"الأولى": اختلفوا في أنه هل يجب عليه البحث والاجتهاد عن أعيان المفتين؟ وليس هذا الخلاف على الإطلاق، فإنه يجب عليه قطعًا البحث الذي يعرف به صلاحية من يستفتيه "للإفتاء"١ إذا لم يكن قد تقدمت معرفته بذلك، ولا يجوز له استفتاء كل من اعتزى إلى٢ العلم، وإن انتصب في منصب التدريس أو غيره من مناصب أهل العلم، بمجرد ذلك٣. ويجوز له استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلا للفتوى، وعند بعض أصحابنا المتأخرين: إنما يعتمد قوله: أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك والتواتر٧، لأن التواتر لا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس، والشهرة "بين"٤ العامة لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس.
_________________
(١) ١ من ف وج وش، وفي الأصل: "الإفتاء". ٢ في ف طمس وكأنها "اعتبار"، وفي المجموع: ١/ ٩٤ "من انتسب إلى العلم". ٣ انظر: الفقيه والمتفقه: "٢/ ١٧٧-١٧٨". ٤ في ف وج: "التواتر". ٥ من ف وج وش وفي الأصل: "من".
[ ١٥٨ ]
ويجوز له أيضًا استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته، ولا ينبغي أن "يكفي"١ في هذه الأزمان بمجرد تصديه للفتوى واشتهاره بمباشرتها، لا٢ بأهليته لها.
وقد أطلق الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره: أنه يقبل فيه خبر العدل الواحد٣.
وينبغي أن يشترط فيه: أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من غيره، ولا يعتمد في ذلك على خبر آحاد٤ العامة، لكثرة٥ ما يتطرق "إليهم"٦ من التلبيس في ذلك٧ إذا عرفت هذا.
فإذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز له٨ استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم، والبحث عن الأعلم الأورع الأوثق ليقلده دون غيره؟
فهذا فيه وجهان:
"أحدهما"٩: وهو في طريقة العراق منسوب إلى أكثر أصحابنا وهو الصحيح فيها: أنه لا يجب ذلك وله استفتاء من شاء منهم، لأن الجميع أهل، وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي١٠.
_________________
(١) ١ من ف وج وش وفي الأصل: "تكون". ٢ في صفة الفتوى: ٦٨ "إلا". ٣ اللمع في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي: ١٢٨. ٤ في ش: "الآحاد". ٥ في ف وج "كثرة". ٦ من ف وج وش وفي الأصل: "إليه". ٧ المجموع: ١/ ٩٤، صفة الفتوى: "٦٧-٦٨". ٨ ساقطة من ف وج. ٩ في ج "الأول". ١٠ المجموع: ١/ ٩٤، صفة الفتوى: ٦٩، وانظر اللمع: ١٢٨، المحصول: "٢/ ١١٢-١١٤"، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١١ المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي: "٢/ ٣٦-٣٦٥"، إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦١، والمستصفى: ٢/ ٣٩٠، المنخول: ٤٧٩، التبصرة في أصول الفقه: للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي شرح وتحقيق الدكتور محمد حسن هيتو، دار الفكر: ٤١٥، المنتهى لابن الحاجب: "ص١٦٥" فواتح الرحموت: ٢/ ٤٠٤
[ ١٥٩ ]
"والثاني": يجب عليه ذلك، وهو قول ابن سريج، واختيار القفال المروزي، والصحيح عند صاحبه القاضي حسين١، لأنه٢ يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال، فلم يسقط عنه.
والأول أصح، وهو الظاهر٣ من حال الأولين، ولكن متى ما اطلع٤ على الأوثق منهما، فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر، كما وجب تقديم أرجح الدليلين، وأوثق الراويين٥، فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع٦ من العالمين، والأعلم من الورعين، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قلد الأعلم على الأصح٧، والله أعلم.
