وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاحْتِجَاج بالاطراد على صِحَة الْعلَّة إِمَّا وجودا أَو وجودا وعدما فَإِنَّهُ احتجاج بِلَا دَلِيل فِي الْحَقِيقَة وَمن حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ احتجاج بِكَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وَقد بَينا أَن كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وتكرارها من الشَّاهِد لَا يكون دَلِيل صِحَة شَهَادَته ثمَّ الاطراد عبارَة عَن سَلامَة الْوَصْف عَن النقوض والعوارض والناظر وَإِن بَالغ فِي الإجتهاد بِالْعرضِ على الْأُصُول الْمَعْلُومَة عِنْده فالخصم لَا يعجز من أَن يَقُول عِنْدِي أصل آخر هُوَ مُنَاقض لهَذَا الْوَصْف أَو معَارض فجهلك بِهِ لَا يكون حجَّة لَك على فَتبين من هَذَا الْوَجْه أَنه احتجاج بِلَا دَلِيل وَلكنه فَوق من تقدم فِي الإحتجاج بِهِ من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن من حَيْثُ الظَّاهِر الْوَصْف صَالح وَيحْتَمل أَن يكون حجَّة للْحكم إِذا ظهر أَثَره عِنْد التَّأَمُّل وَلَكِن لكَونه فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْلَالا على صِحَّته بِعَدَمِ النقوض والعوارض لم يصلح أَن يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن النُّصُوص بعد ثُبُوتهَا يجب الْعَمَل بهَا وَاحْتِمَال وُرُود النَّاسِخ لَا يُمكن شُبْهَة فِي الإحتجاج بهَا قبل أَن يظْهر النَّاسِخ فَكَذَلِك مَا تقدم قُلْنَا أما بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي كل نَص كَانَ حكمه ثَابتا عِنْد وَفَاته فَأَما فِي حَال حَيَاته فَهَكَذَا نقُول إِن الِاحْتِجَاج لَا يكون صَحِيحا لِأَن احْتِمَال بَقَاء الحكم وَاحْتِمَال قيام دَلِيل النّسخ فِيهِ كَانَ بِصفة وَاحِدَة وَقد قَررنَا هَذَا فِي بَاب النّسخ
[ ١ / ٢٢٧ ]
مَبِيعًا وَالْمَبِيع الدّين لَا يكون إِلَّا سلما وعَلى هَذَا لَو قَالَ لعَبْدِهِ إِن أَخْبَرتنِي بقدوم فلَان فَأَنت حر فَهَذَا على الْخَبَر الْحق الَّذِي يكون بعد الْقدوم لِأَن مفعول الْخَبَر مَحْذُوف هُنَا وَقد دلّ عَلَيْهِ حرف الْبَاء الَّذِي هُوَ للإلصاق كَقَوْل الْقَائِل بِسم الله أَي بدأت بِسم الله فَيكون معنى كَلَامه إِن أَخْبَرتنِي خَبرا مُلْصقًا بقدوم فلَان والقدوم اسْم لفعل مَوْجُود فَلَا يتَنَاوَل الْخَبَر بِالْبَاطِلِ
وَلَو قَالَ إِن أَخْبَرتنِي أَن فلَانا قد قدم فَهَذَا على الْخَبَر حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا لِأَنَّهُ لما لم يذكر حرف الْبَاء فالمذكور صَالح لِأَن يكون مفعول الْخَبَر وَأَن وَمَا بعده مصدر وَالْخَبَر إِنَّمَا يكون بِكَلَام لَا يفعل فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن أَخْبَرتنِي بِخَبَر قدوم فلَان وَالْخَبَر اسْم لكَلَام يدل على الْقدوم وَلَا يُوجد عِنْده الْقدوم لَا محَالة
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ أَنْت طَالِق بِمَشِيئَة الله أَو بإرادته أَو بِحكمِهِ لم تطلق وَكَذَلِكَ سَائِر أخواتها لِأَن الْبَاء للإلصاق فَيكون دَلِيلا على معنى الشَّرْط مفضيا إِلَيْهِ
