وَأما حكم الْمُشْتَرك فالتوقف فِيهِ إِلَى أَن يظْهر المُرَاد بِالْبَيَانِ على اعْتِقَاد أَن مَا هُوَ المُرَاد حق وَيشْتَرط أَن لَا يتْرك طلب المُرَاد بِهِ إِمَّا بِالتَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَة أَو الْوُقُوف على دَلِيل آخر بِهِ يتَبَيَّن المُرَاد لِأَن كَلَام الْحَكِيم لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة وَإِذا كَانَ الْمُشْتَرك
[ ١ / ١٦٢ ]
مَا يحْتَمل مَعَاني على وَجه التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال مَعَ علمنَا أَن المُرَاد وَاحِد مِنْهَا لَا جَمِيعهَا فَإِن الِاشْتِرَاك عبارَة عَن التَّسَاوِي وَذَلِكَ إِمَّا فِي الِاجْتِمَاع فِي التَّنَاوُل أَو فِي احْتِمَال التَّنَاوُل وَقد انْتَفَى معنى التَّسَاوِي فِي التَّنَاوُل فَتعين معنى التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال وَوَجَب اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد لِأَن ذَلِك فَائِدَة كَلَام الْحَكِيم ثمَّ يجب الِاشْتِغَال بِطَلَبِهِ ولطلبه طَرِيقَانِ إِمَّا التَّأَمُّل بالصيغة ليتبين بِهِ المُرَاد أَو طلب دَلِيل آخر يعرف بِهِ المُرَاد وبالوقوف على المُرَاد يَزُول معنى الِاحْتِمَال على التَّسَاوِي فَلهَذَا يجب ذَلِك بِحكم الصِّيغَة الْمُشْتَركَة وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله غصبت من فلَان شَيْئا فَإِن أصل الْإِقْرَار يَصح وَيجب بِهِ حق للْمقر لَهُ على الْمقر إِلَّا أَن فِي اسْم الشَّيْء احْتِمَالا فِي كل مَوْجُود على التَّسَاوِي وَلَكِن بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَة الْكَلَام يعلم أَن مُرَاده المَال لِأَنَّهُ قَالَ غصبت وَحكم الْغَصْب لَا يثبت شرعا إِلَّا فِيمَا هُوَ مَال وَلَكِن لَا يعرف جنس ذَلِك المَال وَلَا مِقْدَاره بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَة الْكَلَام فَيرجع فِيهِ إِلَى بَيَان الْمقر حَتَّى يجْبر على الْبَيَان وَيقبل قَوْله إِذا بَين مَا هُوَ مُحْتَمل
وَأما حكم المؤول فوجوب الْعَمَل بِهِ على حسب وجوب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ إِلَّا أَن وجوب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ ثَابت قطعا وَوُجُوب الْعَمَل بالمؤول ثَابت مَعَ احْتِمَال السَّهْو والغلط فِيهِ فَلَا يكون قطعا بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن طَرِيقه غَالب الرَّأْي وَذَلِكَ لَا يَنْفَكّ عَن احْتِمَال السَّهْو والغلط وَبَيَان هَذَا فِيمَن أَخذ مَاء الْمَطَر فِي إِنَاء فَإِنَّهُ يلْزمه التَّوَضُّؤ بِهِ وَيحكم بِزَوَال الْحَدث بِهِ قطعا وَلَو وجد مَاء فِي مَوضِع فغلب على ظَنّه أَنه طَاهِر يلْزمه التَّوَضُّؤ بِهِ على احْتِمَال السَّهْو والغلط حَتَّى إِذا تبين أَن المَاء نجس يلْزمه إِعَادَة الْوضُوء وَالصَّلَاة وَأكْثر مسَائِل التَّحَرِّي على هَذَا
- ﷺ َ - بَاب أَسمَاء صِيغَة الْخطاب فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاء وأحكامها - ﷺ َ - هَذِه الْأَسْمَاء أَرْبَعَة الظَّاهِر وَالنَّص والمفسر والمحكم وَلها أضداد أَرْبَعَة الْخَفي والمشكل والمجمل والمتشابه