"الثانية": في جواز تقليد الميت وجهان:
"أحدهما": لا يجوز لأن أهليته زالت بموته، فهو كما لو٨ فسق. والصحيح الذي عليه العمل الجواز، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف، وموت الشاهد قبل الحكم "لا يمنع من الحكم"٩
_________________
(١) ١ هو "القاضي الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي" تقدم: "ص: ١١٣". ٢ في ج: "أنه". ٣ في ج: "الظ". ٤ في ف وج: "أطلع". ٥ كذا في النسخ، وفي المجموع وصفة الفتوى "الروايتين". ٦ في ف وج "الورع". ٧ المجموع: ١/ ٩٥، صفة الفتوى: ٧٠، وانظر: اللمع: ١٢٨ البرهان: "٢/ ١٣٤٤، الفقرة: ١٥١٩، الإحكام للآمدي: "٤/ ٣١١-٣١٢". ٨ سقطت من ف وج. ٩ سقطت من ف وج.
[ ١٦٠ ]
بشهادته بخلاف الفسق، والقول الأول يجر خبطًا في الأعصار المتأخرة١.
"الثالثة": هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ لينظر، إن كان منتسبًا إلى مذهب معين بنينا ذلك على وجهين٢، حكاهما القاضي حسين: في أن العامي هل له مذهب أولا؟
"أحدهما": أنه لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن يعرف الأدلة، فعلى هذا له أن يستفتي من شاء من شافعي، أو٣ حنفي، أو غيرهما٤.
"والثاني"٥: وهو الأصح٦ عند القفال المروزي، أن "له مذهبًا"٧ لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، ورجحه على غيره فعليه الوفاء بموجب اعتقاده ذلك.
فإن كان شافعيًّا لم يكن له أن يستفتي حنفيًّا، ولا يخالف إمامه، فقد٨ ذكرنا في المفتي المنتسب ما يجوز له أن يخالف إمامه فيه، وإن لم يكن قد انتسب إلى مذهب معين فينبني ذلك فيه على وجهين ابن برهان: في أن العامي: هل يلزمه٩ أن يتمذهب بمذهب معين؟ يأخذ برخصه وعزائمه؟
أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لم١٠ يلزم في عصر أوائل الأمة أن يخص
_________________
(١) ١ المجموع: ١/ ٩٥، صفة الفتوى: ٧٠، وانظر إعلام الموقعين: "٤/ ٢١٥-٢١٦"، والمحصول: "٢/ ٣/ ٩٧-٩٨". ٢ في ف وج: "جهتين". ٣ في ف وج وش: "و". ٤ المجموع: ١/ ٩٥، صفة الفتوى: ٧١، وانظر طبقات الشافعية للإسنوي: ٢/ ٥٢٢، إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٢. ٥ سقطت من ش. ٦ في ف وج: "الصحيح". ٧ سقطت من ش. ٨ في ش: "وقد". ٩ في ج: "يلزم". ١٠ من ف وج وش وفي الأصل: "لا".
[ ١٦١ ]
العامي عالمًا١ معينًا "بتقليده"٢.
قلت٣: فعلى هذا هل٤ له أن يستفتي على أي مذهب شاء؟ أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم علم مثله أسد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتي أهله٥؟
فيه وجهان مذكوران كالوجهين اللذين سبقا في إلزامه بالبحث عن الأعلم، والأوثق من المفتين.
"والثاني": يلزمه ذلك، وبه قطع الكيا أبو الحسن، وهو جار "له"٦ في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم، ووجهه أنه لو جاز له اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعًا هواه، ومتخيرًا بين التحريم والتجويز، وفي ذلك انحلال ربقة٧ التكليف بخلاف العصر الأول، فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث حينئذ قد مهدت وعرفت، فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين، وهذا أولى بإيجاب الاجتهاد فيه على العامي مما سبق ذكره في الاسفتاء، ونحن نمهد له طريقًا يسلكه في اجتهاده سهلا، فنقول:
أولا: ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي، والميل إلى ما وجد عليه أباه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة، وغيرهم من الأولين، وإن كانوا
_________________
(١) ١ في ف وج: "علمًا". ٢ من ف وج وش وفي الأصل: "تقليده". ٣ في ش: "قال المصنف ﵁". ٤ سقطت من ف. ٥ في ش: "أهلها". ٦ من ف وج. ٧ في ف وج: "رتبة".
