وَقد عمل قوم فِي النُّصُوص بِوُجُوه هِيَ فَاسِدَة عندنَا
فَمِنْهَا مَا قَالَ بَعضهم إِن التَّنْصِيص على الشَّيْء باسم الْعلم يُوجب التَّخْصِيص وَقطع الشّركَة بَين الْمَنْصُوص وَغَيره من جنسه فِي الحكم لِأَنَّهُ لَو لم يُوجب ذَلِك لم يظْهر للتخصيص فَائِدَة وحاشا أَن يكون شَيْء من كَلَام صَاحب الشَّرْع غير مُفِيد وأيد هَذَا قَوْله ﷺ المَاء من المَاء فالأنصار فَهموا التَّخْصِيص من ذَلِك حَتَّى استدلوا بِهِ على نفي وجوب الِاغْتِسَال بالإكسال وهم كَانُوا أهل اللِّسَان
وَهَذَا فَاسد عندنَا بِالْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم﴾ وَلَا يدل ذَلِك على إِبَاحَة الظُّلم فِي غير الْأَشْهر الْحرم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ ثمَّ لَا يدل ذَلِك على تَخْصِيص الِاسْتِثْنَاء بالغد دون غَيره من الْأَوْقَات فِي الْمُسْتَقْبل
وَقَالَ ﷺ لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَلَا يغتسلن فِيهِ من الْجَنَابَة ثمَّ لَا يدل ذَلِك على التَّخْصِيص بالجنابة دون غَيرهَا من أَسبَاب الِاغْتِسَال والأمثلة لهَذَا تكْثر
ثمَّ إِن عنوا بقَوْلهمْ إِن التَّخْصِيص يدل على قطع الْمُشَاركَة وَهُوَ أَن الحكم يثبت بِالنَّصِّ فِي الْمَنْصُوص خَاصَّة فأحد لَا يخالفهم فِي هَذَا فَإِن عندنَا فِيمَا هُوَ من جنس الْمَنْصُوص الحكم يثبت بعلة النَّص لَا بِعَيْنِه وَإِن عنوا أَن هَذَا التَّخْصِيص يُوجب نفي الحكم فِي غير الْمَنْصُوص فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ غير متناول لَهُ أصلا فَكيف يُوجب نفيا أَو إِثْبَاتًا للْحكم فِيمَا لم يتَنَاوَلهُ ثمَّ سِيَاق النَّص لإِيجَاب الحكم وَنفي الحكم ضِدّه فَلَا يجوز أَن يكون من وَاجِبَات نَص الْإِيجَاب وَلِأَن الْمَذْهَب عِنْد فُقَهَاء الْأَمْصَار جَوَاز تَعْلِيل النُّصُوص لتعدية الحكم بهَا إِلَى الْفُرُوع فَلَو كَانَ التَّخْصِيص مُوجبا نفي الحكم فِي غير الْمَنْصُوص لَكَانَ التَّعْلِيل بَاطِلا لِأَنَّهُ يكون ذَلِك قِيَاسا فِي مُقَابلَة النَّص وَمن لَا يجوز
[ ١ / ٢٥٥ ]
الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَإِنَّمَا لَا يجوزه لاحْتِمَال فِيهِ بَين أَن يكون صَوَابا أَو خطأ لَا لنَصّ يمْنَع مِنْهُ بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِخَبَرِهِ لضعف فِي سَنَده لَا لنَصّ فِي خَبره مَانع من الْعَمَل بِهِ وَالْأَنْصَار إِنَّمَا استدلوا بلام التَّعْرِيف الَّتِي هِيَ مستغرقة للْجِنْس أَو الْمَعْهُود فِي قَوْله ﵊ المَاء من المَاء وَنحن نقُول بِهِ فِي الحكم الثَّابِت لعين المَاء وَفَائِدَة التَّخْصِيص عندنَا أَن يتَأَمَّل المستنبطون فِي عِلّة النَّص فيثبتون الحكم بهَا فِي غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من الْمَوَاضِع لينالوا بِهِ دَرَجَة المستنبطين وثوابهم وَهَذَا لَا يحصل إِذا ورد النَّص عَاما متناولا للْجِنْس
ويحكى عَن الثَّلْجِي ﵀ أَنه كَانَ يَقُول هَذَا إِذا لم يكن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ باسم الْعلم محصورا بِعَدَد نصا نَحْو خبر الرِّبَا فَإِن كَانَ محصورا بِعَدَد فَذَلِك يدل على نفي الحكم فِيمَا سواهَا لِأَن فِي إِثْبَات الحكم فِيمَا سواهَا إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص وَذَلِكَ لَا يجوز فبهذه الْوَاسِطَة يكون مُوجبا للنَّفْي
وَاسْتدلَّ بقوله ﷺ خمس فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم وَبِقَوْلِهِ أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم فِيمَا عدا الْمَذْكُور
وَالصَّحِيح أَن التَّنْصِيص لَا يدل على ذَلِك فِي شَيْء من الْمَوَاضِع لما بَينا من الْمعَانِي
ثمَّ ذكر الْعدَد لبَيَان الحكم بِالنَّصِّ ثَابت فِي الْعدَد الْمَذْكُور فَقَط وَقد بَينا أَن فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت الحكم بعلة النَّص لَا بِالنَّصِّ فَلَا يُوجب ذَلِك إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص
وَمِنْهَا مَا قَالَه الشَّافِعِي ﵀ إِن التَّنْصِيص على وصف فِي الْمُسَمّى لإِيجَاب الحكم يُوجب نفي ذَلِك الحكم عِنْد عدم ذَلِك الْوَصْف بِمَنْزِلَة مَا لَو نَص على نفي الحكم عِنْد عدم الْوَصْف
وَعِنْدنَا النَّص مُوجب للْحكم عِنْد وجود ذَلِك الْوَصْف وَلَا يُوجب نفي ذَلِك الحكم عِنْد انعدامه أصلا
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ فَإِن عِنْده إِبَاحَة نِكَاح الْأمة (لما كَانَ مُقَيّدا بِصفة الْإِيمَان بِالنَّصِّ أوجب النَّفْي بِدُونِ هَذَا الْوَصْف فَلَا يجوز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك وَلِهَذَا جَوَّزنَا نِكَاح الْأمة) الْكِتَابِيَّة وَقَالَ تَعَالَى ﴿من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ فَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ لما ورد حُرْمَة الربيبة بِسَبَب الدُّخُول بِامْرَأَة مُقَيّدَة بِوَصْف وَهِي أَن تكون من نِسَائِهِ أوجب ذَلِك نفي الْحُرْمَة عِنْد عدم
[ ١ / ٢٥٦ ]
ذَلِك الْوَصْف فَلَا تثبت الْحُرْمَة بِالزِّنَا
وَعِنْدنَا لَا يُوجب النَّص نفي الحكم عِنْد انعدام الْوَصْف فَتثبت الْحُرْمَة بِالزِّنَا وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ فرض صَدَقَة الْفطر على كل حر وَعبد من الْمُسلمين فعلى مذْهبه أوجب هَذَا النَّص نفي الحكم عِنْد عدم الْوَصْف فَلَا تجب الصَّدَقَة عَن العَبْد الْكَافِر
وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن النَّص المختتم بِهَذَا الْوَصْف لَا يتَنَاوَل الْكفَّار وَالنَّص الْمُطلق وَهُوَ قَوْله أَدّوا عَن كل حر وَعبد يتناولهم لِأَنَّهُ غير مختتم بِهَذَا التَّقْيِيد فَيجب الْأَدَاء عَن العَبْد الْكَافِر بذلك النَّص وَهُوَ بِمَنْزِلَة من يَقُول لغيره أعتق عَبِيدِي ثمَّ يَقُول أعتق الْبيض من عَبِيدِي فَلَا يُوجب ذَلِك النَّهْي عَن إِعْتَاق غير الْبيض بَعْدَمَا كَانَ ثَابتا بِاللَّفْظِ الْمُطلق
وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي ﵀ لإِثْبَات مذْهبه ﵇ فِي خمس من الْإِبِل السَّائِمَة شَاة فَإِن ذَلِك يُوجب نفي الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَا زَكَاة فِي غير السَّائِمَة إِذْ لَو لم يَجْعَل كَذَلِك فَلَا بُد من إِيجَاب الزَّكَاة فِي العوامل بِخَبَر الْمُطلق وَهُوَ قَوْله ﵇ فِي خمس من الْإِبِل شَاة وبالإجماع بَيْننَا وَبَيْنكُم لَا تجب الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة وَلما نهى رَسُول الله ﷺ عَن ربح مَا لم يضمن أفهمنا ذَلِك إِبَاحَة ربح مَا قد ضمن كَأَنَّهُ نَص عَلَيْهِ وَلِأَن النَّص لما أوجب الحكم فِي الْمُسَمّى الْمُشْتَمل على أَوْصَاف مُقَيّدا بِوَصْف من تِلْكَ الْأَوْصَاف صَار ذَلِك الْوَصْف بِمَنْزِلَة الشَّرْط لإِيجَاب الحكم على معنى أَنه لَا يثبت الحكم بِالنَّصِّ بعد وجود الْمُسَمّى مَا لم يُوجد ذَلِك الْوَصْف فلولا ذكر الْوَصْف لَكَانَ الحكم ثَابتا قبل وجوده وَهَذَا أَمارَة الشَّرْط فَإِن قَوْله لامْرَأَته أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار لَا يكون مُوجبا وُقُوع الطَّلَاق مَا لم تدخل وَبِدُون هَذَا الشَّرْط كَانَ مُوجبا للطَّلَاق قبل الدُّخُول
وَقد يكون الْوَصْف بِمَنْزِلَة الشَّرْط حَتَّى لَو قَالَ لَهَا إِن دخلت الدَّار راكبة فَأَنت طَالِق كَانَ الرّكُوب شرطا وَإِن كَانَ مَذْكُورا على سَبِيل الْوَصْف لَهَا
قَالَ وَقد ثَبت من أُصَلِّي أَن التَّقْيِيد بِالشّرطِ يفهمنا نفي الحكم عِنْد عدم الشَّرْط
[ ١ / ٢٥٧ ]
فَكَذَلِك التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ وَهَذَا بِخِلَاف الِاسْم فَإِنَّهُ مَذْكُور للتعريف لَا لتعليق الحكم بِهِ (فَأَما الْوَصْف الَّذِي هُوَ ذكر للْحَال وَهُوَ معنوي يصلح أَن يكون لتعليق الحكم بِهِ) فَيكون مُوجبا نفي الحكم عِنْد عَدمه دلَالَة وَلِأَن بِالِاسْمِ يثبت الحكم ابْتِدَاء كَمَا ثَبت بِالْعِلَّةِ بِخِلَاف الْوَصْف الَّذِي هُوَ فِي معنى الشَّرْط
وسنقرر هَذَا الْفرق فِي الْفَصْل الثَّانِي
وَاسْتدلَّ عُلَمَاؤُنَا بقوله تَعَالَى ﴿وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ ثمَّ التَّقْيِيد بِهَذَا الْوَصْف لَا يُوجب نفي الْحل فِي اللَّاتِي لم يهاجرن مَعَه بالِاتِّفَاقِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا﴾ ثمَّ التَّقْيِيد بِهَذَا الْوَصْف لَا يُفِيد إِبَاحَة الْأكل بِدُونِ هَذَا الْوَصْف وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر من يخشاها﴾
﴿إِنَّمَا تنذر من اتبع الذّكر﴾ وَهُوَ نَذِير للبشر فَعرفنَا أَن التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ لَا يفهمنا نفي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد عدم ذَلِك الْوَصْف ثمَّ أَكثر مَا فِيهِ أَن الْوَصْف الْمُؤثر بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم وَلَا خلاف أَن الحكم يثبت بِالْعِلَّةِ إِذا وجدت فَإِن الْعلَّة لَا توجب نفي الحكم عِنْد انعدامها فَكَذَلِك الْوَصْف الْمَذْكُور فِي النَّص يُوجب ثُبُوت الحكم عِنْد وجوده وَلَا يُوجب نفي الحكم عِنْد عَدمه وَلِهَذَا جعلنَا الْوَصْف الْمُؤثر إِذا كَانَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ فَقُلْنَا صفة السّوم بِمَنْزِلَة الْعلَّة لإِيجَاب الزَّكَاة فِي خمس من الْإِبِل وَلِهَذَا يُضَاف الزَّكَاة إِلَيْهَا فَيُقَال زَكَاة السَّائِمَة والواجبات تُضَاف إِلَى أَسبَابهَا حَقِيقَة بِمَنْزِلَة من يَقُول لغيره أعتق عَبدِي الصَّالح أَو طلق امْرَأَتي البذيئة فَإِن ذكر هَذَا الْوَصْف دَلِيل على أَنه هُوَ الْمُؤثر للْحكم
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْوَصْف لَيْسَ فِي معنى الشَّرْط كَمَا زعم وَقَوله إِن دخلت راكبة إِنَّمَا جعلنَا الرّكُوب شرطا لكَونه مَعْطُوفًا على الشَّرْط فَإِن حكم الْمَعْطُوف حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَأَما الْوَصْف المقرون بِالِاسْمِ يكون بِمَنْزِلَتِهِ وَالِاسْم لَيْسَ فِي معنى الشَّرْط لإِثْبَات الحكم فَكَذَلِك الْوَصْف المقرون بِهِ
وَلَو كَانَ شرطا فعندنا تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يُوجب وجود الحكم
[ ١ / ٢٥٨ ]
عِنْد وجود الشَّرْط وَلَا يُوجب النَّفْي عِنْد عدم الشَّرْط بل ذَلِك بَاقٍ على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيق على مَا نبينه وَإِنَّمَا لَا نوجب الزَّكَاة فِي الْحَوَامِل بِاعْتِبَار نَص آخر وَهُوَ قَوْله ﵇ لَا زَكَاة فِي العوامل والحوامل أَو بِاعْتِبَار أَن صفة السّوم صَار بِمَنْزِلَة الْعلَّة فِي حكم الزَّكَاة على مَا قَررنَا
وعَلى هَذَا قَالَ زفر ﵀ فِيمَن لَهُ أمة ولدت ثَلَاثَة أَوْلَاد فِي بطُون مُخْتَلفَة فَقَالَ الْأَكْبَر ابْني يثبت نسب الآخرين مِنْهُ لِأَن التَّنْصِيص على الدعْوَة مُقَيّدا بالأكبر لَا مُوجب لَهُ فِي نفي نسب الآخرين وَقد تبين ثُبُوت نسب الْأَكْبَر مِنْهُ أَنَّهَا كَانَت أم ولد لَهُ من ذَلِك الْوَقْت وَأم الْوَلَد فرَاش للْمولى يثبت نسب وَلَدهَا مِنْهُ بِغَيْر دَعْوَة
وَعِنْدنَا لَا يثبت نسب الآخرين مِنْهُ لَا للتَّقْيِيد بِالْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَو أَشَارَ إِلَى الْأَكْبَر وَقَالَ هَذَا ابْني لَا يثبت نسب الآخرين مِنْهُ أَيْضا وَمَعْلُوم أَن التَّنْصِيص بِالِاسْمِ لَا يُوجب نفي الحكم فِي غير الْمُسَمّى بذلك الِاسْم وَلَكِن إِنَّمَا لَا يثبت نسبهما مِنْهُ لِأَن السُّكُوت عَن الْبَيَان بعد تحقق الْحَاجة دَلِيل النَّفْي ويفترض على الْمَرْأَة دَعْوَة النّسَب فِيمَا هُوَ مَخْلُوق من مَائه لِأَنَّهُ كَمَا لَا يحل لَهُ أَن يَدعِي نسب (مَا هُوَ غير مَخْلُوق من مَائه لَا يحل لَهُ أَن يَنْفِي نسب) الْمَخْلُوق من مَائه وَقبل الدعْوَة النّسَب يثبت مِنْهُ على سَبِيل الِاحْتِمَال حَتَّى يملك نَفْيه وَإِنَّمَا يصير مَقْطُوعًا بِهِ على وَجه لَا يملك نَفْيه بالدعوة فَكَانَ ذَلِك فرضا عَلَيْهِ
وَإِذا تقرر بِهَذَا تحقق الْحَاجة إِلَى الْبَيَان كَانَ سُكُوته عَن دَعْوَة نسب الآخرين دَلِيل النَّفْي لَا تَخْصِيصه الْأَكْبَر بالدعوة فَلهَذَا لَا يثبت نسبهما مِنْهُ
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا قَالَ شُهُود الْوَارِث لَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره فِي أَرض كَذَا إِن الشَّهَادَة تقبل لِأَن هَذِه الزِّيَادَة لَا توجب عَلَيْهِم توارث آخر فِي غير ذَلِك الْموضع فكأنهم سكتوا عَن ذكر هَذِه الزِّيَادَة وَقَالُوا لَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره
وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد قَالَا لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة لَا لِأَنَّهَا توجب ذَلِك وَلَكِن لتمكن التُّهْمَة فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنَّهُمَا خصا ذَلِك الْمَكَان للتحرز عَن الْكَذِب وعلمهما بوارث آخر لَهُ فِي غير ذَلِك الْمَكَان وَلَكِن الشَّهَادَة ترد بالتهمة فَأَما الحكم
[ ١ / ٢٥٩ ]
لَا يثبت نفيا وَلَا إِيجَابا بالتهمة بل بِالْحجَّةِ الْمَعْلُومَة
وَأَبُو حنيفَة ﵀ يَقُول كَمَا تحْتَمل هَذِه الزِّيَادَة مَا قَالَا تحْتَمل الْمُبَالغَة فِي التَّحَرُّز عَن الْكَذِب بِاعْتِبَار أَنَّهُمَا تفحصا فِي ذَلِك الْموضع دون سَائِر الْمَوَاضِع وَيحْتَمل تَحْقِيق الْمُبَالغَة فِي نفي وَارِث آخر أَي لَا نعلم لَهُ وَارِثا آخر فِي مَوضِع كَذَا مَعَ أَنه مولده ومنشؤه فأحرى أَن لَا يكون لَهُ وَارِث آخر فِي مَوضِع آخر وبمثل هَذَا الْمُحْتَمل لَا تتمكن التُّهْمَة وَلَا يمْنَع الْعَمَل بِشَهَادَتِهِمَا
وَمِنْهَا أَن الحكم مَتى تعلق بِشَرْط بِالنَّصِّ فَعِنْدَ الشَّافِعِي ﵀ ذَلِك النَّص يُوجب انعدام الحكم عِنْد انعدام الشَّرْط كَمَا يُوجب وجود الحكم عِنْد وجود الشَّرْط وَعِنْدنَا لَا يُوجب النَّص ذَلِك بل يُوجب ثُبُوت الحكم عِنْد وجود الشَّرْط فَأَما انعدام الحكم عِنْد عدم الشَّرْط فَهُوَ بَاقٍ على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيق
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات﴾ الْآيَة فَإِن النَّص لما ورد بِحل نِكَاح الْأمة مُعَلّقا بِشَرْط عدم طول الْحرَّة جعل الشَّافِعِي ذَلِك كالتنصيص على حُرْمَة نِكَاح الْأمة عِنْد وجود طول الْحرَّة
وَعِنْدنَا النَّص لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن الحكم بعد هَذَا النَّص عِنْد وجود طول الْحرَّة على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَن لَو لم يرد هَذَا النَّص وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه﴾ قَالَ الشَّافِعِي لما تعلق بِالنَّصِّ دَرْء الْعَذَاب عَنْهَا بِشَرْط أَن تَأتي بِكَلِمَات اللّعان كَانَ ذَلِك تنصيصا على إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا إِذا لم تأت بِكَلِمَات اللّعان
وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك حَتَّى لَا يُقَام عَلَيْهَا الْحَد وَإِن امْتنعت من كَلِمَات اللّعان
وَجه قَول الشَّافِعِي أَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ يُؤثر فِي الحكم دون السَّبَب على اعْتِبَار أَنه لَوْلَا التَّعْلِيق لَكَانَ الحكم ثَابتا فَإِن قَوْله لعَبْدِهِ أَنْت حر مُوجب عتقه فِي الْحَال لَوْلَا قَوْله إِن دخلت الدَّار فبالتعليق يتَأَخَّر نزُول الْعتْق وَلَا يَنْعَدِم أصل السَّبَب
وَبِهَذَا تبين أَن التَّعْلِيق كَمَا يُوجب الحكم عِنْد وجود الشَّرْط يُوجب نفي الحكم قبل وجود الشَّرْط بِمَنْزِلَة التَّأْجِيل وبمنزلة خِيَار الشَّرْط فِي البيع فَإِنَّهُ يدْخل على الحكم دون السَّبَب حَتَّى يتَأَخَّر الحكم إِلَى سُقُوط الْخِيَار مَعَ قيام السَّبَب وَهُوَ نَظِير التَّعْلِيق الْحسي فَإِن تَعْلِيق الْقنْدِيل بِحَبل من
[ ١ / ٢٦٠ ]
سَمَاء الْبَيْت يمْنَع وُصُوله إِلَى مَوضِع من الأَرْض لَوْلَا التَّعْلِيق وَلَا يعْدم أَصله وَبِهَذَا فَارق الشَّرْط الْعلَّة فَإِن الحكم يثبت ابْتِدَاء بِوُجُود الْعلَّة فَلَا يكون انعدام الحكم قبل وجود الْعلَّة مُضَافا إِلَى الْعلَّة بِاعْتِبَار أَنَّهَا نفت الحكم قبل وجودهَا بل انْعَدم لِانْعِدَامِ سَببه فَأَما الشَّرْط فمغير للْحكم بعد وجود سَببه فَكَانَ مَانِعا من ثُبُوت الحكم قبل وجوده كَمَا كَانَ مثبتا وجود الحكم عِنْد وجوده وعَلى هَذَا الأَصْل لم يجوز تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعتاق بِالْملكِ لِأَن تَأْثِير الشُّرُوط فِي منع حكم لولاه كَانَ مَوْجُودا بِسَبَبِهِ وَلَوْلَا التَّعْلِيق هُنَا كَانَ لَغوا وَشرط قيام الْملك فِي الْمحل عِنْد التَّعْلِيق لِأَن السَّبَب لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْملك وتأثير الشَّرْط فِي تَأْخِير الحكم إِلَى وجوده بعد تقرر السَّبَب بِمَنْزِلَة الْأَجَل فَيشْتَرط قيام الْملك فِي الْمحل عِنْد التَّعْلِيق ليتقرر السَّبَب ثمَّ يتَأَخَّر الحكم إِلَى وجود الشَّرْط بِالتَّعْلِيقِ وَلِهَذَا لم يجوز نِكَاح الْأمة لمن قدر على نِكَاح الْحرَّة لِأَن الْحل مُعَلّق بِشَرْط عدم طول الْحرَّة بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يُوجب نفي الحكم عِنْد وجود طول الْحرَّة كَمَا يُوجب إثْبَاته عِنْد عدم طول الْحرَّة
هَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من الْكَلَام فَإِن من يَقُول لغيره إِن دخل عَبدِي الدَّار فَأعْتقهُ يفهم مِنْهُ وَلَا تعتقه إِن لم يدْخل الدَّار وَالْعَمَل بالنصوص وَاجِب بمنظومها ومفهومها وَلِهَذَا جوز تَعْجِيل الْكَفَّارَة بعد الْيَمين قبل الْحِنْث لِأَن السَّبَب هُوَ الْيَمين وَلِهَذَا تُضَاف الْكَفَّارَة إِلَيْهَا وَالْأَصْل أَن الْوَاجِبَات تُضَاف إِلَى أَسبَابهَا فَأَما الْحِنْث شَرط يتَعَلَّق وجوب الْأَدَاء بِهِ ويتضح هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ إِن فعلت كَذَا فعلي كَفَّارَة يَمِين وَالتَّعْلِيق بِالشّرطِ بِمَنْزِلَة التَّأْجِيل عِنْده فَلَا يمْنَع جَوَاز التَّعْجِيل قبله بِمَنْزِلَة الدّين الْمُؤَجل إِلَّا أَن هَذَا فِي المالي دون البدني لِأَن تَأْثِير التَّعْلِيق بِالشّرطِ فِي تَأْخِير وجوب الْأَدَاء فِي الْحُقُوق الْمَالِيَّة الْوُجُوب ينْفَصل عَن الْأَدَاء من حَيْثُ إِن الْوَاجِب قبل الْأَدَاء مَال مَعْلُوم كَمَا فِي حُقُوق الْعباد فَأَما فِي البدني الْوَاجِب فعل يتَأَدَّى بِهِ فَلَا يتَحَقَّق انْفِصَاله عَن الْأَدَاء وبالتعليق بِالشّرطِ يتَأَخَّر وجوب الْأَدَاء فَيتَأَخَّر تقرر السَّبَب أَيْضا ضَرُورَة لِأَن أَحدهمَا لَا ينْفَصل عَن الآخر
وَنَظِيره من حُقُوق الْعباد الشِّرَاء مَعَ الِاسْتِئْجَار فَإِن بشرَاء الْعين يثبت الْملك وَيتم السَّبَب قبل فعل التَّسْلِيم وبالاستئجار لَا يثبت الْملك فِي الْمَنْفَعَة قبل الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهَا لَا تبقى وَقْتَيْنِ وَلَا يتَصَوَّر تَسْلِيمهَا بعد وجودهَا بل يقْتَرن التَّسْلِيم بالوجود فَإِنَّمَا تصير معقودا عَلَيْهَا مَمْلُوكا بِالْعقدِ عِنْد الِاسْتِيفَاء
[ ١ / ٢٦١ ]
فَكَذَلِك فِي حُقُوق الله تَعَالَى يفصل بَين المالي والبدني من هَذَا الْوَجْه أَلا ترى أَن من قَالَ لله عَليّ أَن أَتصدق بدرهم رَأس الشَّهْر فَتصدق بِهِ فِي الْحَال جَازَ لهَذَا الْمَعْنى
وَدَلِيلنَا على أَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَا يُوجب نفي الحكم قبله من الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة﴾ الْآيَة وَلَا خلاف أَنه يلْزمهَا الْحَد الْمَذْكُور جَزَاء على الْفَاحِشَة وَإِن لم تحصن وَقَالَ تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَحكم الْكِتَابَة لَا يَنْتَفِي قبل هَذَا الشَّرْط
ثمَّ حَقِيقَة الْكَلَام تبتنى على معرفَة عمل الشَّرْط فَنَقُول التَّعْلِيق بِالشّرطِ تصرف فِي أصل الْعلَّة لَا فِي حكمهَا من حَيْثُ إِنَّه يتَبَيَّن بِالتَّعْلِيقِ أَن الْمَذْكُور لَيْسَ بِسَبَب قبل وجود الشَّرْط وَلَكِن بِعرْض أَن يصير سَببا عِنْد وجوده فأوان وجود الحكم ابْتِدَاء حَال وجود الشَّرْط بِمَنْزِلَة مَا ذكره الْخصم فِي الْعلَّة إِلَّا أَن فرق مَا بَينهمَا أَن الحكم يُوجد عِنْد وجود الشَّرْط ابْتِدَاء وَلكنه يُضَاف إِلَى الْعلَّة ثبوتا بِهِ وَإِلَى الشَّرْط وجودا عِنْده فَكَمَا أَن قبل وجود الْعلَّة انعدام الحكم أصل غير مُضَاف إِلَى الْعلَّة فَكَذَلِك قبل وجود الشَّرْط
وَبَيَان هَذَا الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن السَّبَب هُوَ الْإِيقَاع وَالْمُعَلّق بِالشّرطِ يَمِين وَهِي غير الْإِيقَاع وينتقض الْيَمين إِذا صَار إيقاعا بِوُجُود الشَّرْط وَالثَّانِي أَن صِحَة الْإِيجَاب بِاعْتِبَار رُكْنه وَمحله أَلا ترى أَن شطر البيع كَمَا لَا يكون سَببا لِانْعِدَامِ تَمام الرُّكْن فَكَذَلِك بيع الْحر لَا يكون سَببا لِأَنَّهُ غير مُضَاف إِلَى مَحَله فَكَذَلِك فِي الطَّلَاق وَالْعتاق شطر الْكَلَام الَّذِي هُوَ إِيجَاب (كَمَا لَا يكون سَببا فَالْكَلَام الَّذِي هُوَ إِيجَاب) مَا لم يتَّصل بِالْمحل لَا يكون سَببا وَالتَّعْلِيق بِالشّرطِ يمْنَع وُصُوله إِلَى الْمحل بالِاتِّفَاقِ وَلكنه بِعرْض أَن يتَّصل بِالْمحل إِذا وجد الشَّرْط كَمَا أَن شَرط البيع بِعرْض أَن يصير سَببا إِذا وجد الشّطْر الثَّانِي
وَكَذَلِكَ شطر النّصاب لَيْسَ بِسَبَب لِلزَّكَاةِ بِمَنْزِلَة النّصاب الْكَامِل فِي ملك من لَيْسَ بِأَهْل لوُجُوب الزَّكَاة عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَافِر وَلَكِن بِعرْض أَن يصير سَببا
وَنَظِيره من الحسيات الرَّمْي فَإِن نَفسه لَيْسَ بقتل وَلكنه بِعرْض أَن يصير قتلا إِذا اتَّصل بِالْمحل وَإِذا كَانَ هُنَاكَ مجن منع وُصُوله إِلَى الْمحل فأحد لَا يَقُول بِأَن الْمِجَن مَانع لما هُوَ قتل وَلَكِن لما كَانَ يصير قتلا لَو اتَّصل بِالْمحل عِنْد
[ ١ / ٢٦٢ ]
عدم الْمِجَن فَكَذَلِك التَّعْلِيق بِالشّرطِ فِي الحكميات
وَبِهَذَا تبين أَنه وهم حَيْثُ جعل التَّعْلِيق كالتأجيل فَإِن التَّأْجِيل لَا يمْنَع وُصُول السَّبَب بِالْمحل لِأَن سَبَب وجوب التَّسْلِيم فِي الدّين وَالْعين جَمِيعًا العقد وَمحل الدّين الذِّمَّة والتأجيل لَا يمْنَع ثُبُوت الدّين فِي الذِّمَّة وَلَا ثُبُوت الْملك فِي الْمَبِيع وَإِنَّمَا يُؤَخر الْمُطَالبَة وَهُوَ مُحْتَمل السُّقُوط فَيسْقط الْأَجَل بالتعجيل ويتحقق أَدَاء الْوَاجِب وَهنا التَّعْلِيق يمْنَع الْوُصُول إِلَى الْمحل وَقبل الْوُصُول (إِلَى الْمحل) لَا يتم السَّبَب وَلَا يتَصَوَّر أَدَاء الْوَاجِب قبل تَمام السَّبَب وَلِهَذَا لم نجوز التَّكْفِير قبل الْحِنْث لِأَن أدنى دَرَجَات السَّبَب أَن يكون طَرِيقا إِلَى الحكم وَالْيَمِين مَانع من الْحِنْث الَّذِي تعلق بِهِ وجوب الْكَفَّارَة على مَا قَرَّرَهُ فَإِنَّهَا مُوجبَة للبر وَالْبر يفوت بِالْحِنْثِ وَفِي الْحِنْث نقض الْيَمين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ ويستحيل أَن يُقَال فِي شَيْء إِنَّه سَبَب لحكم لَا يثبت ذَلِك الحكم إِلَّا بعد انتقاضه فَعرفنَا أَنه بِعرْض أَن يصير سَببا عِنْد وجود الشَّرْط فَلهَذَا كَانَ مُضَافا إِلَيْهِ وَقبل أَن يصير سَببا لَا يتَحَقَّق الْأَدَاء وفرقه بَين المالي والبدني بَاطِل فَإِن بعد تَمام السَّبَب الْأَدَاء جَائِز فِي البدني والمالي جَمِيعًا وَإِن تَأَخّر وجوب الْأَدَاء كالمسافر إِذا صَامَ فِي شهر رَمَضَان وَهَذَا لِأَن الْوَاجِب لله على العَبْد فعل هُوَ عبَادَة فَأَما المَال وَمَنَافع الْبدن فَإِنَّهُ يتَأَدَّى الْوَاجِب بهما فَكَمَا أَن فِي الْبدن مَعَ تملق وجوب الْأَدَاء بِالشّرطِ لَا يكون السَّبَب تَاما فَكَذَلِك فِي المالي بِخِلَاف حُقُوق الْعباد فَإِن الْوَاجِب للعباد مَال لَا فعل لِأَن الْمَقْصُود مَا ينْتَفع مِنْهُ العَبْد أَو ينْدَفع عَنهُ الخسران بِهِ وَذَلِكَ بِالْمَالِ دون الْفِعْل وَلِهَذَا إِذا ظفر بِجِنْس حَقه فاستوفى تمّ الِاسْتِيفَاء وَإِن لم يُوجد فعل هُوَ أَدَاء مِمَّن عَلَيْهِ
فَأَما حُقُوق الله تَعَالَى وَاجِبَة بطرِيق الْعِبَادَة وَنَفس المَال لَيْسَ بِعبَادة إِنَّمَا الْعِبَادَة اسْم لعمل يباشره العَبْد بِخِلَاف هوى النَّفس لابتغاء مرضاة الله تَعَالَى وَفِي هَذَا المالي والبدني سَوَاء وَهَذَا التَّعْلِيق لَا يشبه بتعليق الْقنْدِيل بالحبل لِأَن الْقنْدِيل كَانَ مَوْجُودا بِذَاتِهِ قبل التَّعْلِيق فَعرفنَا أَن عمل التَّعْلِيق فِي تَفْرِيغ الْمَكَان الَّذِي كَانَ مَشْغُولًا بِهِ من الأَرْض قبل التَّعْلِيق وَهنا قبل التَّعْلِيق مَا كَانَ الحكم مَوْجُودا فَكَانَ تَأْثِير التَّعْلِيق فِي تَأْخِير السَّبَبِيَّة للْحكم إِلَى وجود
[ ١ / ٢٦٣ ]
الشَّرْط وَلِهَذَا جَوَّزنَا تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْإِعْتَاق بِالْملكِ لِأَن الْمُتَعَلّق قبل وجود الشَّرْط يَمِين وَمحل الِالْتِزَام بِالْيَمِينِ الذِّمَّة فَأَما الْملك فِي الْمحل إِنَّمَا يشْتَرط لإِيجَاب الطَّلَاق وَالْإِعْتَاق وَهَذَا الْكَلَام للْحَال لَيْسَ بِإِيجَاب وَلكنه بِعرْض أَن يصير إِيجَابا فَإِن تَيَقنا بِوُجُود الْملك فِي الْمحل حِين يصير إِيجَابا بوصوله إِلَى الْمحل صححنا التَّعْلِيق بِاعْتِبَارِهِ وَإِن لم نتيقن بذلك بِأَن كَانَ الشَّرْط مِمَّا لَا أثر لَهُ فِي إِثْبَات الْملك فِي الْمحل شرطنا الْملك فِي الْحَال ليصير كَلَامه إِيجَابا عِنْد وجود الشَّرْط بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَهُوَ أَن مَا علم ثُبُوته فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ وَلَكِن بِهَذَا الظَّاهِر دون الْملك الَّذِي يتَيَقَّن بِهِ عِنْد وجود الشَّرْط فصحة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار ذَلِك النَّوْع دَلِيل على صِحَة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار هَذَا الْملك بطرِيق أولى وَلَيْسَ التَّعْلِيق كاشتراط الْخِيَار فِي البيع فَإِن ذَلِك لَا يدْخل على أصل السَّبَب لِأَن البيع لَا يحْتَمل الْحَظْر وَفِي جعله مُتَعَلقا بِشَرْط لَا نَدْرِي أَن يكون أَو لَا يكون حظر تَامّ وَلِهَذَا كَانَ الْقيَاس أَن لَا يجوز البيع مَعَ خِيَار الشَّرْط وَلَكِن السّنة جوزت ذَلِك لحَاجَة النَّاس بِاعْتِبَار أَن الْخِيَار دخل على الحكم دون السَّبَب فَإِن الحكم يحْتَمل التَّأْخِير عَن السَّبَب فَجعل الحكم مُتَعَلقا بِشَرْط إِسْقَاط الْخِيَار مَعَ ثُبُوت السَّبَب لِأَن السَّبَب مُحْتَمل للْفَسْخ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ دفع الضَّرَر يحصل بِهَذَا الطَّرِيق وَهُوَ أقل غررا فَأَما الطَّلَاق وَالْعتاق فَأصل السَّبَب فيهمَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَإِذا وجد التَّعْلِيق نصا يثبت الْحَظْر الْكَامِل فيهمَا بِأَن تعلق صيرورتهما سَببا بِوُجُود الشَّرْط
