قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن النَّاس تكلمُوا فِي معنى النّسخ لُغَة فَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن النَّقْل من قَول الْقَائِل نسخت الْكتاب إِذا نَقله من مَوضِع إِلَى مَوضِع
وَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن الْإِبْطَال من قَوْلهم نسخت الشَّمْس الظل أَي أبطلته
وَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن الْإِزَالَة من قَوْلهم نسخت الرِّيَاح الْآثَار أَي أزالتها
وكل ذَلِك مجَاز لَا حَقِيقَة فَإِن حَقِيقَة النَّقْل أَن تحول عين الشَّيْء من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر وَنسخ الْكتاب لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة إِذْ لَا يتَصَوَّر نقل عين الْمَكْتُوب من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر وَإِنَّمَا يتَصَوَّر إِثْبَات مثله فِي الْمحل الآخر
وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْكَام فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر نقل الحكم الَّذِي هُوَ مَنْسُوخ إِلَى ناسخه وَإِنَّمَا المُرَاد إِثْبَات مثله مَشْرُوعا فِي الْمُسْتَقْبل أَو نقل المتعبد من الحكم الأول إِلَى الحكم الثَّانِي
وَكَذَلِكَ معنى الْإِزَالَة فَإِن إِزَالَة الْحجر عَن مَكَانَهُ لَا يعْدم عينه وَلَكِن عينه بَاقٍ فِي الْمَكَان الثَّانِي وَبعد النّسخ لَا يبْقى الحكم الأول وَلَو كَانَ حَقِيقَة النّسخ الْإِزَالَة لَكَانَ يُطلق هَذَا
[ ٢ / ٥٣ ]
الِاسْم على كل مَا تُوجد فِيهِ الْإِزَالَة وَأحد لَا يَقُول بذلك
وَكَذَلِكَ لفظ الْإِبْطَال فَإِن بِالنَّصِّ لَا تبطل الْآيَة وَكَيف تكون حَقِيقَة النّسخ الْإِبْطَال وَقد أطلق الله تَعَالَى ذَلِك فِي الْإِثْبَات بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَعرفنَا أَن الِاسْم شَرْعِي عَرفْنَاهُ بقوله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وأوجه مَا قيل فِيهِ إِنَّه عبارَة عَن التبديل من قَول الْقَائِل نسخت الرسوم أَي بدلت برسوم أخر
وَقد استبعد هَذَا الْمَعْنى بعض من صنف فِي هَذَا الْبَاب من مَشَايِخنَا وَقَالَ فِي إِطْلَاق لفظ التبديل إِشَارَة إِلَى أَنه رفع الحكم الْمَنْسُوخ وَإِقَامَة النَّاسِخ مقَامه وَفِي ذَلِك إِيهَام البداء وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك
قَالَ ﵁ وَعِنْدِي أَن هَذَا سَهْو مِنْهُ وَعبارَة التبديل مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وَإِذا كَانَ اسْم النّسخ شَرْعِيًّا مَعْلُوما بِالنَّصِّ فَجعله عبارَة عَمَّا يكون مَعْلُوما بِالنَّصِّ أَيْضا يكون أولى الْوُجُوه
ثمَّ هُوَ فِي حق الشَّارِع بَيَان مَحْض فَإِن الله تَعَالَى عَالم بحقائق الْأُمُور لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة ثمَّ إِطْلَاق الْأَمر بِشَيْء يوهمنا بَقَاء ذَلِك على التَّأْبِيد من غير أَن نقطع القَوْل بِهِ فِي زمن من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَكَانَ النّسخ بَيَانا لمُدَّة الحكم الْمَنْسُوخ فِي حق الشَّارِع وتبديلا لذَلِك الحكم بِحكم آخر فِي حَقنا على مَا كَانَ مَعْلُوما عندنَا لَو لم ينزل النَّاسِخ بِمَنْزِلَة الْقَتْل فَإِنَّهُ انْتِهَاء الْأَجَل فِي حق من هُوَ عَالم بعواقب الْأُمُور