أما الظَّاهِر فَهُوَ مَا يعرف المُرَاد مِنْهُ بِنَفس السماع من غير تَأمل وَهُوَ الَّذِي يسْبق
[ ١ / ١٦٣ ]
إِلَى الْعُقُول والأوهام لظُهُوره مَوْضُوعا فِيمَا هُوَ المُرَاد مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَهَذَا وَنَحْوه ظَاهر يُوقف على المُرَاد مِنْهُ بِسَمَاع الصِّيغَة وَحكمه لُزُوم مُوجبه قطعا عَاما كَانَ أَو خَاصّا
وَأما النَّص فَمَا يزْدَاد وضوحا بِقَرِينَة تقترن بِاللَّفْظِ من الْمُتَكَلّم لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُوجب ذَلِك ظَاهرا بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَة وَزعم بعض الْفُقَهَاء أَن اسْم النَّص لَا يتَنَاوَل إِلَّا الْخَاص وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن اشتقاق هَذِه الْكَلِمَة من قَوْلك نصصت الدَّابَّة إِذا حملتها على سير فَوق السّير الْمُعْتَاد مِنْهَا بِسَبَب باشرته وَمِنْه المنصة فَإِنَّهُ اسْم للعرش الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْعَرُوس فَيَزْدَاد ظهورا بِنَوْع تكلّف فَعرفنَا أَن النَّص مَا يزْدَاد وضوحا لِمَعْنى من الْمُتَكَلّم يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة بِالظَّاهِرِ عَاما كَانَ أَو خَاصّا إِلَّا أَن تِلْكَ الْقَرِينَة لما اخْتصّت بِالنَّصِّ دون الظَّاهِر جعل بَعضهم الِاسْم للخاص فَقَط
وَقَالَ بَعضهم النَّص يكون مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ السِّيَاق لَهُ فَلَا يثبت بِهِ مَا هُوَ مُوجب الظَّاهِر وَلَيْسَ كَذَلِك عندنَا فَإِن الْعبْرَة لعُمُوم الْخطاب لَا لخُصُوص السَّبَب عندنَا على مَا نبينه فَيكون النَّص ظَاهرا لصيغة الْخطاب نصا بِاعْتِبَار الْقَرِينَة الَّتِي كَانَ السِّيَاق لأَجلهَا وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي إِطْلَاق البيع نَص فِي الْفرق بَين البيع والربا بِمَعْنى الْحل وَالْحُرْمَة لِأَن السِّيَاق كَانَ لأَجله لِأَنَّهَا نزلت ردا على الْكَفَرَة فِي دَعوَاهُم الْمُسَاوَاة بَين البيع والربا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ ظَاهر فِي تَجْوِيز نِكَاح مَا يستطيبه الْمَرْء من النِّسَاء نَص فِي بَيَان الْعدَد لِأَن سِيَاق الْآيَة لذَلِك بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ نَص فِي الْأَمر بمراعاة وَقت السّنة عِنْد إِرَادَة الْإِيقَاع لِأَن السِّيَاق كَانَ لأجل ذَلِك ظَاهر فِي الْأَمر بِأَن لَا يزِيد على تَطْلِيقَة وَاحِدَة (فَإِن امْتِثَال هَذِه الصِّيغَة يكون بقوله طلقت وَبِهَذَا اللَّفْظ لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا وَاحِدَة وَالْأَمر مُوجب)
[ ١ / ١٦٤ ]
الِامْتِثَال ظَاهرا فَتبين بِهَذَا أَن مُوجب النَّص مَا هُوَ مُوجب الظَّاهِر وَلكنه يزْدَاد على الظَّاهِر فِيمَا يرجع إِلَى الوضوح وَالْبَيَان بِمَعْنى عرف من مُرَاد الْمُتَكَلّم وَإِنَّمَا يظْهر ذَلِك عِنْد الْمُقَابلَة وَيكون النَّص أولى من الظَّاهِر