[ ١٦٢ ]
أعلم، وأعلى درجة ممن١ بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين٢ العلم وضبط أصوله وفروعه، وليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين٣ لمذاهب الصحابة والتابعين، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها، كمالك وأبي حنيفة وغيرهما٤.
ولما كان الشافعي "﵀"٥ قد تأخر عن هؤلاء الأئمة ونظر في٦
_________________
(١) ١ في ف وج: "من". ٢ في ف وج: "بتدوين". ٣ في ف وج: "المتأخرين". ٤ المجموع: ١/ ٩٦، صفة الفتوى: ٧٢-٧٣". وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: "٤/ ٢٦٢-٢٦٣"، هل على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأئمة الأربعة؟ أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده دينه دون غيره بل لا يصح للعامي مذهب لو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب، لم يصر كذلك بمجرد قوله ولا يلزم أحدًا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فبالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، ولا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته، أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضًا تابع لما أوجبه الله ورسوله ". أما عن تتبع الرخص فقال ابن القيم في إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٤: "ولكن ليس له أن يتبع رخص المذاهب وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان". ٥ من ج. ٦ سقطت من ف وج.
[ ١٦٣ ]
مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم، فسبرها وخبرها وانتقدها، واختار أرجحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل، مع كمال آلته وبراعته في العلوم، وترجحه في ذلك على من سبقه، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد، وهذا مع ما فيه من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد من الأئمة جلي واضح، إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به١. والله أعلم.
"الرابعة": إذا اختلف عليه فتوى مفتيين، فللأصحاب فيه أوجه٢:
أحدهما: أنه يأخذ بأغلظها، فيأخذ بالحظر دون الإباحة، لأنه أحوط، ولأن الحق ثقيل.
"والثاني": يأخذ بأخفهما٣، لأنه ﷺ: "بعث بالحنفية٤ السمحة السهلة"٥.
_________________
(١) ١ المجموع: "١/ ٩٦-٩٧"، وقد اقتبس "أحمد بن حمدان الحنبلي" في صفة الفتوى: ٧٤ هذا الكلام غير أنه بدل اسم الشافعي باسم أحمد رحمهما الله تعالى. وقال: "وقد ادعى الشافعية ذلك في مذهب الشافعي أيضًا ونحن نقول: كان الإمام أحمد أكثرهم علمًا بالأخبار، وعملًا بالآثار، واقتفاء للسلف، واكتفاء بهم دون الخلف ". وانظر ما نقله ابن الصلاح عن الأئمة رحمهم الله تعالى جميعًا: "أينما صح الحديث فهو مذهبي"، وانظر إعلام الموقعين: "٤/ ٢٣٣-٢٣٤". ٢ المجموع: ١/ ٩٧، صفة الفتوى: ٨٠، وانظر اللمع: ١٢٨، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٥٥، البرهان: ٢/ ١٣٤٤، الفقرة "٥١٩"، المحصول: "٢/ ٣/ ٢١٦- ٢١٧"، جمع الجوامع بشرح الجلال: ٢/ ٣٥٢، إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٤، المعتمد: ٢/ ٣٦٤، المنخول: ٤٨٣. ٣ المجموع: ١/ ٩٧، صفة الفتوى: ٨٠، اللمع: ١٢٨، المحصول: ٢/ ٣/ ٢١٤-٢١٦". ٤ في ف وج "الحنفية". ٥ أحمد في المسند: "٥/ ٢٦٦، ٦/ ١١٦، ٢٣٣" "وإني أرسلت بالحنفية السمحة" ، وانظر: المقاصد الحسنة: ١٠٩، فيض القدير: ٣/ ٢٠٣" بعثت بالحنفية السمحة" عن جابر ﵁، وضعيف الجامع: ٣/ ١٠ برقم: "٢٣٣٥"، كشف الخفاء: ١/ ٢٨٧، تمييز الطيب من الخبيث: ٣٦، اللمع: ١٢٨، والحنيف: "هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إبراهيم ﵇". النهاية: ١/ ٤٥١، وانظر تاج العروس مادة "حنف".
