أي للمفتي والمجتهد" وراء ذلك كله فقه النفس فهو رأس مال المجتهد، ولا يتأتى كسبه، فإن حيل على ذلك فهو المراد، وإلا فلا يتأتى تحصيله بحفظ الكتب. ٥ في ف وج "عارفًا". ٦ في ف وج "أدلة" وفي ش "أدلته". ٧ في المجموع: ١/ ٧٩ "الرابعة" وانظر "الإحكام": ٢/ ١٧٢، و"مسلم الثبوت": ٢/ ٣٩٩، و"جمع الجوامع": ٢/ ٣٩٨.
[ ٩٨ ]
وأما في فتاويهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسيط أولئك، أو قريبًا منه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب غير "مقتصرين"١ في ذلك على القياس الجلي٢، وقياس لا فارق، الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في إعتاق الشريك، وقياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن.
وفيهم من جمعت فتاويه وأفردت بالتدوين، ولا يبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه، ولا تقوى كقوتها٣، والله أعلم.
الحالة الرابعة٤: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله٥، وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه وتفريعات أصحابه٦ المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه، فإن وجد في المنقول ما هذا في معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا
_________________
(١) ١ من ف وج وش وفي الأصل "المقتصرين". ٢ قال الآمدي في الإحكام: ٤/ ٣ "القياس الجلي: ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره. فالأول: كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف بهما لعلة كف الأذى عنهما. والثاني: كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب، حيث عرفنا أنه لا فارق بينهما سوى الذكورة في الأصل، والأنوثة في الفرع، وعلمنا عدم التفات الشارع إلى ذلك في أحكام العتق خاصة". "وأما الخفي: فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل، كقياس القتل بالمثقل على المحدد ونحوه". ٣ نقل الإمام النووي عن ابن الصلاح هذه الفقرة بشيء من التصرف "المجموع": ١/ ٧٩، والسيوطي في الاجتهاد: ٩٧. ٤ اقتبس السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد": ٩٧ هذه الحالة عن ابن الصلاح وسمى الكتاب "آداب الفتيا"، المجموع: ١/ ٧٩، صفة الفتوى: ٢٣. ٥ من ف وج وش، وكذا في الرد للسيوطي: ٩٧، وفي الأصل: "في نقله". ٦ في ف وج "أصحاب".
[ ٩٩ ]
فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك، جاز له إلحاقه به والفتوى به. وكذلك ما يعم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه.
ومثل هذا يقع نادرًا١ في حق٢ مثل الفقيه المذكور، إذ يبعد كما ذكر الإمام أبو المعالي ابن الجويني٣: أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء من٤ المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من٥ ضوابط المذهب المحررة فيه، ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس، لأن تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها٦ وخفياتها٧ لا يقوم إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه٨.
قلت: وينبغي أن يكتفى في حفظ المذهب في هذه الحالة، وفي الحالة التي قبلها، بأن يكون المعظم على مد٩ ذهنه، ويكون لدربته متمكنًا من الوقوف على الباقي بالمطالعة، أو ما يلتحق بها على القرب كما اكتفينا في أقسام الاجتهاد الثلاثة الأول، بأن يكون المعظم على ذهنه، "ويتمكن"١٠ من إدراك الباقي بالاجتهاد١١ على القرب١٢.
_________________
(١) ١ في ف وج "ناديًا". ٢ سقطت من ف وج. ٣ انظر الغياثي: "٤٢٣-٤٢٤". ٤ في ف وج "في". ٥ في ش: "من المنصوص ضوابط". ٦ في ف وج "جليانها". ٧ في ف وج "خفيانها". ٨ انظر الغياثي: ٤٢٤. ٩ سقطت من ف وج وش. ١٠ من ف وج وش وفي الأصل: "وتمكن". ١١ في ش "الباقي على القرب الاجتهاد". ١٢ اقتبس الإمام النووي هذه الفقرة عن ابن الصلاح في المجموع: ١/ ٧٩، صفة الفتوى: ٢٣.
