قَالَ ﵁ الْعِلَل نَوْعَانِ طردية ومؤثرة
والاعتراض على كل نوع من وَجْهَيْن فَاسد وصحيح
فالاعتراضات الْفَاسِدَة على الْعِلَل المؤثرة أَرْبَعَة المناقضة وَفَسَاد الْوَضع وَوُجُود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة والمفارقة بَين
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الأَصْل وَالْفرع
والصحيحة أَرْبَعَة الممانعة ثمَّ الْقلب الْمُبْطل ثمَّ الْعَكْس الكاسر ثمَّ الْمُعَارضَة بعلة أُخْرَى
فَأَما المناقضة فَإِنَّهَا لَا ترد على الْعِلَل المؤثرة لِأَن التَّأْثِير لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِدَلِيل الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع
وَهَذِه الْأَدِلَّة لَا تتناقض فَإِن أَحْكَام الشَّرْع عَلَيْهَا تَدور وَلَا تنَاقض فِي أَحْكَام الشَّرْع وَقد بَينا أَنه لَا تُوجد الْعلَّة بِدُونِ الحكم على الْوَجْه الَّذِي ظهر أَثَرهَا فِي الحكم بل لَا بُد أَن يَنْعَدِم الحكم لتغير وصف بِنُقْصَان أَو زِيَادَة وَبِه تتبدل الْعلَّة فتنعدم الْعلَّة المؤثرة الَّتِي أثبت الْمُعَلل الحكم بهَا وانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون دَلِيل انْتِقَاض الْعلَّة
وَهُوَ نَظِير الشَّاهِد فَإِنَّهُ مَعَ استجماع شَرَائِط الْأَدَاء إِذا ترك لَفْظَة الشَّهَادَة أَو زَاد عَلَيْهَا فَقَالَ فِيمَا أعلم فَإِنَّهُ لَا يجوز الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار انعدام الْعلَّة الْمُوجبَة للْعَمَل بِشَهَادَتِهِ معنى
وَبَيَان هَذَا أَنا إِذا عللنا فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه مسح مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة فَلَا يستن تثليثه كالمسح بالخف لَا يدْخل الِاسْتِنْجَاء بالأحجار نقضا لِأَن الْمسْح هُنَاكَ غير مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة إِنَّمَا الْمَشْرُوع إِزَالَة النَّجَاسَة العينية حَتَّى لَو تصور خُرُوج الْحَدث من غير أَن يَتَنَجَّس شَيْء مِمَّا هُوَ طَاهِر لم يجب الْمسْح أصلا وَإِزَالَة النَّجَاسَة غير الْمسْح وَهُوَ لَا يحصل بالمرة إِلَّا نَادرا فَعرفنَا أَن انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة
وَأما فَسَاد الْوَضع فَهُوَ اعْتِرَاض فَاسد على الْعلَّة المؤثرة لِأَنَّهُ دَعْوَى لَا يُمكن تصحيحها فَإِن تَأْثِير الْعلَّة إِنَّمَا يثبت بِدَلِيل مُوجب للْحكم كَمَا بَينا وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز دَعْوَى فَسَاد الْوَضع فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَأما وجود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة فَإِن الحكم يجوز أَن يكون ثَابتا بعلة أُخْرَى لِأَن ثُبُوته بعلة لَا يُنَافِي كَونه ثَابتا بعلة أُخْرَى أَلا ترى أَن الحكم يجوز أَن يثبت بِشَهَادَة الشَّاهِدين وَيجوز أَن يثبت بِشَهَادَة أَرْبَعَة حَتَّى إِذا رَجَعَ اثْنَان قبل الْقَضَاء يبْقى الْقَضَاء وَاجِبا بِشَهَادَة الباقيين
وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون الأَصْل معلولا بعلتين يتَعَدَّى الحكم بِإِحْدَاهُمَا إِلَى فروع
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وبالأخرى إِلَى فروع أخر فَلَا يكون انعدام الْعلَّة مَعَ بَقَاء الحكم فِي مَوضِع ثَابتا بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى دَلِيل فَسَاد الْعلَّة
فَأَما الْمُفَارقَة فَمن النَّاس من ظن أَنَّهَا مفاقهة ولعمري الْمُفَارقَة مفاقهة وَلَكِن فِي غير هَذَا الْموضع فَأَما على وَجه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل المؤثرة تكون مجادلة لَا فَائِدَة فِيهَا فِي مَوضِع النزاع
وَبَيَان هَذَا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن شَرط صِحَة الْقيَاس لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع تَعْلِيل الأَصْل بِبَعْض أَوْصَافه لَا بِجَمِيعِ أَوْصَافه وَقد بَينا أَنه مَتى كَانَ التَّعْلِيل بِجَمِيعِ أَوْصَاف الأَصْل لَا يكون مقايسة فبيان الْمُفَارقَة بَين الأَصْل وَالْفرع بِذكر وصف آخر لَا يُوجد ذَلِك فِي الْفَرْع وَيرجع إِلَى بَيَان صِحَة المقايسة فَأَما أَن يكون ذَلِك اعتراضا على الْعلَّة فَلَا
ثمَّ ذكر وصف آخر فِي الأَصْل يكون ابْتِدَاء دَعْوَى والسائل جَاهِل مسترشد فِي موقف الْمُنكر إِلَى أَن تتبين لَهُ الْحجَّة لَا فِي مَوضِع الدَّعْوَى وَإِن اشْتغل بِإِثْبَات دَعْوَاهُ فَذَلِك لَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ مفروغ عَنهُ وَلَا يتَّصل مَا يُثبتهُ بالفرع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه يَنْعَدِم ذَلِك الْمَعْنى فِي الْفَرْع وبالعدم لَا يثبت الِاتِّصَال وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا فَكَانَ هَذَا مِنْهُ اشتغالا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ
وَالثَّالِث مَا بَينا أَن الحكم فِي الأَصْل يجوز أَن يكون معلولا بعلتين ثمَّ يتَعَدَّى الحكم إِلَى بعض الْفُرُوع بِإِحْدَى العلتين دون الْأُخْرَى فَبَان انعدام فِي الْفَرْع الْوَصْف الَّذِي يروم بِهِ السَّائِل الْفرق وَإِن سلم لَهُ أَنه عِلّة لإِثْبَات الحكم فِي الأَصْل فَذَلِك لَا يمْنَع الْمُجيب من أَن يعدي حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدعِيهِ أَنه عِلّة للْحكم وَمَا لَا يكون قدحا فِي كَلَام الْمُجيب فاشتغال السَّائِل بِهِ يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَإِنَّمَا المفاقهة فِي الممانعة حَتَّى يبين الْمُجيب تَأْثِير علته فالفقه حِكْمَة باطنة وَمَا يكون مؤثرا فِي إِثْبَات الحكم شرعا فَهُوَ الْحِكْمَة الْبَاطِنَة والمطالبة بِهِ تكون مفاقهة
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فَأَما الْإِعْرَاض عَنهُ والاشتغال بِالْفرقِ يكون قبولا لما فِيهِ احْتِمَال أَن لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم واشتغالا بِإِثْبَات الحكم بِمَا لَيْسَ بِحجَّة أصلا فِي مَوضِع النزاع وَهُوَ عدم الْعلَّة فَتبين أَن هَذَا لَيْسَ من المفاقهة فِي شَيْء وَالله أعلم