لِأَن الْمَقْتُول ميت بأجله بِلَا شُبْهَة وَلَكِن فِي حق الْقَاتِل جعل فعله جِنَايَة على معنى أَنه يعْتَبر فِي حَقه حَتَّى يسْتَوْجب بِهِ الْقصاص وَإِن كَانَ ذَلِك موتا بالأجل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَمن فهم معنى التبديل بِهَذِهِ الصّفة عرف أَنه لَيْسَ فِيهِ من إِيهَام البداء شَيْء
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد الْمُسلمين أَن النّسخ جَائِز فِي الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي يجوز أَن يكون ثَابتا وَيجوز أَن لَا يكون على مَا نبينه فِي فصل مَحل النّسخ وعَلى قَول الْيَهُود النّسخ لَا يجوز أصلا
وهم فِي ذَلِك فريقان فريق مِنْهُم يَأْبَى النّسخ عقلا وفريق يَأْبَى جَوَازه سمعا وتوقيفا
وَقد قَالَ بعض من لَا يعْتد بقوله من الْمُسلمين إِنَّه لَا يجوز النّسخ أَيْضا وَرُبمَا قَالُوا لم يرد النّسخ فِي شَيْء أصلا
وَلَا وَجه لِلْقَوْلِ الأول إِذا كَانَ الْقَائِل مِمَّن يعْتَقد الْإِسْلَام فَإِن شَرِيعَة هَذَا القَوْل مِنْهُ مَعَ اعْتِقَاده لهَذِهِ الشَّرِيعَة
وَالثَّانِي بَاطِل نصا فَإِن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت﴾ مُحَمَّد ﷺ ناسخة لما قبلهَا
[ ٢ / ٥٤ ]
من الشَّرَائِع فَكيف يتَحَقَّق ﴿بِخَير مِنْهَا﴾ وَقَوله ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ نَص قَاطع على جَوَاز النّسخ وانتساخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بفرضية التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة أَمر ظَاهر لَا يُنكره عَاقل فَقَوْل من يَقُول لم يُوجد بَاطِل من هَذَا الْوَجْه
فَأَما من قَالَ من الْيَهُود إِنَّه لَا يجوز بطرِيق التَّوْقِيف اسْتدلَّ بِمَا يرْوى عَن مُوسَى ﷺ أَنه قَالَ تمسكوا بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَزَعَمُوا أَن هَذَا مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة عِنْدهم وَقَالُوا قد ثَبت عندنَا بِالطَّرِيقِ الْمُوجب للْعلم وَهُوَ خبر التَّوَاتُر عَن مُوسَى ﷺ أَنه قَالَ إِن شريعتي لَا تنسخ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنْتُم أَن ذَلِك ثَبت عنْدكُمْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر عَمَّن تَزْعُمُونَ أَنه رَسُول الله ﷺ
وَبِهَذَا الطَّرِيق طعنوا فِي رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ وَقَالُوا من أجل الْعَمَل فِي السبت لَا يجوز تَصْدِيقه وَلَا يجوز أَن يَأْتِي بمعجزة تدل على صدقه
وَمن أنكر مِنْهُم ذَلِك عقلا قَالَ الْأَمر بالشَّيْء دَلِيل على حسن الْمَأْمُور بِهِ وَالنَّهْي عَن الشَّيْء دَلِيل على قبح الْمنْهِي عَنهُ وَالشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون حسنا وقبيحا فَالْقَوْل بِجَوَاز النّسخ قَول بِجَوَاز البداء وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَصَوَّر مِمَّن يجهل عواقب الْأُمُور وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك يُوضحهُ أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي التَّأْبِيد فِي الحكم وَكَذَلِكَ مُطلق النَّهْي وَلِهَذَا حسن منا اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِيهِ فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح بالتأبيد وَلَو ورد نَص بِأَن الْعَمَل فِي السبت حرَام عَلَيْكُم أبدا لم يجز نسخه بعد ذَلِك بِحَال فَكَذَلِك إِذا ثَبت التَّأْبِيد بِمُقْتَضى مُطلق الْأَمر إِذْ لَو كَانَ ذَلِك موقتا كَمَا قُلْتُمْ لَكَانَ تَمام الْبَيَان فِيهِ بالتنصيص على التَّوْقِيت فَمَا كَانَ يحسن إِطْلَاقه عَن ذكر التَّوْقِيت وَفِي ذَلِك إِيهَام الْخلَل فِيمَا بَينه الله تَعَالَى فَلَا يجوز القَوْل بِهِ أصلا
وَحجَّتنَا فِيهِ من طَرِيق التَّوْقِيف اتِّفَاق الْكل على أَن جَوَاز النِّكَاح بَين الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات قد كَانَ فِي شَرِيعَة آدم ﵊ وَبِه حصل الْمَرْء قد كَانَ فِي شَرِيعَته فَإِن حَوَّاء ﵂ خلقت مِنْهُ وَكَانَ يسْتَمْتع بهَا ثمَّ انتسخ ذَلِك الحكم حَتَّى لَا يجوز لأحد أَن يسْتَمْتع بِمن هُوَ بعض مِنْهُ بِالنِّكَاحِ نَحْو ابْنَته وَلِأَن الْيَهُود مقرون بِأَن يَعْقُوب ﵇ حرم شَيْئا من المطعومات على نَفسه وَأَن ذَلِك صَار حَرَامًا عَلَيْهِم كَمَا أخبرنَا الله تَعَالَى بِهِ فِي قَوْله ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا﴾ مَا التناسل
[ ٢ / ٥٥ ]
وَقد انتسخ ذَلِك بعده وَكَذَلِكَ جَوَاز الِاسْتِمْتَاع بِمن هُوَ بعض من ﴿حرم إِسْرَائِيل على نَفسه﴾ الْآيَة والنسخ لَيْسَ إِلَّا تَحْرِيم الْمُبَاح أَو إِبَاحَة الْحَرَام وَكَذَلِكَ الْعَمَل فِي السبت كَانَ مُبَاحا قبل زمن مُوسَى ﵇ فَإِنَّهُم يوافقوننا على أَن حُرْمَة الْعَمَل فِي السبت من شَرِيعَة مُوسَى وَإِنَّمَا يكون من شَرِيعَته إِذا كَانَ ثُبُوته بنزول الْوَحْي عَلَيْهِ فَأَما إِذا كَانَ ذَلِك قبل شَرِيعَته على هَذَا الْوَجْه أَيْضا فَلَا فَائِدَة فِي تَخْصِيصه أَنه شَرِيعَته فَإِذا جَازَ ثُبُوت الْحُرْمَة فِي شَرِيعَته بعد مَا كَانَ مُبَاحا جَازَ ثُبُوت الْحل فِي شَرِيعَة نَبِي آخر قَامَت الدّلَالَة على صِحَة نبوته
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن النّسخ فِي المشروعات الَّتِي يجوز أَن تكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا تكون وَمَعْلُوم أَن هَذِه المشروعات شرعها الله تَعَالَى على سَبِيل الِابْتِلَاء لِعِبَادِهِ حَتَّى يُمَيّز الْمُطِيع من العَاصِي
وَمعنى الِابْتِلَاء يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس وباختلاف الْأَوْقَات فَإِن فِي هَذَا الِابْتِلَاء حِكْمَة بَالِغَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا مَنْفَعَة للعباد فِي ذَلِك عَاجلا أَو آجلا لِأَن الله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ المضار وَالْمَنَافِع وَمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ أصلا يكون عَبَثا ضدا للحكمة ثمَّ قد تكون الْمَنْفَعَة فِي إِثْبَات شَيْء فِي وَقت وَفِي نَفْيه فِي وَقت آخر كإيجاب الصَّوْم فِي النَّهَار إِلَى غرُوب الشَّمْس أَو طُلُوع النُّجُوم كَمَا هُوَ مَذْهَبهم وَنفي الصَّوْم بعد ذَلِك وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس كوجوب اعتزال الْمَرْأَة فِي حَالَة الْحيض وَانْتِفَاء ذَلِك بَعْدَمَا طهرت أَلا ترى أَنه لَو نَص على ذكر الْوَقْت فِيهِ بِأَن قَالَ حرمت عَلَيْكُم الْعَمَل فِي السبت ألف سنة ثمَّ هُوَ مُبَاح بعد ذَلِك كَانَ مُسْتَقِيمًا وَكَانَ معنى الِابْتِلَاء فِيهِ متحققا وَلم يكن فِيهِ من معنى البداء شَيْء فَكَذَلِك عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ فِي التَّحْرِيم