وَالدَّلِيل على الْفرق من جِهَة الحكم أَنه لَو حلف أَن لَا يَبِيع فَبَاعَ بِشَرْط الْخِيَار حنث فِي يَمِينه
وَلَو حلف أَن لَا يُطلق امْرَأَته فعلق طَلاقهَا بِالشّرطِ لم يَحْنَث مَا لم يُوجد الشَّرْط وعَلى هَذَا جَوَّزنَا نِكَاح الْأمة لمن لَهُ طول الْحرَّة لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَا يُوجب نفي الحكم قبله فَيجْعَل الْحل ثَابتا قبل وجود هَذَا الشَّرْط بِالْآيَاتِ الْمُوجبَة لحل الْإِنَاث للذكور
وَهَكَذَا نقُول فِي قَوْله إِن دخل عَبدِي الدَّار
[ ١ / ٢٦٤ ]
فَأعْتقهُ فَإِن ذَلِك لَا يُوجب نفي الحكم قبله حَتَّى إِنَّه لَو كَانَ قَالَ أَولا أعتق عَبدِي ثمَّ قَالَ أعْتقهُ إِن دخل الدَّار جَازَ لَهُ أَن يعتقهُ قبل الدُّخُول بِالْأَمر الأول وَلَا يَجْعَل هَذَا الثَّانِي نهيا عَن الأول
(فَإِن قيل لَا خلاف أَن الحكم الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ يثبت عِنْد وجود الشَّرْط وَإِذا كَانَ الحكم ثَابتا هُنَا قبل وجود الشَّرْط فَكيف يتَصَوَّر ثُبُوته عِنْد وجود الشَّرْط إِذْ لَا يجوز أَن يكون الحكم الْوَاحِد ثَابتا فِي الْحَال ومتعلقا بِشَرْط منتظر قُلْنَا حل الْوَطْء لَيْسَ بِثَابِت قبل النِّكَاح وَلكنه مُتَعَلق بِشَرْط النِّكَاح فِي الْآيَات الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَذَا الشَّرْط الزَّائِد ومتعلق بهَا وَبِهَذَا الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة وَإِنَّمَا يتَحَقَّق مَا ادّعى من التضاد فِيمَا هُوَ مَوْجُود فَأَما فِيمَا هُوَ مُتَعَلق فَلَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الحكم مُتَعَلقا بِشَرْط وَذَلِكَ الحكم بِعَيْنِه مُتَعَلقا بِشَرْط آخر قبله أَو بعده أَلا ترى أَن من قَالَ لعَبْدِهِ إِذا جَاءَ يَوْم الْخَمِيس فَأَنت حر ثمَّ قَالَ إِذا جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة فَأَنت حر كَانَ الثَّانِي صَحِيحا وَإِن كَانَ مَجِيء يَوْم الْجُمُعَة لَا يكون إِلَّا بعد مَجِيء يَوْم الْخَمِيس حَتَّى لَو أخرجه من ملكه فجَاء يَوْم الْخَمِيس ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى ملكه فجَاء يَوْم الْجُمُعَة يعْتق بِاعْتِبَار التَّعْلِيق الثَّانِي)
فَإِن قيل مَعَ هَذَا لَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد كَمَال الشَّرْط لإِثْبَات حكم وَهُوَ بعض الشَّرْط لإِثْبَات ذَلِك الحكم أَيْضا وَمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إِلَى هَذَا فَإِن عقد النِّكَاح كَمَال الشَّرْط فِي سَائِر الْآيَات سوى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا﴾ وَهُوَ بعض الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة إِذا قُلْتُمْ بِأَن الحكم يثبت ابْتِدَاء عِنْد وجود هَذَا الشَّرْط
قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز هَذَا بِنَصّ وَاحِد فَأَما بنصين فَهُوَ جَائِز أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر إِن أكلت ثمَّ قَالَ أَنْت حر إِن أكلت وشربت صَحَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَيكون الْأكل كَمَال الشَّرْط بِالتَّعْلِيقِ الأول وَبَعض الشَّرْط فِي التَّعْلِيق الثَّانِي حَتَّى لَو بَاعه فَأكل فِي غير ملكه ثمَّ اشْتَرَاهُ فَشرب فَإِنَّهُ يعْتق لتَمام الشَّرْط فِي التَّعْلِيق الثَّانِي وَهُوَ فِي ملكه
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ زفر ﵀ إِن التَّعْلِيق لَا يبطل بِفَوَات الْمحل حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا لم يبطل التَّعْلِيق
[ ١ / ٢٦٥ ]
وَلَو قَالَ لأمته إِن دخلت الدَّار فَأَنت حرَّة ثمَّ أعْتقهَا لم يبطل التَّعْلِيق حَتَّى إِذا ارْتَدَّت وَلَحِقت بدار الْحَرْب فسبيت وملكها ثمَّ دخلت الدَّار عتقت قَالَ لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ يمْنَع الْوُصُول إِلَى الْمحل والمتعلق بِالشّرطِ لَا يكون طَلَاقا وَلَا سَببا للطَّلَاق قبل وجود الشَّرْط وَاشْتِرَاط الْمَحَلِّيَّة لتَمام السَّبَب وَثُبُوت الحكم عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْملك فَكَمَا لَا يبطل التَّعْلِيق بعد صِحَّته بانعدام الْملك فِي الْمحل بِأَن بَاعَ العَبْد أَو أبان الْمَرْأَة وَانْقَضَت عدتهَا فَكَذَلِك لَا يبطل بانعدام الْمَحَلِّيَّة وَهَذَا لِأَن توهم الْمَحَلِّيَّة عِنْد وجود الشَّرْط قَائِم كتوهم الْملك وَإِذا كَانَ يَصح ابْتِدَاء التَّعْلِيق بِاعْتِبَار توهم الْملك عِنْد وجود الشَّرْط فِي هَذِه الْيَمين لِأَن الْملك الْمَوْجُود عِنْد التَّعْلِيق متوهم الْبَقَاء عِنْد وجود الشَّرْط لَا مُتَيَقن الْبَقَاء فَلِأَن يبْقى التَّعْلِيق صَحِيحا بِاعْتِبَار هَذَا التَّوَهُّم كَانَ أولى أَلا ترى أَن التَّعْلِيق بِالْملكِ يبْقى بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى حَتَّى إِذا قَالَ لأجنبية كلما تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا فَتَزَوجهَا وَطلقت ثَلَاثًا ثمَّ تزَوجهَا ثَانِيًا بعد زوج تطلق أَيْضا
وَلَكنَّا نقُول بانعدام الْمحل يبطل التَّعْلِيق لِأَن صِحَة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار الْمَحْلُوف بِهِ وَهُوَ مَا يصير طَلَاقا عِنْد وجود الشَّرْط وَلَا تصور لذَلِك بِدُونِ الْمحل وبالتطليقات الثَّلَاث تحقق فَوَات الْمحل لِأَن الحكم الْأَصْلِيّ للطَّلَاق زَوَال صفة الْحل عَن الْمحل وَلَا تصور لذَلِك بعد حُرْمَة الْمحل بالتطليقات الثَّلَاث فلانعدام الْمَحْلُوف بِهِ من هَذَا الْوَجْه يبطل التَّعْلِيق لَا لِأَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ تَطْلِيقَات ذَلِك الْملك
وَتَحْقِيق هَذَا أَنه لَا بُد لصِحَّة التَّعْلِيق من الْمحل (أَيْضا) حَتَّى لَا يَصح التَّعْلِيق بِالْعِتْقِ مُضَافا إِلَى الْبَهِيمَة إِلَّا أَن قيام الْملك فِي الْمحل لَا يشْتَرط لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَيْسَ هُوَ الطَّلَاق الْمَمْلُوك وَإِذا كَانَت صِحَة التَّعْلِيق تستدعي الْمحل لم يبْق صَحِيحا بعد فَوَات الْمحل لِأَن فِيمَا يرجع إِلَى الْمحل الْبَقَاء بِمَنْزِلَة الِابْتِدَاء وتوهم الْمَحَلِّيَّة على الْوَجْه الَّذِي قَالَ لَا يعْتَبر لصِحَّة التَّعْلِيق فِي الِابْتِدَاء فَإِنَّهُ لَو قَالَ لأجنبية إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق أَو قَالَ ذَلِك للمطلقة ثَلَاثًا لم يَصح التَّعْلِيق وَإِن كَانَ يتَوَهَّم الْملك والمحلية عِنْد وجود الشَّرْط فَإِذا لم يعْتَبر ذَلِك لصِحَّة التَّعْلِيق فِي الِابْتِدَاء لَا يعْتَبر لبَقَائه صَحِيحا بِخِلَاف مَا إِذا صرح بِالْإِضَافَة إِلَى الْملك فَإِن اعْتِبَار ذَلِك التَّعْلِيق بالتيقن بِالْملكِ والمحلية عِنْد
[ ١ / ٢٦٦ ]
وجود الشَّرْط
يُوضحهُ أَن الْمُتَعَلّق وَإِن لم تكن التطليقات الْمَمْلُوكَة لَهُ وَلَكِن فِي التَّعْلِيق شُبْهَة ذَلِك على معنى أَنه مَا صَحَّ إِلَّا بِاعْتِبَارِهِ بِمَنْزِلَة الْغَصْب فَإِن مُوجبه رد الْعين وَلَكِن فِيهِ شُبْهَة وجوب ضَمَان الْقيمَة بِهِ وَقد اعْتبرنَا الشُّبْهَة حَتَّى أثبتنا الْملك عِنْد تقرر الضَّمَان من وَقت الْغَصْب فَهُنَا أَيْضا لَا بُد من اعْتِبَار هَذِه الشُّبْهَة وَبَعْدَمَا أوقع الثَّلَاث قد ذهبت التطليقات الْمَمْلُوكَة كلهَا فَلهَذَا لَا يبْقى التَّعْلِيق
وَمن هَذِه الْجُمْلَة مَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ إِن الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد سَوَاء كَانَ فِي حَادِثَة وَاحِدَة أَو فِي حادثتين لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون مُطلقًا ومقيدا وَالْمُطلق سَاكِت والمقيد نَاطِق فَكَانَ هُوَ أولى بِأَن يَجْعَل أصلا وَيَبْنِي الْمُطلق عَلَيْهِ فَيثبت الحكم مُقَيّدا بهما كَمَا فِي نُصُوص الزَّكَاة فَإِن الْمُطلق عَن صفة السّوم مَحْمُول على الْمُقَيد بِصفة السّوم فِي حكم الزَّكَاة بالِاتِّفَاقِ
وَكَذَلِكَ نُصُوص الشَّهَادَة فَإِن الْمُطلق عَن صفة الْعَدَالَة مَحْمُول على الْمُقَيد بهَا فِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَات كلهَا وَكَذَلِكَ نُصُوص الْهَدَايَا فَإِن الْمُطلق عَن التَّبْلِيغ وَهُوَ هدي الْمُتْعَة وَالْقرَان مَحْمُول على الْمُقَيد بالتبليغ وَهُوَ جَزَاء الصَّيْد يَعْنِي قَوْله ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ حَتَّى يجب التَّبْلِيغ فِي الْهَدَايَا كلهَا
