الإسلام دين الله ﵎، ومشرع أحكامه ومناهجه هو الله ﷿ فعلى المسلم أن ينقاد لشريعة الله ويستسلم لرب العالمين، وأن لا يأتي ما يناقض حقيقة الإسلام لا في الاعتقاد ولا في الأقوال ولا في الأفعال، والمسلم قبل أن يفعل الفعل أو يقول القول لا بد أن يسأل نفسه إن كان هذا الفعل موافقًا لشريعة الإسلام أو غير موافق، فإن عرف الجواب فخير، وإن لم يعرف الجواب فلا بد أن يسأل أهل العلم كي يتعلم، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
فإن لم يسأل وفعل الفعل أو قال القول فقد يقع في العصيان أو الابتداع، بل قد يؤدي به الأمر إلى الارتداد عن الإسلام.
"وسؤال الجاهل أهل العلم، وجواب هؤلاء له، وما يتعلق بهذين الموقفين: موقف الجاهل وهو يسأل، وموقف العالم وهو يجيب، من وجوب عليهما في السؤال والجواب أو ندب أو إباحة بلا وجوب في السؤال والجواب، وغير ذلك من الأمور، كل ذلك يكون ما يعرف في الشريعة الإسلامية بنظام الإفتاء١. ونظام الإفتاء في الإسلام له ضوابط وأصول، ومن أجل بيان هذه الضوابط والأصول ألف ابن الصلاح كتابه هذا ولقد بين ابن الصلاح منهجه هذا في مقدمة الكتاب فقال:
" في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت، أفصح فيه إن شاء الله العظيم عن شروط المفتي وأوصافه وأحكامه، وعن صفة المستفتي وأحكامه، وعن كيفية الفتوى والاستفتاء، وآدابهما جامعًا فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الروايا، وخفايا الزوايا، ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء، ويرفع من قدرها من كثرت مطالعته من الفهماء، ويبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن حضيض الضعفاء مقدمًا: بيان شرف مرتبة الفتوى وخطرها، والتنبيه على آفاتها وعظيم غدرها "٢، ونظرة سريعة على
_________________
(١) ١ أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان: ١٣٠. ٢ أداب المفتي والمستفتي: ٧٠.
[ ٣٣ ]
فهرست المواضيع تعطي للقارئ الكريم فكرة عن الكتاب ومباحثه.
ويلحظ القارئ في منهج ابن الصلاح رحمه الله تعالى أنه حاول أن يجمع بين أسلوب المحدثين والفقهاء في كتابه هذا وليس هذا بالمستغرب عن ابن الصلاح فهو محدث كبير وإمام حافظ، فهو صاحب "المقدمة" في علوم الحديث، و"صيانة صحيح مسلم" وهو فقيه كبير من الفقهاء.
ومحاولة ابن الصلاح في الجمع بين الأسلوب الحديثي والفقهي تجلت بوضوح في فصل "بيان شرف حرمة الفتوى وخطرها وغررها"، إذ نقل الأقوال بالسند، وأفاد في هذا الفصل من المحدثين الذين سبقوه في الكتابة عن "المفتي والمستفتي"، كالخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه"، وابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"، فإن الخطيب البغدادي، وابن عبد البر لم يسهبا بذكر أقوال الفقهاء والأصوليين في كتبايهما، وإنما كانا يذكران المسألة التي يريدان الحديث عنها، ثم يبرهنان على صوابها بما ورد عن الرسول ﷺ، أو عن الصحابة أو التابعين، أو الأئمة المعتبرين. وغالب روايتهم بالإسناد فتابعهم ابن الصلاح في هذا الفصل واقتبس الكثير منهم حتى يكاد معظم هذا الفصل يكون مقتبسًا من كتابي "الفقيه والمتفقه" و"جامع بيان العلم وفضله".
ومن الأسلوب الحديثي الذي اتبعه ضبطه لألفاظ الروايات التي يذكرها. ومن هذه الروايات الرواية التي ذكرها في "المسألة السادسة عشرة" عن أبي بكر محمد بن داود الأصبهاني الظاهري في المسألة التي سألته فيها امرأة: "ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها، فقد جاء في الرواية "أبو العباس الخضري" و"تؤمر بالصبر" و"يبعث على التطلب". وهذه الأسماء والكلمات التصحيف فيها وارد لذا نرى ابن الصلاح رحمه الله تعالى يقول في آخر الرواية:
"قلت: التصحيف شين فاعلم: أن أبا العباس الخضري: هذا هو بخاء معجمة مضمومة، وبضاد معجمة مفتوحة.
[ ٣٤ ]
وقوله: تؤمر بالصبر: في أوله التاء للمؤنث.
وقوله: يبعث على التطلب: في أوله الياء التي هي للمذكر"١، بل أحيانًا يشرح المعنى اللغوي كما هو الحال في الرواية السابقة إذ قال: "وقولها: لا هو ممسكها: أي ليس ينفق عليها"٢. وقوله في الرواية التي يرويها بسنده عن أبي سعيد الشحام التي رأى سهلا الصعلوكي في المنام فسأله عن حاله فقال له: "غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز". قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى:
العجز: بضم العين والجيم، العجائز٣.
وأما أسلوبه الفقهي فواضح جلي بكثرة اقتباساته من المصادر الفقهية والأصولية، وذكره لآراء الأئمة الفقهاء في المسائل التي يتطرق إليها، كما يذكر الاختلافات في بعض المسائل ويرجح بين الأقوال في أغلب الأحيان.
ومذهب ابن الصلاح رحمه الله تعالى هو المذهب الشافعي لذا نراه لا يخرج عن هذا المذهب في الآراء التي يذكرها. بل إنه يفضل هذا المذهب على غيره من المذاهب، ويبرز ذلك بقوله: "ولما كان الشافعي قد تأخر عن هؤلاء الأئمة ونظر في مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم، فسبرها وخبرها وانتقدها، واختار أرجحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل، مع كمال آلته وبراعته في العلوم، وترجحه في ذلك على من سبقه، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد، وهذا مع ما فيه من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد الأئمة جلي واضح، إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به"٤.
وابن الصلاح رحمه الله تعالى لم يكتف بتفصيل مذهب الشافعي ﵀
_________________
(١) ١ "أدب المفتي": ١٣٣. ٢ "أدب المفتي": ١٣٣. ٣ "أدب المفتي": ١٣٦. ٤ "أدب المفتي": "١٦٣-١٦٤".
[ ٣٥ ]
تعالى على غيره من المذاهب بل نراه يميل إلى إغلاق باب الاجتهاد المطلق. فيقول: "وقد ذكر بعض الأصوليين منا: أنه لم يوجد بعض عصر الشافعي مجتهد مستقل.
وحكى اختلافًا بين أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في أبي يوسف ومحمد، والمزني، وابن سريج خاصًا، هل كانوا من المجتهدين المستقلين، أو من المجتهدين في المذاهب؟ "١.
وقال أيضًا: " ومنذ دهر طويل طوى بساط المفتي المستقل المطلق، والمجتهد المستقل، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة "٢.
_________________
(١) ١ "أدب المفتي": "٩٣-٩٤". ٢ "أدب المفتي": ٩١.
[ ٣٦ ]