حِين شَرعه لَا يكون فِيهِ من معنى البداء شَيْء بل يكون امتحانا للمخاطبين فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ بِمَنْزِلَة تَبْدِيل الصِّحَّة بِالْمرضِ وَالْمَرَض بِالصِّحَّةِ وتبديل الْغنى بالفقر والفقر بالغنى فَإِن ذَلِك ابتلاء بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا إِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِيمَا أنزلهُ على نَبينَا ﷺ وَقَالَ ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه﴾ وَالثَّانِي أَن ثمَّ النّسخ بعد ذَلِك إِذا انْتَهَت مُدَّة التَّحْرِيم الَّذِي كَانَ مَعْلُوما عِنْد
[ ٢ / ٥٦ ]
الشَّارِع النّسخ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَذَلِكَ غيب عَنَّا لَو بَينه لنا فِي وَقت الْأَمر كَانَ حسنا لَا يشوبه من معنى الْقبْح شَيْء فَكَذَلِك إِذا بَينه بعد ذَلِك بالنسخ
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون فِيمَا يجوز أَن يكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا يكون مَشْرُوعا وَمَعَ الشَّرْع مُطلقًا يحْتَمل أَن يكون موقتا وَيحْتَمل أَن يكون مُؤَبَّدًا احْتِمَالا على السوَاء لِأَن الْأَمر يَقْتَضِي كَونه مَشْرُوعا من غير أَن يكون مُوجبا بَقَاءَهُ مَشْرُوعا وَإِنَّمَا الْبَقَاء بعد الثُّبُوت بِدَلِيل آخر سبق أَو بِعَدَمِ الدَّلِيل المزيل فَأَما أَن يكون ذَلِك وَاجِبا بِالْأَمر فَلَا لِأَن إحْيَاء الشَّرِيعَة بِالْأَمر بِهِ كإحياء الشَّخْص وَذَلِكَ لَا يُوجب بَقَاءَهُ وَإِنَّمَا يُوجب وجوده ثمَّ الْبَقَاء بعد ذَلِك بإبقاء الله تَعَالَى إِيَّاه أَو بانعدام سَبَب الفناء فَكَمَا أَن الإماتة بعد الْإِحْيَاء لَا يكون فِيهِ شَيْء من معنى الْقبْح وَلَا يكون دَلِيل البداء وَالْجهل بعواقب الْأُمُور بل يكون ذَلِك بَيَانا لمُدَّة بَقَاء الْحَيَاة الَّذِي كَانَ مَعْلُوما عِنْد الْخَالِق حِين خلقه وَإِن كَانَ ذَلِك غيبا عَنَّا فَكَذَلِك النّسخ فِي حكم الشَّرْع
فَإِن قيل فعلى هَذَا بَقَاء الحكم قبل أَن يظْهر ناسخه لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ لِأَنَّهُ مَا لم يكن هُنَاكَ دَلِيل مُوجب لَهُ لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا دَلِيل سوى الْأَمر بِهِ
قُلْنَا أما فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ فَكَذَلِك نقُول بَقَاءَهُ بعد الْأَمر إِنَّمَا يكون باستصحاب الْحَال لجَوَاز نزُول الْوَحْي بِمَا ينسخه وَيبين بِهِ مُدَّة بَقَائِهِ إِلَّا أَن الْوَاجِب علينا التَّمَسُّك بِمَا ظهر عندنَا لَا بِمَا هُوَ غيب عَنَّا فَمَا لم تظهر لنا مُدَّة الْبَقَاء بنزول النَّاسِخ يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ وَكَذَلِكَ بعد نزُول النَّاسِخ قبل أَن يعلم الْمُخَاطب بِهِ