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي حادثتين لِأَن التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ بِمَنْزِلَة التَّعْلِيق بِالشّرطِ على مَا قَررنَا وكما أوجب نفي الحكم فِيهِ قبل وجود الشَّرْط أوجب فِي نَظِيره اسْتِدْلَالا بِهِ وَلِهَذَا شَرط الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار اسْتِدْلَالا بكفارة الْقَتْل لِأَن الْكل كَفَّارَة بالتحرير فَيكون بَعْضهَا نَظِير بعض بِمَنْزِلَة الطَّهَارَة فَإِن تَقْيِيد الْأَيْدِي بالمرافق فِي الْوضُوء جعل تقييدا فِي نَظِيره وَهُوَ التَّيَمُّم لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَهَارَة وَهَذَا بِخِلَاف مقادير الْكَفَّارَات والعبادات من الصَّلَوَات وَغَيرهَا لِأَن ثُبُوتهَا بالنصوص باسم الْعلم لَا بِالصّفةِ الَّتِي تجْرِي مجْرى الشَّرْط وَقد بَينا أَن اسْم الْعلم لَا يُوجب نفي الحكم قبل وجوده فِي الْمُسَمّى بِهِ فَكيف يُوجب ذَلِك فِي غَيره وَلَا يلْزَمنِي على هَذَا التَّتَابُع فِي صَوْم كَفَّارَة الْيَمين فَإِنِّي لَا أوجبه اسْتِدْلَالا بالمقيد بالتتابع فِي صَوْم الظِّهَار وَالْقَتْل لِأَن هَذَا الْمُطلق يُعَارض فِيهِ نَظَائِره من النُّصُوص فَمِنْهَا مُقَيّد بِصفة التَّتَابُع وَمِنْهَا مُقَيّد بِصفة التَّفَرُّق يَعْنِي صَوْم الْمُتْعَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ حَتَّى لَو لم يفرق الصَّوْم فِيهَا لم يجز فَلَا يكون حملهَا على أَحدهمَا بِأولى من الآخر وَلأَجل هَذَا التَّعَارُض أثبتنا فِيهَا حكم الْإِطْلَاق
بِالصَّوْمِ الْمُقَيد بالتتابع فِي بَاب الْكَفَّارَات فَذَلِك يلزمكم اشْتِرَاط صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين اعْتِبَارا بنظيرها فِي كَفَّارَة الْقَتْل
وَعِنْدنَا هَذَا أبعد من الأول لِأَن الْعلَّة وَاحِدَة هُنَاكَ وَالْحكم مُخْتَلف وَهنا الحكم وَالْعلَّة جَمِيعًا مُخْتَلف فَكيف يُمكن تعرف حكم من حكم آخر أَو تعرف عِلّة من عِلّة أُخْرَى ثمَّ الدَّلِيل لنا من الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تسألوا﴾ ثمَّ هَذَا يلزمكم فَإِنَّكُم أثبتم صفة التَّتَابُع
[ ١ / ٢٦٧ ]
فِي صَوْم كَفَّارَة الْيَمين اعْتِبَارا ﴿عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ وَفِي الرُّجُوع إِلَى الْمُقَيد ليعرف مِنْهُ حكم الْمُطلق إقدام على هَذَا الْمنْهِي عَنهُ لما فِيهِ من ترك الْإِبْهَام فِيمَا أبهم الله تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أبهموا مَا أبهم الله وَاتبعُوا مَا بَين
وَقَالَ عمر ﵁ أم الْمَرْأَة مُبْهمَة فأبهموها
وَإِنَّمَا أَرَادَ قَوْله ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ فَإِن حرمتهَا مُطلقَة وَحُرْمَة الربيبة مُقَيّدَة بقوله تَعَالَى ﴿من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ وَهَذَا غير مَذْكُور على وَجه الشَّرْط بل على وَجه الزِّيَادَة فِي تَعْرِيف النِّسَاء فَإِن النِّسَاء الْمَذْكُورَة فِي قَوْله ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ معرف بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ زِيَادَة تَعْرِيف أَيْضا بِمَنْزِلَة قَول الرجل عبد امْرَأَتي وَعبد امْرَأَتي الْبَيْضَاء فَلَا يكون ذَلِك فِي معنى الشَّرْط حَتَّى يكون دَلِيلا على نفي الحكم قبل وجوده كَمَا توهمه الْخصم
وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَة الْقَتْل ذكر صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة لتعريف الرَّقَبَة الْمَشْرُوعَة كَفَّارَة لَا على وَجه الشَّرْط
وَإِنَّمَا لَا يجزىء الْكَافِر لِأَنَّهَا غير مَشْرُوعَة لَا لِانْعِدَامِ شَرط الْجَوَاز فِيمَا هُوَ مَشْرُوع كَمَا لَا تجزىء إِرَاقَة الدَّم وتحرير نصف الرَّقَبَة لِأَن الْكَفَّارَة مَا عرفت إِلَّا شرعا فَمَا لَيْسَ بمشروع لَا يحصل بِهِ التَّكْفِير وَفِي الْموضع الَّذِي هُوَ مَشْرُوع يحصل بِهِ التَّكْفِير وَلَا شكّ أَن انعدام كَونه مَشْرُوعا فِي مَوضِع لَا يُوجب نفي كَونه مَشْرُوعا فِي مَوضِع آخر وَلَو كَانَ مُوجبا لذَلِك لم يجز الْعَمَل بِهِ مَعَ النَّص الْمُطلق الَّذِي هُوَ دَلِيل كَونه مَشْرُوعا
وَبِهَذَا تبين أَن فِيمَا ذهب إِلَيْهِ قولا بتناقض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو ترك الْعَمَل بِبَعْضِهَا
ثمَّ للمطلق حكم وَهُوَ الْإِطْلَاق فَإِن للإطلاق معنى مَعْلُوما وَله حكم مَعْلُوم وللمقيد كَذَلِك فَكَمَا لَا يجوز حمل الْمُقَيد على الْمُطلق لإِثْبَات حكم الْإِطْلَاق فِيهِ لَا يجوز حمل الْمُطلق على الْمُقَيد لإِثْبَات حكم التَّقْيِيد فِيهِ وَلَئِن سلمنَا
[ ١ / ٢٦٨ ]
أَن الْقَيْد الْمَذْكُور بِمَنْزِلَة الشَّرْط وَأَنه يُوجب نفي الحكم قبله فِيهِ فَلَا يُوجب ذَلِك فِي غَيره مَا لم تثبت الْمُمَاثلَة (بَينهمَا وَلَا مماثلة) فِي الْمَعْنى بَين أم الْمَرْأَة وابنتها لِأَن أم الْمَرْأَة تبرز إِلَى زوج ابْنَتهَا قبل الزفاف عَادَة والربيبة تمنع من ذَلِك بعد الزفاف فضلا عَمَّا قبله
وَكَذَلِكَ لَا مماثلة بَين سَبَب كَفَّارَة الْقَتْل وَبَين سَائِر أَسبَاب الْكَفَّارَة فَإِن الْقَتْل بِغَيْر حق لَا يكون فِي معنى الْجِنَايَة كالظهار أَو الْيَمين وَلَا مماثلة فِي الحكم أَيْضا فالرقبة عين فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَلَا مدْخل للإطعام فِيهَا وَالصَّوْم مُقَدّر بشهرين مُتَتَابعين وَفِي الظِّهَار للإطعام مدْخل عِنْد الْعَجز عَن الصَّوْم وَفِي الْيَمين يتَخَيَّر بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء وَيَكْفِي إطْعَام عشرَة مَسَاكِين وَعند الْعَجز يتَأَدَّى بِصَوْم ثَلَاثَة أَيَّام فَمَعَ انعدام الْمُمَاثلَة فِي السَّبَب وَالْحكم كَيفَ يَجْعَل مَا يدل على نفي الحكم فِي كَفَّارَة الْقَتْل دَلِيلا على النَّفْي فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار وَإِذا كَانَ هُوَ لَا يعْتَبر الصَّوْم فِي كَفَّارَة الْيَمين بِالصَّوْمِ فِي سَائِر الْكَفَّارَات فِي صفة التَّتَابُع لِانْعِدَامِ الْمُمَاثلَة فَكيف يَسْتَقِيم مِنْهُ اعْتِبَار الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين بِالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَمَا ذكره من الْعذر بَاطِل فالمطلق فِي كَفَّارَة إِنَّمَا يحمل على الْمُقَيد فِي الْكَفَّارَة أَيْضا وَلَيْسَ فِي صَوْم الْكَفَّارَة مُقَيّد بالتفرق فَإِن صَوْم الْمُتْعَة لَيْسَ بكفارة بل هُوَ نسك بِمَنْزِلَة إِرَاقَة الدَّم الَّذِي كَانَ الصَّوْم خلفا عَنهُ ثمَّ هُوَ غير مُقَيّد بالتفرق فَإِنَّهُ وَإِن فرقه قبل الرُّجُوع لَا يجوز وَلكنه مُضَاف إِلَى وَقت بِحرف إِذا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ والمضاف إِلَى وَقت لَا يجوز قبل ذَلِك الْوَقْت كَصَوْم رَمَضَان قبل شُهُود الشَّهْر وَصَلَاة الظّهْر قبل زَوَال الشَّمْس
وَعِنْدنَا شَرط التَّتَابُع فِيهِ لَيْسَ بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد بل بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﵁ (فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات) وقراءته لَا تكون دون خبر يرويهِ وَقد كَانَ مَشْهُور إِلَى عهد أبي حنيفَة ﵀ وبالخبر الْمَشْهُور تثبت الزِّيَادَة على النَّص على مَا نبينه
فَإِن قيل لماذا لم تجْعَلُوا قِرَاءَته كنص آخر ثمَّ عملتم بهما جَمِيعًا كَمَا فَعلْتُمْ فِي صَدَقَة الْفطر حَيْثُ أوجبتم الصَّدَقَة عَن العَبْد الْكَافِر بِالنَّصِّ الْمُطلق وَعَن العَبْد الْمُسلم بِالنَّصِّ الْمُقَيد قُلْنَا لِأَن الحكم هُنَا وَاحِد وَهُوَ تأدي الْكَفَّارَة بِالصَّوْمِ فبعدما صَار مُقَيّدا
[ ١ / ٢٦٩ ]
بِنَصّ لَا يبْقى ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مُطلقًا
فَأَما فِي صَدَقَة الْفطر النصان فِي بَيَان السَّبَب دون الحكم وَأحد السببين لَا يَنْفِي السَّبَب الآخر فَيجوز أَن يكون ملك العَبْد الْمُطلق سَببا لوُجُوب صَدَقَة الْفطر بِأحد النصين وَملك العَبْد الْمُسلم سَببا بِالنَّصِّ الآخر
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله يجوز التَّيَمُّم بِكُل مَا هُوَ من جنس الأَرْض بِاعْتِبَار النَّص الْمُطلق وَهُوَ قَوْله ﵇ جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وبالتراب بِاعْتِبَار النَّص الْمُقَيد وَهُوَ قَوْله ﵇ التُّرَاب طهُور الْمُسلم لِأَن الْمحل مُخْتَلف وَإِن كَانَ الحكم وَاحِدًا فيستقيم إِثْبَات الْمَحَلِّيَّة بِاعْتِبَار كل نَص فِي شَيْء آخر فَأَما التَّيَمُّم إِلَى الْمرَافِق فَلم نشترطه بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد إِذْ لَو جَازَ ذَلِك لَكَانَ الأولى إِثْبَات التَّيَمُّم فِي الرَّأْس وَالرجل اعْتِبَارا بِالْوضُوءِ وَإِنَّمَا عرفنَا ذَلِك بِنَصّ فِيهِ وَهُوَ حَدِيث الأسلع أَن النَّبِي ﷺ علمه التَّيَمُّم ضربتين ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين وَهُوَ مَشْهُور يثبت بِمثلِهِ التَّقْيِيد فَإِذا صَار مُقَيّدا لَا يبْقى ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مُطلقًا