وَأما الْمُفَسّر فَهُوَ اسْم للمكشوف الَّذِي يعرف المُرَاد بِهِ مكشوفا على وَجه لَا يبْقى مَعَه احْتِمَال التَّأْوِيل فَيكون فَوق الظَّاهِر وَالنَّص لِأَن احْتِمَال التَّأْوِيل قَائِم فيهمَا مُنْقَطع فِي الْمُفَسّر سَوَاء كَانَ ذَلِك مِمَّا يرجع إِلَى صِيغَة الْكَلَام بِأَن لَا يكون مُحْتملا إِلَّا وَجها وَاحِدًا وَلكنه لُغَة عَرَبِيَّة أَو اسْتِعَارَة دقيقة فَيكون مكشوفا بِبَيَان الصِّيغَة أَو يكون بِقَرِينَة من غير الصِّيغَة فيتبين بِهِ المُرَاد بالصيغة لَا لِمَعْنى من الْمُتَكَلّم فَيَنْقَطِع بِهِ احْتِمَال التَّأْوِيل إِن كَانَ خَاصّا وَاحْتِمَال التَّخْصِيص إِن كَانَ عَاما مِثَاله قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ فَإِن اسْم الْمَلَائِكَة عَام فِيهِ احْتِمَال الْخُصُوص فبقوله ﴿كلهم﴾ يَنْقَطِع هَذَا الِاحْتِمَال وَيبقى احْتِمَال الْجمع والافتراق فبقوله ﴿أَجْمَعُونَ﴾ يَنْقَطِع احْتِمَال تَأْوِيل الِافْتِرَاق وَتبين أَن الْمُفَسّر حكمه زَائِد على حكم النَّص وَالظَّاهِر فَكَانَ ملزما مُوجبه قطعا على وَجه لَا يبْقى فِيهِ احْتِمَال التَّأْوِيل وَلَكِن يبْقى احْتِمَال النّسخ
وَأما الْمُحكم فَهُوَ زَائِد على مَا قُلْنَا بِاعْتِبَار أَنه لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النّسخ والتبديل وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلك بِنَاء مُحكم أَي مَأْمُون الانتقاض وأحكمت الصِّيغَة أَي أمنت نقضهَا وتبديلها وَقيل بل هُوَ مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل أحكمت فلَانا عَن كَذَا أَي رَددته قَالَ الْقَائِل أبني حنيفَة أحكموا سفهاءكم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا أَي امنعوا وَمِنْه حِكْمَة الْفرس لِأَنَّهَا تَمنعهُ من العثار وَالْفساد فالمحكم مُمْتَنع من احْتِمَال التَّأْوِيل وَمن أَن يرد عَلَيْهِ النّسخ والتبديل وَلِهَذَا سمى الله تَعَالَى المحكمات أم الْكتاب أَي الأَصْل الَّذِي يكون الْمرجع إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة الْأُم للْوَلَد فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْهَا وَسميت مَكَّة أم الْقرى لِأَن النَّاس يرجعُونَ إِلَيْهَا لِلْحَجِّ وَفِي آخر الْأَمر نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فقد علم أَن هَذَا (وصف) دَائِم
[ ١ / ١٦٥ ]
والمرجع مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال التَّأْوِيل وَلَا احْتِمَال النّسخ والتبديل وَذَلِكَ لَا يحْتَمل السُّقُوط بِحَال وَإِنَّمَا يظْهر التَّفَاوُت فِي مُوجب هَذِه الْأَسَامِي عِنْد التَّعَارُض وَفَائِدَته ترك الْأَدْنَى بالأعلى وترجيح الْأَقْوَى على الأضعف وَلِهَذَا أَمْثِلَة فِي الْآثَار إِذا تَعَارَضَت نذكرها فِي بَيَان أَقسَام الْأَخْبَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأَمْثَاله من مسَائِل الْفِقْه مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِيمَن تزوج امْرَأَة شهرا فَإِنَّهُ يكون ذَلِك مُتْعَة لَا نِكَاحا لِأَن قَوْله تزوجت نَص للنِّكَاح وَلَكِن احْتِمَال الْمُتْعَة قَائِم فِيهِ وَقَوله شهرا مُفَسّر فِي الْمُتْعَة لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النِّكَاح فَإِن النِّكَاح لَا يحْتَمل التَّوْقِيت بِحَال فَإِذا اجْتمعَا فِي الْكَلَام رجحنا الْمُفَسّر وحملنا النَّص على ذَلِك الْمُفَسّر فَكَانَ مُتْعَة لَا نِكَاحا
وَقَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ الرجل لآخر لي عَلَيْك ألف دِرْهَم فَقَالَ الْحق أَو الصدْق أَو الْيَقِين كَانَ إِقْرَارا وَلَو قَالَ الْبر أَو الصّلاح لَا يكون إِقْرَارا فَإِن قَالَ الْبر الْحق أَو الْبر الصدْق أَو الْبر الْيَقِين كَانَ إِقْرَارا وَلَو قَالَ الصّلاح الْحق أَو الصّلاح الصدْق أَو الصّلاح الْيَقِين يكون ردا لكَلَامه وَلَا يكون إِقْرَارا لِأَن الْحق والصدق وَالْيَقِين صفة للْخَبَر ظَاهرا فَإِذا ذكره فِي مَوضِع الْجَواب كَانَ مَحْمُولا على الْخَبَر الَّذِي هُوَ تَصْدِيق بِاعْتِبَار الظَّاهِر مَعَ احْتِمَال فِيهِ وَهُوَ إِرَادَة ابْتِدَاء الْكَلَام أَي الصدْق أولى بك أَو الْحق أَو الْيَقِين أولى بالاشتغال من دَعْوَى الْبَاطِل فَأَما الْبر فَهُوَ اسْم لجَمِيع أَنْوَاع الْإِحْسَان لَا يخْتَص بالْخبر فَهُوَ وَإِن ذكر فِي مَوضِع الْجَواب يكون بِمَنْزِلَة الْمُجْمل لَا يفهم مِنْهُ الْجَواب عِنْد الِانْفِرَاد فَإِن قرن بِهِ مَا يكون ظَاهره للجواب وَذَلِكَ الصدْق أَو الْحق أَو الْيَقِين حمل ذَلِك الْمُجْمل على هَذَا الْبَيَان الظَّاهِر فَيكون إِقْرَارا فَأَما الصّلاح لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الْخَبَر بل هُوَ مُحكم فِي أَنه ابْتِدَاء كَلَام لَا جَوَاب فَيحمل مَا يقرن بِهِ من الظَّاهِر على هَذَا الْمُحكم وَيجْعَل ذَلِك ردا لكَلَامه وَابْتِدَاء أَمر لَهُ بِاتِّبَاع الصّلاح وَترك دَعْوَى الْبَاطِل
[ ١ / ١٦٦ ]
وَأما الْخَفي فَهُوَ اسْم لما اشْتبهَ مَعْنَاهُ وخفي المُرَاد مِنْهُ بِعَارِض فِي الصِّيغَة يمْنَع نيل المُرَاد بهَا إِلَّا بِالطَّلَبِ مَأْخُوذ من قَوْلهم اختفى فلَان إِذا استتر فِي وَطنه وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُوقف عَلَيْهِ بِعَارِض حِيلَة أحدثه إِلَّا بالمبالغة فِي الطّلب من غير أَن يُبدل نَفسه أَو مَوْضِعه وَهُوَ ضد الظَّاهِر وَقد جعل بَعضهم ضد الظَّاهِر الْمُبْهم وَفَسرهُ بِهَذَا الْمَعْنى أَيْضا مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل ليل بهيم إِذا عَم الظلام فِيهِ كل شَيْء حَتَّى لَا يهتدى فِيهِ إِلَّا بِحَدّ التَّأَمُّل
قَالَ ﵁ وَلَكِنِّي اخْتَرْت الأول لِأَن اسْم الْمُبْهم يتَنَاوَل الْمُطلق لُغَة تَقول الْعَرَب فرس بهيم أَي مُطلق اللَّوْن
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أبهموا مَا أبهم الله تَعَالَى أَي أطْلقُوا مَا أطلق الله تَعَالَى وَلَا تقيدوا الْحُرْمَة فِي أُمَّهَات النِّسَاء بِالدُّخُولِ بالبنات