[ ١٦٤ ]
"والثالث": يجتهد في الأوثق١، فيأخذ٢ بفتوى الأعلم الأورع كما سبق شرحه، واختاره السمعاني الكبير، ونص الشافعي على مثله في القبلة٣.
"والرابع": يسأل مفتيًا آخر فيعمل بفتوى من يوافقه٤.
"والخامس": يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء وهو الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي٥، واختاره صاحب "الشامل"٦، فيما إذا تساوى المفتيان في نفسه.
والمختار: أن عليه أن يجتهد ويبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض وقد وقع، وليس كما سبق ذكره من الترجيح المختلف فيه عند الاستفتاء، وعند هذا ليبحث عن الأوثق، من المفتيين فيعمل بفتياه، فإنه لم يترجح أحدهما عنده استفتى آخر٧، وعمل بفتوى من وافقه الآخر، فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة، وقبل العمل، اختار جانب الحظر وترك "جانب الإباحة"٨، فإنه أحوط وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما، وإن أبينا التخيير في غيره، لأنه ضرورة في صورة نادرة.
ثم "إنما"٩ نخاطب بما ذكرناه المفتيين، وأما العامي الذي وقع له ذلك
_________________
(١) ١ انظر اللمع: ١٢٨، المعتمد: ٢/ ٢٦٥، الإبهاج: ٣/ ٥٣، المجموع: ١/ ٩٧، صفة الفتوى؛ "٨٠-٨١". ٢ في ف وج: "ويأخذ". ٣ في ف وج: "القتل"، وما جاء في الأصل هو الموافق للمجموع: ١/ ٩٧ وانظر الإبهاج: ٣/ ٢٥٣، المعتمد: "٢/ ٣٩٥-٣٩٦". ٤ المجموع: ١/ ٩٧، صفة الفتوى: ٨١، وانظر اللمع: ١٢٨. ٥ اللمع لأبي إسحاق الشيرازي: ١٢٨. ٦ هو "عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، أبو نصر بن الصباغ" تقدمت ترجمته: ٩١. ٧ في ف وج "الآخر". ٨ من هامش ج ولم يشر إلى دخولها في الأصل. وفي هامش الأصل "س" "الإباحة" ولم يشر أيضًا إلى دخولها في الأصل. ٩ من ش وهو الموافق للمجموع: ١/ ٩٧ وصفة الفتوى؛ ٨١ وفي الأصل: "إنا".
[ ١٦٥ ]
فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتيًا آخر، وقد أرشدنا المفتي إلى ما يجيبه به في ذلك، فهذا جامع لمحاسن الوجوه المذكورة، ومنصب في قالب التحقيق١. والله أعلم.
"الخامسة": قال أبو المظفر السمعاني "﵀"٢: إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به. وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وحقيته.
قال: وهذا أولى الأوجه.
قلت٣: لم أجد هذا لغيره، وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين: أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره٤، ثم اختار هو: أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين، ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده ولا يجب تخييره.
والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول: إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد
_________________
(١) ١ نقل النووي في المجموع: ١/ ٩٧ نص قول ابن الصلاح رحمه الله تعالى وقال: "وهذا الذي اختاره، الشيخ ليس بقوي، بل الأظهر أحد الأوجه الثلاثة، وهي الثالث، والرابع، والخامس، والظاهر أن الخامس أظهرها، لأنه ليس من أهل الاجتهاد، وإنما فرضه أن يقلد عالمًا أهلا لذلك، وقد فعل ذلك بأخذه بقول من يشاء منهما، والفرق بينه وبين ما نص عليه في القبلة أن أمارتها حسية فإدراك صوابها أقرب، فيظهر التفاوت بين المجتهدين فيها، والفتاوى أماراتها معنوية فلا يظهر كبير تفاوت بين المجتهدين، والله أعلم". أما ابن حمدان فقد اقتبس كلام ابن الصلاح في صفة الفتوى: ٨١، وسكت عليه. أما ابن القيم رحمه الله تعالى فذكر الآراء ورجح إلى أنه "يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين". إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٤. ٢ من ش. ٣ في ش: "قال المصنف ﵁". ٤ في ش: "وبين أن يقبل من غيره".
[ ١٦٦ ]
مفتٍ آخر لزمه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه لا بالأخذ١ في العمل به٢ ولا بغيره، ولا يتوقف أيضًا على سكون نفسه إلى صحته في نفس الأمر فإن فرضه التقليد كما عرف، وإن وجد مفت آخر -فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق- لزمه ما أفتاه به٢، بناء على الأصح في تعينه كما سبق، وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه به٤ بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده، ولا يعلم اتفاقهما٥ في٦ الفتوى، فإن وجد الاتفاق أو حكم٧ به٨ عليه حاكم لزمه حينئذ٩. والله أعلم.
"السادسة": إذا استفتى فأفتى ثم حدثت١٠ له تلك الحادثة مرة أخرى، فهل يلزمه تجديد السؤال١١؟ فيه وجهان:
"أحدهما": يلزمه لجواز تغير رأي المفتي.
"والثاني": لا يلزمه وهو الأصح، لأنه قد عرف الحكم والأصل استمرار المفتي عليه، وخصص صاحب "الشامل" الخلاف بما إذا قلد حيا، وقطع فيما إذا كان ذلك خبرًا عن ميت، بأنه لا يلزمه.
_________________
(١) ١ في ف وج وش: "بالأخذ"، وما جاء في الأصل هو الموافق للمجموع: ١/ ٩٨. ٢ سقطت من ف وج. ٣ سقطت من ف وج. ٤ سقطت من ف وج. ٥ في ف وج: "اتفاقهم". ٦ في ف وج: "على". ٧ في ف وج: "وحكم". ٨ ساقطة من ف وج. ٩ المجموع: "١/ ٩٧-٩٨" حيث اقتبس الفقرة الخامسة بنصها، صفة الفتوى: "٨١-٨٢"، إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٤. ١٠ ف وج: "وحدت". ١١ انظر الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٢-٣١٤"، البرهان: ٢/ ١٣٤٣-١٣٤٤"، الفقرة: ١٥١٧، ١٥١٨، المجموع: ١/ ٩٨، إعلام الموقعين: "٤/ ٢٣٢-٢٣٣"، المعتمد: ٢/ ٣٥٩.
[ ١٦٧ ]
ولا يختص ذلك كما قاله، فإن المفتي على مذهب الميت قد١ يتغير٢ جوابه على مذهبه٣، والله أعلم.
"السابعة": له أن يستفتي بنفسه، وله أن ينفذ٤ ثقة يقبل خبره ليستفتي له، ويجوز له الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله: إنه خطه، أو كان يعرف خطه ولم يتشكك في كون ذلك الجواب٥ بخطه. والله أعلم.
"الثامنة": ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك ولا يومئ٦ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا٧؟
"ولا يقل"٨ إذا أجابه: هكذا قلت أنا، "أو"٩ كذا وقع لي١٠، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا. ولا يقل١١ إذا١٢ استفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقًا لما أجاب فيها فاكتبه، وإلا فلا تكتب.