فَأَما صفة السَّائِمَة فِي الزَّكَاة فَهُوَ ثَابت بِالنَّصِّ الْمُقَيد وَإِنَّمَا لَا نوجب الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة لنَصّ مُوجب للنَّفْي وَهُوَ قَوْله ﵇ لَا زَكَاة فِي العوامل لَا بِاعْتِبَار حمل الْمُطلق على الْمُقَيد
وَاشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَات بِاعْتِبَار وجوب التَّوَقُّف (وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أَي توقفوا) فِي خبر الْفَاسِق بِالنَّصِّ وَبِاعْتِبَار قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ وَالْفَاسِق لَا يكون مرضيا لَا بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد
وَاشْتِرَاط التَّبْلِيغ فِي الْهَدَايَا بِاعْتِبَار النَّص الْوَارِد فِيهِ وَهُوَ أَن الله تَعَالَى بعد ذكر الْهَدَايَا قَالَ ﴿ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق﴾ أَو بِمُقْتَضى اسْم الْهَدْي فَإِنَّهُ اسْم لما يهدي إِلَى مَوضِع
وبمجرد اسْم الْكَفَّارَة لَا تثبت الْمُمَاثلَة بَين وَاجِبَات مُتَفَاوِتَة فِي أَنْفسهَا ليتعرف حكم بَعْضهَا من بعض كَمَا لَا تثبت الْمُمَاثلَة بَين الصَّلَوَات فِي مِقْدَار الرَّكْعَات والشرائط نَحْو الْخطْبَة وَالْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى يعْتَبر بَعْضهَا بِبَعْض وَإِن جمعهَا اسْم الصَّلَاة
وَصَارَ حَاصِل الْكَلَام أَن النَّفْي ضد الْإِثْبَات فالنص الْمُوجب لإِثْبَات حكم لَا يُوجب ضد ذَلِك الحكم بعبارته
[ ١ / ٢٧٠ ]
وَلَا بإشارته وَلَا بدلالته وَلَا بِمُقْتَضَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة مَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ حَتَّى يكون مقتضيا إِيَّاه فإثبات النَّفْي بِهِ بعد هَذَا لَا يكون إِلَّا إِثْبَات الحكم بِلَا دَلِيل والاحتجاج بِلَا حجَّة وَذَلِكَ بَاطِل على مَا نثبته فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَنحن إِذا قُلْنَا يثبت بالمطلق حكم الْإِطْلَاق وبالمقيد حكم التَّقْيِيد فقد عَملنَا بِكُل دَلِيل بِحَسب الْإِمْكَان والتفاوت بَين الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَبَين الْعَمَل بِلَا دَلِيل لَا يخفى على كل متأمل
وَمن هَذَا الْجِنْس مَا قَالَه الشَّافِعِي ﵀ إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي النَّهْي عَن ضِدّه وَالنَّهْي عَن الشَّيْء يكون أمرا بضده وَقد بَينا فَسَاد هَذَا الْكَلَام فِيمَا سبق
وَمن هَذِه الْجُمْلَة قَول بعض الْعلمَاء إِن الْعَام يخْتَص بِسَبَبِهِ وَعِنْدنَا هَذَا على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن يكون السَّبَب مَنْقُولًا مَعَ الحكم نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سَهَا فَسجدَ وَأَن ماعزا زنى فرجم وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ وَهَذَا يُوجب تَخْصِيص الحكم بِالسَّبَبِ الْمَنْقُول لِأَنَّهُ لما نقل مَعَه فَذَلِك تنصيص على أَنه بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم الْمَنْصُوص وكما لَا يثبت الحكم بِدُونِ علية لَا يبْقى بِدُونِ الْعلَّة مُضَافا إِلَيْهَا بل الْبَقَاء بِدُونِهَا يكون مُضَافا إِلَى عِلّة أُخْرَى
وَالثَّانِي أَن لَا يكون السَّبَب مَنْقُولًا وَلَكِن الْمَذْكُور مِمَّا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَا يكون مفهوما بِدُونِ السَّبَب الْمَعْلُوم بِهِ فَهَذَا يتَقَيَّد بِهِ أَيْضا نَحْو قَول الرجل أَلَيْسَ لي عنْدك كَذَا فَيَقُول بلَى أَو يَقُول أَكَانَ من الْأَمر كَذَا فَيَقُول نعم أَو أجل
فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ لَا تستقل بِنَفسِهَا مفهومة الْمَعْنى فتتقيد بالسؤال الْمَذْكُور الَّذِي كَانَ سَببا لهَذَا الْجَواب حَتَّى جعل إِقْرَارا بذلك وَبِاعْتِبَار أصل اللُّغَة بلَى مَوْضُوع للجواب عَن صِيغَة نفي فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ وَنعم جَوَاب لما هُوَ مَحْض الِاسْتِفْهَام قَالَ تَعَالَى ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ وَأجل تصلح لَهما
وَقد تسْتَعْمل بلَى وَنعم فِي جَوَاب مَا لَيْسَ باستفهام على أَن يقدر فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام أَو يكون مستعارا عَنهُ
هَذَا مَذْهَب أهل اللُّغَة
[ ١ / ٢٧١ ]
فَأَما مُحَمَّد ﵀ فقد ذكر فِي كتاب الْإِقْرَار مسَائِل بناها على هَذِه الْكَلِمَات من غير اسْتِفْهَام فِي السُّؤَال أَو احْتِمَال اسْتِفْهَام وَجعلهَا إِقْرَارا صَحِيحا بطرِيق الْجَواب وَكَأَنَّهُ ترك اعْتِبَار حَقِيقَة اللُّغَة فِيهَا لعرف الِاسْتِعْمَال
وَالثَّالِث أَن يكون مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ مَفْهُوم الْمَعْنى وَلكنه خرج جَوَابا للسؤال وَهُوَ غير زَائِد على مِقْدَار الْجَواب فَبِهَذَا يتَقَيَّد بِمَا سبق وَيصير مَا ذكر فِي السُّؤَال كالمعاد فِي الْجَواب لِأَنَّهُ بِنَاء عَلَيْهِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ لغيره تعال تغد معي فَقَالَ إِن تغديت فَعَبْدي حر فَهَذَا يخْتَص بذلك الْغَدَاء وَلَو قَالَت لَهُ امْرَأَته إِنَّك تَغْتَسِل فِي هَذِه الدَّار اللَّيْلَة من جَنَابَة فَقَالَ إِن اغْتَسَلت فَعَبْدي حر فَإِنَّهُ يخْتَص بذلك الِاغْتِسَال الْمَذْكُور فِي السُّؤَال
وَالرَّابِع أَن يكون مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ زَائِدا على مَا يتم بِهِ الْجَواب بِأَن يَقُول إِن تغديت الْيَوْم أَو إِن اغْتَسَلت اللَّيْلَة فموضع الْخلاف هَذَا الْفَصْل
فعندنا لَا يخْتَص مثل هَذَا الْعَام بِسَبَبِهِ لِأَن فِي تَخْصِيصه بِهِ إِلْغَاء الزِّيَادَة وَفِي جعله نصا مُبْتَدأ اعْتِبَار الزِّيَادَة الَّتِي تكلم بهَا وإلغاء الْحَال وَالْعَمَل بالْكلَام لَا بِالْحَال فإعمال كَلَامه مَعَ إِلْغَاء الْحَال أولى من إِلْغَاء بعض كَلَامه وَفِيمَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ قيدناه بِالسَّبَبِ بِاعْتِبَار أَن الْكل صَار بِمَنْزِلَة الْمَذْكُور وبمنزلة كَلَام وَاحِد فَلَا يجوز إِعْمَال بعضه دون الْبَعْض فَفِي هَذَا الْموضع لِأَن لَا يجوز إِعْمَال بعض كَلَامه وإلغاء الْبَعْض كَانَ أولى إِلَّا أَن يَقُول نَوَيْت الْجَواب فَحِينَئِذٍ يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَتجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَة للتوكيد
وعَلى قَول بعض الْعلمَاء هَذَا يحمل على الْجَواب أَيْضا بِاعْتِبَار الْحَال فَيكون ذَلِك عملا بالمسكوت وتركا للْعَمَل بِالدَّلِيلِ لِأَن الْحَال مسكوت عَنهُ وَالِاسْتِدْلَال بالمسكوت يكون اسْتِدْلَالا بِلَا دَلِيل فَكيف يجوز بِاعْتِبَارِهِ ترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْمَنْصُوص وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا إِن بَين أهل التَّفْسِير اتِّفَاقًا أَن نزُول آيَة الظِّهَار كَانَ بِسَبَب خَوْلَة ثمَّ لم يخْتَص الحكم بهَا ونزول آيَة الْقَذْف كَانَ بِسَبَب قصَّة عَائِشَة ﵂ ثمَّ لم يخْتَص بهَا ونزول آيَة اللّعان كَانَ بِسَبَب مَا قَالَ سعد بن عبَادَة ثمَّ لم يخْتَص بِهِ وَدخل رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة
[ ١ / ٢٧٢ ]
فَوَجَدَهُمْ يسلفون فِي الثِّمَار السّنة والسنتين فَقَالَ من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم فقد كَانَ سَبَب هَذَا النَّص إسْلَامهمْ إِلَى أجل مَجْهُول ثمَّ لم يخْتَص هَذَا النَّص بذلك السَّبَب
وأمثلة هَذَا كثير فَعرفنَا أَن الْعَام لَا يخْتَص بِسَبَبِهِ
وَمن هَذِه الْجُمْلَة تَخْصِيص الْعَام بغرض الْمُتَكَلّم فَإِن من النَّاس من يَقُول يخْتَص الْكَلَام بِمَا يعلم من غَرَض الْمُتَكَلّم لِأَنَّهُ يظْهر بِكَلَامِهِ غَرَضه فَيجب بِنَاء كَلَامه فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والحقيقة وَالْمجَاز على مَا يعلم من غَرَضه وَيجْعَل ذَلِك الْغَرَض كالمذكور
وعَلى هَذَا قَالُوا الْكَلَام الْمَذْكُور للمدح والذم وَالثنَاء وَالِاسْتِثْنَاء لَا يكون لَهُ عُمُوم لأَنا نعلم أَنه لم يكن غَرَض الْمُتَكَلّم بِهِ الْعُمُوم
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد لِأَنَّهُ ترك مُوجب الصِّيغَة بِمُجَرَّد التشهي وَعمل بالمسكوت فَإِن الْغَرَض مسكوت عَنهُ فَكيف يجوز الْعَمَل بالمسكوت وَترك الْعَمَل بالمنصوص بِاعْتِبَارِهِ وَلَكِن الْعَام يعرف بصيغته فَإِذا وجدت تِلْكَ الصِّيغَة وَأمكن الْعَمَل بحقيقتها يجب الْعَمَل والإمكان قَائِم مَعَ اسْتِعْمَال الصِّيغَة للمدح والذم (فَإِن الْمَدْح الْعَام وَالثنَاء الْعَام من عَادَة أهل اللِّسَان وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاء والذم) وَاعْتِبَار الْغَرَض اعْتِبَار نوع احْتِمَال ولأجله لَا يجوز ترك الْعَمَل بِحَقِيقَة الْكَلَام
وَمن ذَلِك مَا قَالَه بعض الْأَحْدَاث من الْفُقَهَاء إِن الْقُرْآن فِي النّظم يُوجب الْمُسَاوَاة فِي الحكم وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ فَإِن هَذِه جمل قرن بَعْضهَا بِبَعْض بِحرف النّظم وَهُوَ الْوَاو وَقَالُوا يَسْتَوِي حكمهَا فِي الْحَج