[ ١٠٠ ]
هذه١ أصناف المفتين وشروطهم، وهي خمسة، وما من صنف منها إلا ويشترط فيه: حفظ المذهب، وفقه النفس وذلك فيما عدا الصنف الأخير الذي هو٢ بعض ما يشترط في هذا القبيل. فمن انتصب في منصب الفتيا وتصدى لها وليس على صفة واحدة٢ من هذه الأصناف الخمسة، فقد باء بأمر عظيم، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤، ومن أراد التصدي للفتيا ظانًّا كونه من أهلها فليتهم نفسه، وليتق ربه ﵎، ولا يخدعن عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها.
ولقد قطع الإمام أبو المعالي، وغيره: بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا تحل له الفتوى بمجرد ذلك٥، ولو وقعت له في نفسه واقعة لزمه أن يستفتي غيره فيها. ويلتحق به المتصرف النظار البحاث في الفقه من أئمة الخلاف، وفحول المناظرين.
وهذا لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام متقدم لعدم حفظه له وعدم إطلاعه عليه على الوجه المعتبر٦، والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: قطع الإمام العلامة أبو عبد الله الحليمي٧ إمام الشافعيين بما وراء
_________________
(١) ١ في ف وج "وهذه". ٢ في النسخ كلمة غير مفهومة تقرب من "أخسها" أو "اجتنبها". ٣ في ش "واحد". ٤ سورة المطففين آية "٥ و٦". ٥ انظر رأي إمام الحرمين في البرهان: "١/ ٦٨٥-٦٨٦" فقرات "٦٣٢، ٦٣٣"، وذكر الآمدي فيه خلافًا انظر الإحكام: ١/ ٢٨٨. ٦ المجموع: ١/ ٧٩، صفة الفتوى: "٢٤-٢٥". ٧ هو "الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي. قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر، وأنظرهم بعد أستاذيه أبي بكر القفال، وأبي بكر الأودني. توفي سنة ثلاث وأربعمائة"، ترجمته في البداية والنهاية: ١١/ ٣٤٩، العبر: ٣/ ٨٤، طبقات الشافعية الكبرى: ٤/ ٣٣٣، المنتظم: ٧/ ٢٦٤.
[ ١٠١ ]
النهر، والقاضي أبو المحاسن١ الروياني، صاحب "بحر المذهب"٢، وغيرهما: بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه٣.
وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "شرحه لرسالة الشافعي": عن شيخه أبي بكر القفال المروزي٤: أنه يجوز لمن حفظ٥ مذهب صاحب مذهب ونصوصه، أن يفتي به وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه.
وخالفه الشيخ أبو محمد، وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا٦ لم يكن متبحرًا فيه، عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به.
_________________
(١) ١ هو "الإمام الجليل أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني: بضم الراء وسكون الواو، والفقهاء يهمزون الرياني، والمعروف أنه بغير همز، من قرى طبرستان. قال فيه القاضي أبو محمد الجرجاني: نادرة العصر، إمام في الفقه، توفي سنة اثنتين وخمسمائة". ترجمته في المنتظم: ٩/ ١٦٠، معجم البلدان: ٢/ ٨٧٣، البداية والنهاية: ١٢/ ١٧٠، طبقات الشافعية الكبرى: ٧/ ١٩٣، العبر: ٤/ ٤. ٢ قال ابن كثير في البداية والنهاية: ١٢/ ١٧٠، وهو حافل كامل شامل للغرائب وغيرها، وفي المثل: حدث عن البحر ولا حرج". ٣ انظر المعتمد: "٢/ ٣٥٩-٣٦٠"، الإبهاج في شرح المنهاج: ٣/ ٢٦٨، صفة الفتوى لابن حمدان: ٢٥، إعلام الموقعين: "١/ ٤٦، ٤/ ١٩٤"، إرشاد الفحول: ٢٩٦. ٤ هو "الإمام الزاهد أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله، يعرف بالقفال الصغير المروزي. قال السبكي: شيخ الخراسانيين، وليس هو القفال الكبير، هذا أكثر ذكرًا في الكتب، أي كتب الفقه، لا يذكر غالبًا إلا مطلقًا، وذاك إذا أطلق قيد بالشاشي، وقال ابن ناصر العمري: لم يكن في زمان أبي بكر القفال أفقه منه، ولا يكون بعده مثله، وكنا نقول: إنه ملك في صورة إنسان، توفي سنة سبع عشرة وأربعمائة"، ترجمته في المختصر في أخبار البشر: ٢/ ١٦٣، العبر: ٣/ ١٢٤، طبقات الشافعية الكبرى: ٥/ ٥٣. ٥ نقل الإمام ابن القيم هذه الفقرة عن ابن الصلاح في إعلام الموقعين: ٤/ ١٩٥ وجاء فيها "لمن حفظ كلام صاحب مذهب". ٦ في ف وج "إذ".