_________________
(١) ١ في ف وج: "وقد". ٢ في ف وج: "تغير". ٣ المجموع: ١/ ٩٨، صفة الفتوى: ٨٢. ٤ في ش: "يقلد" وفي المجموع: ١/ ٩٨ "يبعث". ٥ المجموع: ١/ ٩٨، صفة الفتوى: ٨٣. ٦ في ف وج: "يرمي". وما جاء في الأصل وش وهو الموافق للمجموع. ٧ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٨٠، المجموع: ١/ ٩٨، صفة الفتوى: ٨٣. ٨ من ف وج وش وفي الأصل: "ولا يقول له إذا " وما جاء في النسخ الأخرى هو الموافق للمجموع: ١/ ٩٨. ٩ من ف وج وش وفي الأصل: "و"، وما جاء في النسخ الأخرى هو الموافق للمصادر التي نقلت كلام ابن الصلاح. ١٠ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٨٠، المجموع: ١/ ٩٨، صفة الفتوى: ٨٣. ١١ في ف وج: "يقول". ١٢ ساقطة من ف وج.
[ ١٦٨ ]
ولا يسأله١ وهو قائم، أو مستوفز، أو على حالة ضجر، أو هم به٢، أو غير ذلك مما يشغل القلب.
ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتيين، وبالأولى٣ فالأولى٤ على ما سبق بيانه.
وقال الصيمري: إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن والأعلم، وإن أراد إفراد الجوابات في رقاع فلا يبالي بأيهم بدأ٥. والله أعلم.
"التاسعة": ينبغي أن تكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي٦ من استيفاء الجواب، فإنه إذا ضاق البياض اختصر فأضر ذلك بالسائل، ولا يدع الدعاء فيها لمن يفتي إما خاصًّا إن خص واحدًا باستفتائه، وإما عامًّا إن استفتى الفقهاء مطلقًا.
وكان بعضهم يختار أن يدفع الرقعة إلى المفتي منشورة ولا يحوجه إلى نشرها ويأخذها٧ من يديه إذا أفتى ولا يحوجه إلى طيها٨.
وينبغي أن يكون كاتب الاستفتاء ممن يحسن السؤال ويضعه على الغرض، مع إبانة الخط واللفظ، وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف٩، كنحو ما حكي: أن مستفتيا استفتى، ببغداد في رقعة عمن قال: أنت طالق إن؟ ثم أمسك عن ذكر الشرط لأمر
_________________
(١) ١ في ش: "يسأل". ٢ من الأصل فقط ولم تذكر في المجموع، ولا صفة الفتوى. ٣ في ف وج: "والأولى". ٤ اقتبس ابن الصلاح رحمه الله تعالى هذه الفقرة من الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه: "٢/ ١٧٨-١٨٢". ٥ الفقيه والمتفقه: "٢/ ١٨١، ١٨٢"، المجموع: ١/ ٩٨، صفة الفتوى: ٨٣. ٦ في ف وج: "المستفتي". ٧ في ف وج: "يأخذ". ٨ الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٨١. ٩ المجموع: "١/ ٩٨-٩٩"، صفة الفتوى: "٨٣-٨٤".
[ ١٦٩ ]
لحقه، فقال: ما يقول السادة الفقهاء في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن؟ ثم وقف عند إن -يعني ثم أمسك ووقف عند: إن- فتصحف١ ذلك على الفقهاء لكون السؤال عريًّا عن الضبط، واعتقدوه تعليقًا للطلاق على تمام وقف رجل اسمه عبدان٢.
فقالوا: إن تم وقف عبدان٣ طلقت، وإن لم يتم هذا الوقف فلا طلاق.
حتى حملت إلى أبي الحسن الكرخي الحنفي٤، وقيل إلى أبي مجالد الضرير، فتنبه لحقيقة الأمر فيها، فأجاب على ذلك فاستحسن منه٥.