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ إِن ذَلِك يُوجب سُقُوط الزَّكَاة عَن الصَّبِي لِأَن الْقرَان فِي النّظم دَلِيل الْمُسَاوَاة فِي الحكم فَلَا تجب الزَّكَاة على من لَا تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد وَهُوَ من جنس الْعَمَل بالمسكوت وَترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ لأَجله فَإِن كلا من الْجمل مَعْلُوم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ فِي وَاو النّظم دَلِيل الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي الحكم إِنَّمَا ذَلِك فِي وَاو الْعَطف وَفرق مَا بَينهمَا أَن وَاو النّظم تدخل بَين جملتين كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تَامَّة بِنَفسِهَا مستغنية عَن خبر الآخر كَقَوْل الرجل جَاءَنِي زيد وَتكلم عَمْرو فَذكر الْوَاو بَينهمَا لحسن النّظم
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء﴾ وَقَالَ بِهِ
[ ١ / ٢٧٣ ]
لَا للْعَطْف تَعَالَى ﴿فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك ويمح الله الْبَاطِل﴾ وَأما وَاو الْعَطف فَإِنَّهُ يدْخل بَين جملتين أَحدهمَا نَاقص وَالْآخر تَامّ بِأَن لَا يكون خبر النَّاقِص مَذْكُورا فَلَا يكون مُفِيدا بِنَفسِهِ وَلَا بُد من جعل الْخَبَر الْمَذْكُور للْأولِ خَبرا للثَّانِيَة حَتَّى يصير مُفِيدا كَقَوْل الرجل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو فَهَذَا الْوَاو للْعَطْف لِأَنَّهُ لم يذكر لعَمْرو خَبرا وَلَا يُمكن جعل (هَذَا) الْخَبَر الأول خَبرا لَهُ إِلَّا بِأَن يَجْعَل الْوَاو للْعَطْف حَتَّى يصير ذَلِك الْخَبَر كالمعاد لِأَن مُوجب الْعَطف الِاشْتِرَاك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْخَبَر فَمن قَالَ بالْقَوْل الأول فقد ذهب إِلَى التَّسْوِيَة بَين وَاو الْعَطف وواو النّظم بِاعْتِبَار أَن الْوَاو فِي أصل اللُّغَة للْعَطْف وَمُوجب الْعَطف الِاشْتِرَاك وَمُطلق الِاشْتِرَاك يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فَذَلِك دَلِيل على أَن الْقرَان فِي النّظم يُوجب الْمُسَاوَاة فِي الحكم
ثمَّ الأَصْل أَنا نفهم من خطاب صَاحب الشَّرْع مَا يتفاهم من المخاطبات بَيْننَا وَمن يَقُول امْرَأَته طَالِق وَعَبده حر إِن دخل الدَّار فَإِنَّهُ يقْصد الِاشْتِرَاك بَين الْمَذْكُورين فِي التَّعْلِيق بِالشّرطِ وَذَلِكَ يفهم من كَلَامه حَتَّى يَجْعَل الْكل مُتَعَلقا بِالشّرطِ وَإِن كَانَ كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ تَاما لكَونه مُبْتَدأ وخبرا مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ فَعَلَيهِ يحمل أَيْضا مُطلق كَلَام صَاحب الشَّرْع
وَلَكنَّا نقُول الْمُشَاركَة فِي الْخَبَر عِنْد وَاو الْعَطف لحَاجَة الْجُمْلَة النَّاقِصَة إِلَى الْخَبَر لَا لعين الْوَاو وَهَذِه الْحَاجة تنعدم فِي وَاو النّظم لِأَن كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ تَامّ بِمَا ذكر لَهُ من الْخَبَر فَكَانَ هَذَا الْوَاو ساكتا عَمَّا يُوجب الْمُشَاركَة فإثبات الْمُشَاركَة بِهِ يكون اسْتِدْلَالا بالمسكوت يُوضحهُ أَنه لَو كَانَت الْمُشَاركَة تثبت بِاعْتِبَار هَذَا الْوَاو لثبتت فِي خبر كل جملَة إِذْ لَيْسَ خبر إِحْدَى الجملتين بذلك بِأولى من الآخر وَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ إِجْمَاع أهل اللِّسَان فَأَما إِذا قَالَ امْرَأَته طَالِق وَعَبده حر إِن دخل الدَّار فَكل وَاحِد مِنْهُمَا تَامّ فِي نَفسه إيقاعا لَا تَعْلِيقا بِالشّرطِ وَالتَّعْلِيق تصرف سوى الْإِيقَاع فَفِيمَا يرجع إِلَى التَّعْلِيق إِحْدَى الجملتين نَاقِصَة فأثبتنا الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي حكم التَّعْلِيق بواو الْعَطف حَتَّى إِذا لم يذكر الشَّرْط وَكَانَ كَلَامه إيقاعا لم تثبت الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي الْخَبَر وَجعل وَاو النّظم مائَة دِينَار وَلفُلَان ألف دِرْهَم إِلَّا عشرَة يَجْعَل الِاسْتِثْنَاء من آخر الْمَالَيْنِ ذكرا لِأَن بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يخرج الْكَلَام من أَن يكون إِقْرَارا وَبِاعْتِبَار الْإِقْرَار كل وَاحِد من الجملتين تَامَّة فَيكون الْوَاو للنظم وينصرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ خَاصَّة
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾
[ ١ / ٢٧٤ ]
لتحسين الْكَلَام بِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل كَمَا بَينا وَلِهَذَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ إِن هَذَا الْوَاو للنظم حَتَّى ينْصَرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى سمة الْفسق دون مَا تقدمه
وَالشَّافِعِيّ يَجْعَل هَذَا الْوَاو للْعَطْف وَالْوَاو الَّذِي فِي قَوْله ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم﴾ للنظم حَتَّى يكون الِاسْتِثْنَاء منصرفا إِلَيْهِمَا دون الْجلد فَلَا يسْقط الْجلد بِالتَّوْبَةِ
وَالصَّحِيح مَا قُلْنَا فَإِن من حَيْثُ الصِّيغَة معنى الْعَطف يتَحَقَّق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ وَلَا يتَحَقَّق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ لِأَن قَول الْقَائِل اجْلِسْ وَلَا تَتَكَلَّم يكون عطفا صَحِيحا فَكَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فاجلدوا﴾
﴿وَلَا تقبلُوا﴾ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خطاب للأئمة فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ لَيْسَ بخطاب للأئمة وَلَكِن إِخْبَار عَن وصف القاذفين فَلَا يصلح مَعْطُوفًا على مَا هُوَ خطاب فجعلناه للنظم وَكَذَلِكَ من حَيْثُ الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ صَالح لِأَن يكون متمما للحد مَعْطُوفًا على الْجلد فَإِن إهدار قَوْله فِي الشَّهَادَات شرعا مؤلم كالجلد وَهَذَا الْأَلَم عِنْد الْعُقَلَاء يزْدَاد على ألم الْجلد فيصلح متمما للحد زاجرا عَن سَببه وَلِهَذَا خُوطِبَ بِهِ الْأَئِمَّة فَإِن إِقَامَة الْحَد إِلَيْهِم فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ فَمَعْنَاه العاصون وَذَلِكَ بَيَان لجريمة الْقَاذِف فَلَا يصلح جَزَاء على الْقَذْف حَتَّى يكون متمما للحد بل الْمَقْصُود بِهِ إِزَالَة إِشْكَال كَانَ يَقع عَسى وَهُوَ أَن الْقَذْف خبر متميل وَرُبمَا يكون حسبَة إِذا كَانَ الرَّامِي صَادِقا وَله أَرْبَعَة من الشُّهُود وَالزَّانِي مصر فَكَانَ يَقع الْإِشْكَال أَنه لما كَانَ سَببا لوُجُوب عُقُوبَة تندرىء بِالشُّبُهَاتِ فأزال الله هَذَا الْإِشْكَال بقوله ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ أَي العاصون بهتك ستر الْعِفَّة من غير فَائِدَة حِين عجزوا عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ ويتبين بِهَذَا التَّحْقِيق أَن الْعَمَل بِالنَّصِّ كَمَا يُوجِبهُ فِيمَا قُلْنَا فَإنَّا جعلنَا الْعَجز عَن إِقَامَة أَرْبَعَة كَمَا هُوَ مُوجب حرف ثمَّ فَإِنَّهُ للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي وَجَعَلنَا الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ للْعَطْف فَكَانَ رد الشَّهَادَة متمما للحد كَمَا هُوَ مُوجب من الشُّهَدَاء
[ ١ / ٢٧٥ ]
مضموما إِلَى الْقَذْف ليتَحَقَّق بهما السَّبَب الْمُوجب للعقوبة وَاو الْعَطف وَجَعَلنَا الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ﴾ للنظم كَمَا هُوَ مُقْتَضى صِيغَة الْكَلَام
وَالشَّافِعِيّ ترك الْعَمَل بِحرف ثمَّ وَجعل نفس الْقَذْف مُوجبا للحد وَجعل الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ للنظم وَفِي قَوْله ﴿وَأُولَئِكَ﴾ للْعَطْف وكل ذَلِك مُخَالف لمقْتَضى صِيغَة الْكَلَام فَكَانَ الصَّحِيح مَا قُلْنَاهُ
وَمن هَذِه الْجُمْلَة حكم الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ فَإِن من النَّاس من يَقُول حِكْمَة حَقِيقَة الْجَمَاعَة فِي حق كل وَاحِد مِمَّن أضيف إِلَيْهِم وَزَعَمُوا أَن حَقِيقَة الْكَلَام هَذَا فَإِن الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة يكون مُضَافا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم وَإِذا كَانَت الصِّيغَة الَّتِي بهَا حصلت الْإِضَافَة صِيغَة الْجَمَاعَة وَبهَا يثبت الحكم فِي كل وَاحِد مِنْهُم مَا هُوَ مُقْتَضى هَذِه الصِّيغَة قولا بِحَقِيقَة الْكَلَام أَلا ترى أَن الْإِضَافَة لَو حصلت بِصِيغَة الْفَرد تثبت فِي كل وَاحِد مِنْهُم الحكم الَّذِي هُوَ مُوجب تِلْكَ الصِّيغَة