[ ١٠٢ ]
قلت١: قول من قال: لا يجوز أن يفتي بذلك، معناه أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه ويحكيه عن إمامه الذي قلده، فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين من المقلدين ليسوا٢ على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين وأدوا٣ عنهم فعدوا معهم، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا٤ مثلا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومن ترك منهم٥ إضافة ذلك إلى إمامه إن كان ذلك "منه"٦ اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال فلا بأس٧.
وذكر الماوردي في كتابه "الحاوي": في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجوز أن يفتي به، ويجوز تقليده فيه، لأنه قد وصل إلى العلم به، مثل وصول العالم إليه.
والثاني: يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو٨ السنة.
والثالث: وهو أصحها أنه لا يجوز ذلك مطلقًا٩.
_________________
(١) ١ في ش: "قال المصنف ﵁: قول ". ٢ في الأصل: "من ليسوا". ٣ في إعلام الموقعين: ٤/ ١٩٥ "وادعوا". ٤ في ف وج: "يقول". ٥ سقطت من ف وج. ٦ من ف وج وش وفي الأصل "منهم". وفي إعلام الموقعين: ٤/ ١٩٥ "كان ذلك اكتفاء منه". ٧ نقل الإمام ابن قيم الجوزية كلام ابن الصلاح هذا بنصه في "إعلام الموقعين" "٤/ ١٩٥-١٩٦". وقال: "قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول: "مذهب الشافعي" لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه، كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة وأما قول الشيخ أبي عمرو: إن لهذا المفتي أن يقول: هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا، فلعمر الله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعًا وفرقًا ". ٨ في ف وج "والسنة". ٩ المجموع: ١/ ٨٠.
[ ١٠٣ ]
قلت١: وليس فيما ذكره حكاية خلاف في جواز فتيا المقلد وتقليده، لأن فيما ذكره من توجيه وجه الجواز تشبيهًا٢ بأن العامي لا يبقى مقلدًا في حكم تلك الحادثة، والله أعلم.
الثاني: إن قلت: من تفقه وقرأ كتابًا من كتب المذهب، أو أكثر٣، وهو مع ذلك قاصر لم يتصف بصفة أحد من "أصناف"٤ المفتين الذين سبق ذكرهم، فإذا لم يجد العامي في بلده غيره فرجوعه إليه أولى من أن يبقى في واقعته مرتبكًا في حيرته.