وَهُوَ نَظِير حَيَاة الْمَفْقُود بَعْدَمَا غَابَ عَنَّا فَإِنَّهُ يكون ثَابتا باستصحاب الْحَال لَا بِدَلِيل مُوجب لبَقَائه حَيا وَلَكنَّا نجعله فِي حكم الْأَحْيَاء بِنَاء على مَا ظهر لنا حَتَّى يتَبَيَّن انْتِهَاء مُدَّة حَيَاته بِظُهُور مَوته فَأَما بعد وَفَاة الرَّسُول ﵇
[ ٢ / ٥٧ ]
فَلم يبْق احْتِمَال النّسخ وَصَارَ الْبَقَاء ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ أَن النّسخ لَا يكون إِلَّا على لِسَان من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَلَا توهم لذَلِك بَعْدَمَا قبض رَسُول الله ﷺ
فَإِن قيل فعلى هَذَا لَا يكون النّسخ فِي أصل الْأَمر لِأَن الحكم الثَّابِت بِالْأَمر غير الْأَمر فببيان مدَّته لَا يثبت تَبْدِيل الْأَمر بِالنَّهْي
قُلْنَا وَهَكَذَا نقُول فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي النّسخ تعرض لِلْأَمْرِ بِوَجْه من الْوُجُوه بل للْحكم الثَّابِت بِهِ ظَاهرا بِنَاء على مَا هُوَ مَعْلُوم لنا فَإِنَّهُ كَانَ يجوز الْبَقَاء بعد هَذِه الْمدَّة بِاعْتِبَار الْإِطْلَاق الَّذِي كَانَ عندنَا
فَأَما فِي حق الشَّارِع فَهُوَ بَيَان مُدَّة الحكم كَمَا كَانَ مَعْلُوما لَهُ حَقِيقَة وَلَا يتَحَقَّق مِنْهُ توهم التَّعَرُّض لِلْأَمْرِ وَلَا لحكمه كالإماتة بعد الْإِحْيَاء فَإِنَّهُ بَيَان الْمدَّة من غير أَن يكون فِيهِ تعرض لأصل الْإِحْيَاء وَلَا لما يبتنى عَلَيْهِ من مُدَّة الْبَقَاء فاعتبار مَا هُوَ ظَاهر لنا يكون فِيهِ تَبْدِيل صفة الْحَيَاة بِصفة الْوَفَاة وَإِنَّمَا تتَحَقَّق الْمُنَافَاة بَين الْقبْح وَالْحسن فِي مَحل وَاحِد فِي وَقت وَاحِد فَأَما فِي وَقْتَيْنِ ومحلين فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك أَلا ترى أَنه لَا يتَوَجَّه الْخطاب على من لَا يعقل من صبي أَو مَجْنُون ثمَّ يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْخطاب بَعْدَمَا عقل وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا حسنا لاخْتِلَاف الْوَقْت أَو لاخْتِلَاف الْمحل
وَهَذَا لِأَن أحوالنا تتبدل فَيكون النّسخ تبديلا بِنَاء على مَا يتبدل من أحوالنا من الْعلم مُدَّة الْبَقَاء وَالْجهل بِهِ لَا يكون مُؤديا إِلَى الْجمع بَين صفة الْقبْح وَالْحسن وَالله يتعالى عَن ذَلِك فَكَانَ فِي حَقه بَيَانا مَحْضا لمُدَّة بَقَاء الْمَشْرُوع بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهِ حِين شَرعه
وَمَا استدلوا بِهِ من السّمع لَا يكَاد يَصح عندنَا بَعْدَمَا ثَبت رِسَالَة رسل بعد مُوسَى ﵇ بِالْآيَاتِ المعجزة والدلائل القاطعة
ودعواهم أَن ذَلِك فِي التَّوْرَاة غير مسموعة مِنْهُم لِأَنَّهُ ثَبت عندنَا على لِسَان من ثبتَتْ رسَالَته أَنهم حرفوا التَّوْرَاة وَزَادُوا فِيهَا ونقصوا وَلِأَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يثبت إِلَّا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي التَّوْرَاة بَعْدَمَا فعل بخْتنصر ببني إِسْرَائِيل مَا فعل من الْقَتْل الذريع وإحراق أسفار التَّوْرَاة
وَفِي الْمَسْأَلَة كَلَام كثير بَين أهل الْأُصُول وَلَكنَّا اقتصرنا هُنَا على قدر مَا يتَّصل بأصول الْفِقْه وَالْمَقْصُود من بَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَا مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من أصُول الْفِقْه وَالله الْمُوفق للإتمام
[ ٢ / ٥٨ ]