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد وَهُوَ من جنس القَوْل بالمسكوت وَلَكِن مُقْتَضى هَذِه الصِّيغَة مُقَابلَة الْآحَاد بالآحاد على مَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ لامرأتين لَهُ إِذا ولدتما وَلدين فأنتما طالقان فَولدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ولدا طلقتا وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ إِذا حضتما حيضتين أَو قَالَ إِذا دخلتما هَاتين الدَّاريْنِ فَدخلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا دَارا فهما طالقان وَلَا يشْتَرط دُخُول كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي الدَّاريْنِ جَمِيعًا وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الْمَعْلُوم من مخاطبات النَّاس فَإِن الرجل يَقُول لبس الْقَوْم ثِيَابهمْ وحلقوا رؤوسهم وركبوا دوابهم وَإِنَّمَا يفهم من ذَلِك أَن كل وَاحِد مِنْهُم لبس ثَوْبه وَركب دَابَّته وَحلق رَأسه وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر وَإِنَّا نرى أقدامنا فِي نعَالهمْ وآنفنا بَين اللحى والحواجب وَالْمرَاد مَا قُلْنَا وَكتاب الله يشْهد بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم واستغشوا ثِيَابهمْ﴾ وَالْمرَاد أَن كل وَاحِد مِنْهُم جعل أُصْبُعه فِي أُذُنه لَا فِي آذان الْجَمَاعَة واستغشى ثَوْبه وَقَالَ تَعَالَى ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وَالْمرَاد فِي حق كل وَاحِدَة مِنْهُمَا قَلبهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَالْمرَاد قطع يَد وَاحِدَة من كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا قطع جَمِيع مَا يُسمى يدا من كل وَاحِد مِنْهُمَا لاتفاقنا على أَن بِالسَّرقَةِ الْوَاحِدَة لَا تقطع إِلَّا يَد وَاحِدَة من السَّارِق وَقد بَينا أَن مُطلق الْكَلَام مَحْمُول على مَا يتفاهمه النَّاس فِي مخاطباتهم فَهُوَ اعْتِبَار الصِّيغَة بِدُونِ الْإِضَافَة وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ الصِّيغَة مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة وَمَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة مُوجب الصِّيغَة حَقِيقَة لَيْسَ مَا ادعوا بل مُوجبه مَا قُلْنَا لِأَن مَا ادعوا يثبت بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة (وَمَا قُلْنَا لَا يثبت بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة) فَعرفنَا أَن حَقِيقَة الْعَمَل بالمنصوص فِيمَا قُلْنَا وَفِيمَا قَالُوا ترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ الْمَنْصُوص وَعمل بالمسكوت فَيكون فَاسِدا
هَذَا بَيَان الطَّرِيق فِيمَا هُوَ فَاسد من وُجُوه الْعَمَل بالمنصوص كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض النَّاس وَقد بَينا الطَّرِيق الصَّحِيح من ذَلِك فِي أول الْبَاب فَمن فهم الطَّرِيقَيْنِ يَتَيَسَّر عَلَيْهِ تَمْيِيز الصَّحِيح من الِاسْتِدْلَال بِجَمِيعِ النُّصُوص وَالْفَاسِد وَإِن خَفِي عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ يخرج بِالتَّأَمُّلِ على مَا بَينا من كل طَرِيق وَالله أعلم
- ﷺ َ - بَاب بَيَان الْحجَّة الشَّرْعِيَّة وأحكامها - ﷺ َ - قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْحجَّة لُغَة اسْم من قَول الْقَائِل حج أَي غلب وَمِنْه يُقَال لج فحج وَيَقُول الرجل حاججته فحججته أَي ألزمته بِالْحجَّةِ فَصَارَ مَغْلُوبًا ثمَّ سميت الْحجَّة فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ يلْزمنَا حق الله تَعَالَى بهَا على وَجه يَنْقَطِع بهَا الْعذر وَيجوز أَن يكون مأخوذا من معنى الرُّجُوع إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْقَائِل يحجون بَيت الزبْرِقَان المزعفرا أَي يرجعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْه حج الْبَيْت فَإِن النَّاس يرجعُونَ إِلَيْهِ معظمين لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا﴾ والمثابة الْمرجع فسميت الْحجَّة لوُجُوب الرُّجُوع إِلَيْهَا من حَيْثُ الْعَمَل بهَا شرعا وَيَسْتَوِي إِن الرُّجُوع إِلَيْهَا بِالْعَمَلِ بهَا وَاجِب شرعا فِي الْوَجْهَيْنِ على مَا نبينه فِي بَاب خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالْبَيِّنَة كالحجة فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة من الْبَيَان وَهُوَ أَن يظْهر للقلب وَجه الْإِلْزَام بهَا سَوَاء كَانَ ظهورا مُوجبا للْعلم أَو دون ذَلِك لِأَن الْعَمَل يجب فِي الْوَجْهَيْنِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات﴾ أَي عَلَامَات ظاهرات كَانَت مُوجبَة
[ ١ / ٢٧٧ ]
للْعلم قطعا أَو كَانَت مُوجبَة للْعَمَل دون الْعلم قطعا لِأَن
والبرهان كَذَلِك فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل اسْتِعْمَال الْحجَّة فِي لِسَان الْفُقَهَاء
وَأما الْآيَة فمعناها لُغَة الْعَلامَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات﴾ وَقَالَ الْقَائِل وَغير آيها الْعَصْر ومطلقها فِي الشَّرِيعَة ينْصَرف إِلَى مَا يُوجب الْعلم قطعا وَلِهَذَا سميت معجزات الرُّسُل آيَات قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تسع آيَات بَيِّنَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاذهبا بِآيَاتِنَا﴾
فَإِن قيل من النَّاس من جحد رِسَالَة الرُّسُل بعد رُؤْيَة المعجزات وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَو كَانَت مُوجبَة للْعلم قطعا لما أنكرها أحد بعد المعاينة قُلْنَا هَذِه الْآيَات لَا توجب الْعلم خَبرا فَإِنَّهَا لَو أوجبت ذَلِك انْعَدم الثَّوَاب وَالْعِقَاب بهَا أصلا وَإِنَّمَا توجب الْعلم بِاعْتِبَار التَّأَمُّل فِيهَا عَن إنصاف لَا عَن تعنت وَمَعَ هَذَا التَّأَمُّل يثبت الْعلم بهَا قطعا وَإِنَّمَا جَحدهَا من جَحدهَا للإعراض عَن هَذَا التَّأَمُّل كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ﴾ وَفِي قَوْله ﴿لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ﴾ وَقد كَانَ فيهم من جحد تعنتا بَعْدَمَا علم يَقِينا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ وَأما الدَّلِيل فَهُوَ فعيل من فَاعل الدّلَالَة بِمَنْزِلَة عليم من عَالم وَمِنْه قَوْلهم يَا دَلِيل المتحيرين أَي هاديهم إِلَى مَا يزِيل الْحيرَة عَنْهُم وَمِنْه سمي دَلِيل الْقَافِلَة أَي هاديهم إِلَى الطَّرِيق فَسُمي باسم فعله وَفِي الشَّرِيعَة هُوَ اسْم لحجة منطق يظْهر بِهِ مَا كَانَ خفِيا فَإِن مَا قدمْنَاهُ يكون مُوجبا تَارَة ومظهرا تَارَة وَالدَّلِيل خَاص لما هُوَ مظهر
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الدُّخان دَلِيل على النَّار وَالْبناء دَلِيل على الْبَانِي عِنْده كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فوجدا فِيهَا﴾ وَلَا نطق
[ ١ / ٢٧٨ ]
هُنَاكَ قُلْنَا إِنَّمَا يُطلق الِاسْم على ذَلِك مجَازًا بِحُصُول معنى الظُّهُور ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض فأقامه﴾ وَقَالَ الْقَائِل وعظتك أَحْدَاث صمت وكل ذَلِك مجَاز
ثمَّ الدَّلِيل مجَازًا كَانَ أَو حَقِيقَة يكون مظْهرا ظهورا مُوجبا للْعلم بِهِ أَو دون ذَلِك
وَالشَّاهِد كالدليل سَوَاء كَانَ مظْهرا على وَجه يثبت الْعلم بِهِ أَو لَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين بِمَنْزِلَة الشَّهَادَات على الْحُقُوق فِي مجَالِس الْحُكَّام
قَالَ ﵁ ثمَّ اعْلَم بِأَن الْأُصُول فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة ثَلَاثَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْأَصْل الرَّابِع وَهُوَ الْقيَاس هُوَ الْمَعْنى المستنبط من هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة
وَهِي تَنْقَسِم قسمَيْنِ قسم مُوجب للْعلم قطعا ومجوز غير مُوجب للْعلم وَإِنَّمَا سميناه مجوزا لِأَنَّهُ يجب الْعَمَل بِهِ وَالْأَصْل أَن الْعَمَل بِغَيْر علم لَا يجوز قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ فسميناه مجوزا بِاعْتِبَار أَنه يجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يكن مُوجبا للْعلم قطعا
فَأَما الْمُوجب للْعلم من الْحجَج الشَّرْعِيَّة أَنْوَاع أَرْبَعَة كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ المسموع مِنْهُ وَالْمَنْقُول عَنهُ بالتواتر وَالْإِجْمَاع
وَالْأَصْل فِي كل ذَلِك لنا السماع من رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أسمعنا مَا أُوحِي إِلَيْهِ من الْقُرْآن بقرَاءَته علينا وَالْمَنْقُول عَنهُ بطرِيق متواتر بِمَنْزِلَة المسموع عَنهُ فِي وُقُوع الْعلم بِهِ على مَا نبينه وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاع فَإِن إِجْمَاع هَذِه الْأمة إِنَّمَا كَانَت حجَّة مُوجبَة للْعلم بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله ﷺ أَن الله تَعَالَى لَا يجمع أمته على الضَّلَالَة وَالسَّمَاع مِنْهُ مُوجب للْعلم لقِيَام الدّلَالَة على أَن الرَّسُول ﵇ يكون مَعْصُوما عَن الْكَذِب وَالْقَوْل بِالْبَاطِلِ
فَهَذَا بَيَان قَوْلنَا إِن الأَصْل فِي ذَلِك كُله السماع من رَسُول ﷺ