وَبَيَان مَا ذكرنَا من معنى الْخَفي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي السَّارِق الَّذِي لم يخْتَص باسم آخر سوى السّرقَة يعرف بِهِ خَفِي فِي الطرار والنباش فقد اختصا باسم آخر هُوَ سَبَب سرقتهما يعرفان بِهِ فَاشْتَبَهَ الْأَمر أَن اختصاصهما بِهَذَا الِاسْم لنُقْصَان فِي معنى السّرقَة أَو زِيَادَة فِيهَا وَلأَجل ذَلِك اخْتلف الْعلمَاء
قَالَ أَبُو يُوسُف اخْتِصَاص النباش باسم هُوَ سَبَب سَرقته لَا يدل على نُقْصَان فِي سَرقته كالطرار وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله السّرقَة اسْم لأخذ المَال على وَجه مسارقة عين حافظه مَعَ كَونه قَاصِدا إِلَى حفظه باعتراض غَفلَة لَهُ من نوم أَو غَيره والنباش يسارق عين من عَسى يهجم عَلَيْهِ مِمَّن لَيْسَ بحافظ للكفن وَلَا قَاصد إِلَى حفظه فَهُوَ يبين أَن اخْتِصَاصه بِهَذَا الِاسْم لنُقْصَان فِي معنى السّرقَة وَكَذَلِكَ فِي اسْم السّرقَة مَا ينبىء عَن خطر الْمَسْرُوق بِكَوْنِهِ محرزا مَحْفُوظًا وَفِي اسْم النباش مَا يَنْفِي هَذَا الْمَعْنى بل ينبىء عَن ضِدّه من الهوان وَترك الْإِحْرَاز والتعدية فِي مثل هَذَا لإِيجَاب الْعقُوبَة الَّتِي تدرأ بِالشُّبُهَاتِ بَاطِلَة فَأَما الطرار فاختصاصه بذلك الِاسْم لزِيَادَة حذق ولطف مِنْهُ فِي جِنَايَته فَإِنَّهُ يسارق عين من يكون مُقبلا على الْحِفْظ قَاصِدا لذَلِك بفترة تعتريه فِي لَحْظَة فَذَلِك ينبىء عَن مُبَالغَة فِي جِنَايَة السّرقَة وتعدية الحكم بِمثلِهِ مُسْتَقِيم فِي الْحُدُود لِأَنَّهُ إِثْبَات حكم النَّص بطرِيق الأولى بِمَنْزِلَة حُرْمَة الشتم وَالضَّرْب بِالنَّصِّ الْمحرم للتأفيف
[ ١ / ١٦٧ ]
ثمَّ حكم الْخَفي اعْتِقَاد الحقية فِي المُرَاد وَوُجُوب الطّلب إِلَى أَن يتَبَيَّن المُرَاد وفوقه الْمُشكل وَهُوَ ضد النَّص مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل أشكل على كَذَا أَي دخل فِي أشكاله وَأَمْثَاله كَمَا يُقَال أحرم أَي دخل فِي الْحرم وأشتى أَي دخل فِي الشتَاء وأشأم أَي دخل الشَّام وَهُوَ اسْم لما يشْتَبه المُرَاد مِنْهُ بِدُخُولِهِ فِي أشكاله على وَجه لَا يعرف المُرَاد إِلَّا بِدَلِيل يتَمَيَّز بِهِ من بَين سَائِر الأشكال والمشكل قريب من الْمُجْمل وَلِهَذَا خَفِي على بَعضهم فَقَالُوا الْمُشكل والمجمل سَوَاء وَلَكِن بَينهمَا فرق فالتمييز بَين الأشكال ليوقف على المُرَاد قد يكون بِدَلِيل آخر وَقد يكون بالمبالغة فِي التَّأَمُّل حَتَّى يظْهر بِهِ الرَّاجِح فيتبين بِهِ المُرَاد فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه قريب من الْخَفي وَلكنه فَوْقه فهناك الْحَاجة إِلَى التَّأَمُّل فِي الصِّيغَة وَفِي أشكالها وَحكمه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد ثمَّ الإقبال على الطّلب والتأمل فِيهِ إِلَى أَن يتَبَيَّن المُرَاد فَيعْمل بِهِ