قلت: إن كان في غيره بلده مفت يجد السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى استفتائه بحسب إمكانه، على أن بعض أصحابنا، ذكر أنه إذا شغرت البلدة عن المفتين فلا يحل المقام فيها، وإن تعذر ذلك عليه ذكر مسألته للقاصر المذكور، فإن وجد مسألته بعينها مسطورة في كتاب موثوق بصحته، وهو ممن يقبل خبره، نقل له حكمها بنصه، وكان العامي في ذلك مقلدًا لصاحب المذهب٥، وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم، والدليل يعضده، ثم لا يعد هذا القاصر بأمثال ذلك من المفتين، ولا من الأصناف المذكورة المستعار لهم سمة المفتين، وإن لم يجد مسألته بعينها ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى القول فياه قياسًا على ما عنده من المسطورة، وإن اعتقده من قبيل قياس لا فارق الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في سراية العتق، لأن القاصر معرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل داخلا في هذا القبيل، وإنما استتب إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في حق من عرف مصادر الشرع وموارده في أحكام العتق بحيث استبان له أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في ش: "قال المصنف ﵁". ٢ في ف وج كأنها "تشبثًا" أو "تشبيهًا". ٣ في ف: "أكبر". ٤ من ف وج وش. ٥ انظر "المحصول": "٢/ ٣/ ٩٩-١٠٠"، و"شرح عقود رسم المفتي" لابن عابدين: ١٣، المجموع: ١/ ٨٠.
[ ١٠٤ ]
الثالث: إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيًا ولا أحدًا ينقل له حكم واقعته، لا في بلده ولا في غيره فماذا يصنع؟ قلت: هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية١، والسبيل في ذلك كالسبيل فيما قبل ورود الشرائع، والصحيح في كل٢ ذلك القول بانتفاء التكليف عن العبد، فإنه٣ لا يثبت في حقه حكم، لا إيجاب، ولا تحريم، ولا غير ذلك، فلا يؤاخذ إذن صاحب الواقعة بأي شيء صنعه فيها، وهذا مع تقرره٤ بالدليل المعنوي الأصولي، يشهد له حديث حذيفة٥ بن "اليمان"٦ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله تعالى في ليلة، فلا٧ يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله٨، فنحن نقولها". فقال صلة بن زفر٩، لحذيفة: "فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا
_________________
(١) ١ انظر البرهان: "ص١٣٤٨-١٣٥٠"، الغياثي: "ص٤٢٩"، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٢، مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٠٧، التحرير لابن الهمام: ٤/ ٢٤٠، جمع الجوامع لابن السبكي: ٢/ ٣٩٨، مسلم الثبوت: ٢/ ٣٩٩ فصول البدائع: ٢/ ٤٣٠، إعلام الموقعين: "٤/ ٢١٩-٢٢٠"، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لعبد القادر بن بدران: ٣٨٦. ٢ سقطت من ف وج. ٣ في ف وج "وأنه". ٤ في ش "تقريره". ٥ هو "حذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حسيل مصغرًا، ويقال: حسل: بكسر ثم سكون، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، صح في مسلم عنه: أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين"، التقريب: ١/ ١٥٦. ٦ في الأصل: "اليان"، وفي ف "اليماني". ٧ في ف وج "لا يبقى". ٨ في ش "إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة فنحن نقولها". ٩ "صلة: بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة، ابن زفر: بضم الزاي، وفتح الفاء، العبسي، بالموحدة، أبو العلاء، وأبو بكر الكوفي، تابعي كبير، ثقة جليل، مات في حدود السبعين". التقريب: ١/ ٣٧٠، تهذيب التهذيب: ٤/ ٤٣٧.
[ ١٠٥ ]
صيام ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، فردها١ عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار"٢، رواه أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه".
والحاكم أبو عبد الله الحافظ في "صحيحه". وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٣. والله أعلم٤.
_________________
(١) ١ في ش "فردها". ٢ رواه ابن ماجه: "٢/ ١٣٤٤-١٣٤٥" في الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم، حديث رقم: "٤٠٤٩"، وفي الزوائد: "إسناده صحيح، رجاله ثقات" سنن ابن ماجه: ٢/ ١٣٤٥. وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٤٧٣. ٣ وسكت عنه الذهبي. ٤ سقطت من ج.
[ ١٠٦ ]