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا بإذني تحْتَاج إِلَى الْإِذْن فِي كل مرّة لِأَن الْبَاء للإلصاق فَإِنَّمَا جعل الْمُسْتَثْنى خُرُوجًا مُلْصقًا بِالْإِذْنِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بتجديد الْإِذْن فِي كل مرّة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ أَي مأمورين بذلك
وَلَو قَالَ إِن خرجت إِلَّا أَن آذن لَك فَهَذَا على الْإِذْن مرّة (وَاحِدَة) لِأَنَّهُ يتَعَذَّر الْحمل هَهُنَا على الِاسْتِثْنَاء لمُخَالفَة الْجِنْس فِي صِيغَة الْكَلَام فَيحمل على معنى الْغَايَة مجَازًا لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يحاط بكم﴾
﴿إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم﴾ أَي حَتَّى
ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ إِن الْبَاء للتَّبْعِيض فَإِنَّمَا يلْزمه مسح بعض الرَّأْس وَذَلِكَ أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم
وَقَالَ مَالك الْبَاء صلَة للتَّأْكِيد بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿تنْبت بالدهن﴾ كَأَنَّهُ قَالَ وامسحوا رؤوسكم فَيلْزمهُ مسح جَمِيع الرَّأْس
وَقُلْنَا أما التَّبْعِيض فَلَا وَجه لَهُ لِأَن الْمَوْضُوع للتَّبْعِيض حرف من والتكرار والاشتراك لَا يثبت بِأَصْل الْوَضع وَلَا وَجه لحمله على الصِّلَة لما فِيهِ من معنى الإلغاء أَو الْحمل على غير فَائِدَة مَقْصُودَة
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَهِي التوكيد
وَلَكنَّا نقُول الْبَاء للإلصاق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع فَإِذا قرنت بِآلَة الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى مَحل الْمسْح فَيتَنَاوَل جَمِيعه كَمَا يَقُول الرجل مسحت الْحَائِط بيَدي ومسحت رَأس الْيَتِيم بيَدي فَيتَنَاوَل كُله وَإِذا قرنت بِمحل الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى الْآلَة فَلَا تَقْتَضِي الِاسْتِيعَاب وَإِنَّمَا تَقْتَضِي إلصاق الْآلَة بِالْمحل وَذَلِكَ لَا يستوعب الْكل عَادَة ثمَّ أَكثر الْآلَة ينزل منزلَة الْكَمَال فيتأدى الْمسْح بإلصاق ثَلَاثَة أَصَابِع بِمحل الْمسْح وَمعنى التَّبْعِيض إِنَّمَا يثبت بِهَذَا الطَّرِيق لَا بِحرف الْبَاء
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن فِي التَّيَمُّم حكم الْمسْح ثَبت بقوله تَعَالَى ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ثمَّ الِاسْتِيعَاب فِيهِ شَرط قُلْنَا أما على رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵀ فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ الِاسْتِيعَاب لهَذَا الْمَعْنى وَأما على ظَاهر الرِّوَايَة فَإِنَّمَا عرفنَا الِاسْتِيعَاب هُنَاكَ إِمَّا بِإِشَارَة الْكتاب وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أَقَامَ التَّيَمُّم فِي هذَيْن العضوين مقَام الْغسْل عِنْد تعذر الْغسْل والاستيعاب فِي الْغسْل فرض بِالنَّصِّ فَكَذَلِك فِيمَا قَامَ مقَامه أَو عرفنَا ذَلِك بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله ﵇ لعمَّار ﵁ يَكْفِيك ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين
وَمن هَذَا الْفَصْل حُرُوف الْقسم وَالْأَصْل فِيهَا بِاعْتِبَار الْوَضع الْبَاء حَتَّى يَسْتَقِيم اسْتِعْمَالهَا مَعَ إِظْهَار الْفِعْل وَمَعَ إضماره فَإِن الْبَاء للإلصاق وَهِي تدل على مَحْذُوف كَمَا بَينا وَقَول الرجل بِاللَّه بِمَعْنى أقسم (أَو أَحْلف) بِاللَّه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا﴾ وَكَذَلِكَ يَسْتَقِيم وَصلهَا بِسَائِر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَبِغير الله إِذا حلف بِهِ مَعَ التَّصْرِيح بِالِاسْمِ أَو الْكِنَايَة عَنهُ بِأَن يَقُول بِأبي أَو بك لَأَفْعَلَنَّ أَو بِهِ لَأَفْعَلَنَّ فَيصح اسْتِعْمَاله فِي جَمِيع هَذِه الْوُجُوه لمقصود الْقسم بِاعْتِبَار أصل الْوَضع
ثمَّ قد تستعار الْوَاو مَكَان الْبَاء فِي صلَة الْقسم لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة صُورَة وَمعنى
أما الصُّورَة فَلِأَن خُرُوج كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْمخْرج الصَّحِيح بِضَم الشفتين وَأما الْمَعْنى فَلِأَن فِي الْعَطف إلصاق الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ وحرف الْبَاء للإلصاق إِلَّا أَن الْوَاو تسْتَعْمل فِي الْمُضمر (دون الْمظهر لَا يُقَال أَحْلف وَالله لِأَنَّهُ يشبه قسمَيْنِ
[ ١ / ٢٢٩ ]
لِأَن قَوْله وَالله وَحده قسم ظَاهرا وَكَذَا أَحْلف أَو أقسم بِخِلَاف قَوْله أَحْلف بِاللَّه فالباء لصلة الْفِعْل دون الْمُضمر لِأَن هَذَا الإستعمال لتوسعة صلَة الْقسم لَا لِمَعْنى الإلصاق فَلَو اسْتعْمل فيهمَا كَانَ مستعارا عَاما وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى الإستعارة لصلة الْقسم حَتَّى يشبه قسمَيْنِ وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل مَعَ الْكِنَايَة نَحْو الْكَاف وَالْهَاء وَمَعَ الأسم الصَّرِيح يسْتَعْمل فِي جَمِيع الْأَسْمَاء وَالصِّفَات نَحْو قَوْله والرحمن والرب
ثمَّ التَّاء تسْتَعْمل أَيْضا فِي صلَة الْقسم قَالَ تَعَالَى ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ وَهَذَا لما بَين حرف التَّاء وَالْوَاو من الْمُنَاسبَة فَإِنَّهُمَا من حُرُوف الزَّوَائِد فِي كَلَام الْعَرَب يُقَام أَحدهمَا مقَام الآخر فِي التراث مَعَ الوراث والتورية والوورية وَمَا أشبه ذَلِك وَلما كَانَ الْمَقْصُود بِهَذَا الإستعمال توسعة صلَة الْقسم لشدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك خَاصَّة كَانَ التَّاء أخص من الْوَاو لمَكَان أَن الْوَاو مستعار لَيْسَ بِأَصْل فِي صلَة الْقسم وَلِهَذَا يخْتَص باسم الله حَتَّى لَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول تالرحمن كَمَا يَسْتَقِيم والرحمن وَمَعَ حذف هَذِه الصلات يَسْتَقِيم الْقسم أَيْضا لاعْتِبَار معنى التَّخْفِيف والتوسعه حَتَّى إِذا قَالَ الله يكون يَمِينا وَلَكِن الْمَذْهَب عِنْد نحويى الْبَصْرَة الذّكر بِالنّصب وَعند نحويى الْكُوفَة بالخفض وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الْفُقَهَاء
وَمِمَّا هُوَ مَوْضُوع بِمَعْنى الْقسم قَوْله وأيم الله إِلَّا أَن الْمَذْهَب عِنْد نحويى الْكُوفَة أَن مَعْنَاهُ أَيمن وَهُوَ جمع يَمِين وَمِنْه قَول الْقَائِل: فَقَالَت يَمِين الله مَالك حِيلَة وَمَا إِن أرى عَنْك الغواية تنجلى