وَأما الْمُجْمل فَهُوَ ضد الْمُفَسّر مَأْخُوذ من الْجُمْلَة وَهُوَ لفظ لَا يفهم المُرَاد مِنْهُ إِلَّا باستفسار من الْمُجْمل وَبَيَان من جِهَته يعرف بِهِ المُرَاد وَذَلِكَ إِمَّا لتوحش فِي معنى الِاسْتِعَارَة أَو فِي صِيغَة عَرَبِيَّة مِمَّا يُسَمِّيه أهل الْأَدَب لُغَة غَرِيبَة والغريب اسْم لمن فَارق وَطنه وَدخل فِي جملَة النَّاس فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُوقف على أَثَره إِلَّا بالاستفسار عَن وَطنه مِمَّن يعلم بِهِ وموجبه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد والتوقف فِيهِ إِلَى أَن يتَبَيَّن بِبَيَان الْمُجْمل ثمَّ استفساره ليبينه بِمَنْزِلَة من ضل عَن الطَّرِيق وَهُوَ يَرْجُو أَن يُدْرِكهُ بالسؤال مِمَّن لَهُ معرفَة بِالطَّرِيقِ أَو بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا ظهر لَهُ مِنْهُ فَيحْتَمل أَن يدْرك بِهِ الطَّرِيق
وَتبين أَن الْمُجْمل فَوق الْمُشكل فَإِن المُرَاد فِي الْمُشكل قَائِم وَالْحَاجة إِلَى تَمْيِيزه من أشكاله وَالْمرَاد فِي الْمُجْمل غير قَائِم وَلَكِن فِيهِ توهم معرفَة المُرَاد بِالْبَيَانِ وَالتَّفْسِير وَذَلِكَ الْبَيَان دَلِيل آخر غير مُتَّصِل بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا أَن يكون لفظ الْمُجْمل فِيهِ غَلَبَة الِاسْتِعْمَال لِمَعْنى فَحِينَئِذٍ يُوقف على المُرَاد بذلك الطَّرِيق بِمَنْزِلَة الْغَرِيب الَّذِي تأهل فِي غير بلدته وَصَارَ مَعْرُوفا فِيهَا فَإِنَّهُ يُوقف على أَثَره بِالطَّلَبِ فِي ذَلِك الْموضع
وَبَيَان مَا ذكرنَا من الْمُجْمل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِنَّهُ مُجمل لِأَن الرِّبَا عبارَة عَن الزِّيَادَة فِي أصل الْوَضع وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد ذَلِك فَإِن البيع مَا شرع إِلَّا للاسترباح وَطلب الزِّيَادَة
[ ١ / ١٦٨ ]
وَلَكِن المُرَاد حُرْمَة البيع بِسَبَب فضل خَال عَن الْعِوَض مَشْرُوط فِي العقد وَذَلِكَ فضل مَال أَو فضل حَال على مَا يعرف فِي مَوْضِعه وَمَعْلُوم أَن بِالتَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَة لَا يعرف هَذَا بل بِدَلِيل آخر فَكَانَ مُجملا فِيمَا هُوَ المُرَاد وَكَذَلِكَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة فهما مجملان لِأَن الصِّيغَة فِي أصل الْوَضع للدُّعَاء والنماء وَلَكِن بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال شرعا فِي أَعمال مَخْصُوصَة يُوقف على المُرَاد بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ
وَأما الْمُتَشَابه فَهُوَ اسْم لما انْقَطع رَجَاء معرفَة المُرَاد مِنْهُ لمن اشْتبهَ فِيهِ عَلَيْهِ وَالْحكم فِيهِ اعْتِقَاد الحقية وَالتَّسْلِيم بترك الطّلب والاشتغال بِالْوُقُوفِ على المُرَاد مِنْهُ سمي متشابها عِنْد بَعضهم لاشتباه الصِّيغَة بهَا وتعارض الْمعَانِي فِيهَا وَهَذَا غير صَحِيح فالحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور من المتشابهات عِنْد أهل التَّفْسِير وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْمَعْنى وَلَكِن معرفَة المُرَاد فِيهِ مَا يشبه لَفظه وَمَا يجوز أَن يُوقف على المُرَاد فِيهِ وَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك لانْقِطَاع احْتِمَال معرفَة المُرَاد فِيهِ وَأَنه لَيْسَ لَهُ مُوجب سوى اعْتِقَاد الحقية فِيهِ وَالتَّسْلِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ فالوقف عندنَا