قال الصيمري: ويحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم، وقد كان بعض
_________________
(١) ١ التصحيف: "هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط". انظر مقدمة القسطلاني بشرحها نيل الأماني للأبياري: ٥٦، تصحيفات المحدثين: ١/ ٣٩، مقدمة كتاب "المؤتلف والمختلف" للإمام الدارقطني بتحقيقنا. والتحريف: "هو العدول بالشيء عن جهته، وحرف الكلام تحريفًا عدل به عن جهته، وهو قد يكون بالزيادة فيه، والنقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بجعله على غير المراد منه، فالتحريف أعم من التصحيف". انظر توجيه النظر للجزائري: ٣٦٥، تصحيفات المحدثين: ١/ ٣٩، مقدمة كتاب "المؤتلف والمختلف" للدارقطني. "وقد ميز ابن حجر بين "التصحيف" و"التحريف" فقال: "إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف". توجيه النظر: ٤٧، وسبق الحافظ ابن حجر في هذا التفريق الإمام العسكري في كتابه: "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف"، انظر "المؤتلف والمختلف" للإمام الدارقطني فصل: "التصحيف والتحريف": "٥٧-٦٨". ٢ في ج "عندان". ٣ في ج "عندان". ٤ هو "أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم الكرخي، كرخ جدان، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد أبي خازم، وأبي سعيد البردعي، وكان كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر والحاجة. توفي سنة أربعين وثلاثمائة"، ترجمته في: الفهرست: ٢٩٣، تاريخ بغداد: ١٠/ ٣٥٣، الأنساب: "٥/ ٣٨٦-٣٨٧، ١١/ ٧٥"، تذكرة الحفاظ: ٣/ ٨٥٥، العبر:٣/ ٢٥٥، الجواهر المضية: ٢/ ٤٩٣. ٥ الرواية في الفقيه والمتفقه: ٢/ ١٨١.
[ ١٧٠ ]
الفقهاء ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل بعينه من أهل العلم ببلده١ والله أعلم.
"العاشرة": لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه به، ولا يقول له: لم وكيف؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك، سأل عنها في مجلس آخر أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة عن الحجة.
وذكر السمعاني: أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل لأجل احتياطه لنفسه، وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعًا به، ولا يلزمه ذلك إن لم يكن مقطوعًا به لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه العامي٢. والله أعلم. "بالصواب"٣.
"الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل"٤ آخر٥ كتاب الفتوى تصنيف الشيخ الإمام العلامة تقي الدين المعروف بابن الصلاح تغمده الله برحمته ورضوانه٦.
_________________
(١) ١ المجموع: ٢/ ٩٩، صفة الفتوى: ٨٤. ٢ المجموع: ١/ ٩٩، صفة الفتوى: ٨٤، وانظر إعلام الموقعين: ٤/ ٢٦٠. ٣ من ج. ٤ من الأصل "س" فقط. ٥ في ف "نجز". ٦ وجاء في نسخة ف: " برحمته وأسكنه فردوس جنته ووافق الفراغ من نسخه بعون الله تعالى يوم السبت رابع شهر صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة. على يد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه وغفرانه المعترف بالذنب والتقصير عبد الله بن محمد ابن أبي بكر الخليلي، لطف الله تعالى به. الحمد لله الكريم وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي نبي الرحمة، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين". وجاء في نسخة ج: "قوبل وصحح من نسخة مصححة عن نسخة المؤلف فصحح بقدر الإمكان بفضل الملك المنان بأمر مولانا شيخ الإسلام مفتي الأنام فسح الله تعالى في أجله ونفع العالمين بعلمه وعمله. حرره الفقير حسن بن علي بن الخضر". وجاء في نسخة ش: "كمل الكتاب، وربنا المحمود الوهاب، لخمس خلت من شوال سنة ست وثلاثين وسبعمائة. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وسلم تسليمًا كثيرًا".
[ ١٧١ ]