فِي هَذَا الْموضع ثمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ ابْتِدَاء بِحرف الْوَاو لحسن نظم الْكَلَام وَبَيَان أَن الراسخ فِي الْعلم من يُؤمن بالمتشابه وَلَا يشْتَغل بِطَلَب المُرَاد فِيهِ بل يقف فِيهِ مُسلما هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ وَهَذَا لِأَن الْمُؤمنِينَ فريقان مبتلي بالإمعان فِي الطّلب لضرب من الْجَهْل فِيهِ ومبتلي عَن الْوُقُوف فِي الطّلب لكَونه مكرما بِنَوْع من الْعلم
وَمعنى الِابْتِلَاء من هَذَا الْوَجْه رُبمَا يزِيد على معنى الِابْتِلَاء فِي الْوَجْه الأول فَإِن فِي الِابْتِلَاء بِمُجَرَّد الِاعْتِقَاد مَعَ التَّوَقُّف فِي الطّلب بَيَان أَن مُجَرّد الْعقل لَا يُوجب شَيْئا وَلَا يدْفع شَيْئا فَإِنَّهُ يلْزمه اعْتِقَاد الحقية فِيمَا لَا مجَال لعقله فِيهِ ليعرف أَن الحكم لله يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى فِي الِابْتِلَاء بِهَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي فِيهَا تفَاوت يَعْنِي الْمُجْمل والمشكل والخفي فَإِن الْكل لَو كَانَ ظَاهرا جليا بَطل معنى الامتحان ونيل الثَّوَاب بالجهد بِالطَّلَبِ وَلَو كَانَ الْكل مُشكلا خفِيا لم يعلم مِنْهُ شَيْء حَقِيقَة فَأثْبت الشَّرْع هَذَا التَّفَاوُت فِي صِيغَة الْخطاب لتحقيق الْقُلُوب إِلَى محبتهم لحاجتهم إِلَى الرُّجُوع إِلَيْهِم وَالْأَخْذ بقَوْلهمْ والاقتداء بهم
وَبَيَان مَا ذكرنَا من معنى الْمُتَشَابه من مسَائِل الْأُصُول أَن رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فِي الْآخِرَة حق مَعْلُوم ثَابت بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه﴾
[ ١ / ١٦٩ ]
معنى الامتحان وَإِظْهَار فَضِيلَة الراسخين فِي الْعلم وتعظيم حرمتهم وَصرف ﴿يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ ثمَّ هُوَ مَوْجُود بِصفة الْكَمَال وَفِي كَونه مرئيا لنَفسِهِ وَلغيره معنى الْكَمَال إِلَّا أَن الْجِهَة مُمْتَنع فَإِن الله تَعَالَى لَا جِهَة لَهُ فَكَانَ متشابها فِيمَا يرجع إِلَى كَيْفيَّة الرُّؤْيَة والجهة مَعَ كَون أصل الرُّؤْيَة ثَابتا بِالنَّصِّ مَعْلُوما كَرَامَة للْمُؤْمِنين فَإِنَّهُم أهل لهَذِهِ الْكَرَامَة والتشابه فِيمَا يرجع إِلَى الْوَصْف لَا يقْدَح فِي الْعلم بِالْأَصْلِ وَلَا يبطل وَكَذَلِكَ الْوَجْه وَالْيَد على مَا نَص الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن مَعْلُوم وَكَيْفِيَّة ذَلِك من الْمُتَشَابه فَلَا يبطل بِهِ الأَصْل الْمَعْلُوم
والمعتزلة خذلهم الله لاشتباه الْكَيْفِيَّة عَلَيْهِم أَنْكَرُوا الأَصْل فَكَانُوا معطلة بإنكارهم صِفَات الله تَعَالَى وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة نَصرهم الله أثبتوا مَا هُوَ الأَصْل الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ وتوقفوا فِيمَا هُوَ الْمُتَشَابه وَهُوَ الْكَيْفِيَّة فَلم يجوزوا الِاشْتِغَال بِطَلَب ذَلِك كَمَا وصف الله تَعَالَى بِهِ الراسخين فِي الْعلم فَقَالَ ﴿يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