زعم بعض النَّاس أَن الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِاتِّفَاق فرق الْأمة أهل الْحق وَأهل الضَّلَالَة جَمِيعًا لِأَن الْحجَّة إِجْمَاع الْأمة وَمُطلق اسْم الْأمة يتَنَاوَل الْكل
[ ١ / ٣١٠ ]
فَأَما الْمَذْهَب عندنَا أَن الْحجَّة اتِّفَاق كل عَالم مُجْتَهد مِمَّن هُوَ غير مَنْسُوب إِلَى هوى وَلَا معلن بفسق فِي كل عصر لِأَن حكم الْإِجْمَاع إِنَّمَا يثبت بِاعْتِبَار وصف لَا يثبت إِلَّا بِهَذِهِ الْمعَانِي وَذَلِكَ صفة الوساطة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَهُوَ عبارَة عَن الْخِيَار الْعُدُول المرضيين وَصفَة الشَّهَادَة بقوله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَهْلِيَّة لأَدَاء الشَّهَادَة وَصفَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ يُشِير إِلَى فَرضِيَّة الِاتِّبَاع فِيمَا يأمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ وَإِنَّمَا يفترض اتِّبَاع الْعدْل المرضي فِيمَا يَأْمر بِهِ وثبوته بطرِيق الْكَرَامَة على الدّين والمستحق للكرامات مُطلقًا من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة
فَأَما أهل الْأَهْوَاء فَمن يكفر فِي هَوَاهُ فاسم الْأمة لَا يتَنَاوَلهُ مُطلقًا وَلَا هُوَ مُسْتَحقّ للكرامة الثَّابِتَة للْمُؤْمِنين وَمن يضلل فِي هَوَاهُ إِذا كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى مَا يَعْتَقِدهُ فَهُوَ يتعصب لذَلِك على وَجه يخرج بِهِ إِلَى صفة السَّفه والمجون فَيكون مُتَّهمًا فِي أَمر الدّين لَا مُعْتَبر بقوله فِي إِجْمَاع الْأمة وَلِهَذَا لم يعْتَبر خلاف الروافض فِي إِمَامَة أبي بكر وَلَا خلاف الْخَوَارِج فِي خلَافَة عَليّ
فَإِن كَانَ لَا يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ وَلكنه مَشْهُور بِهِ فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا فِيمَا يضلل هُوَ فِيهِ لَا مُعْتَبر بقوله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يضلل لمُخَالفَته نصا مُوجبا للْعلم فَكل قَول كَانَ بِخِلَاف النَّص فَهُوَ بَاطِل وَفِيمَا سوى ذَلِك يعْتَبر قَوْله وَلَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ مُخَالفَته لِأَنَّهُ من أهل الشَّهَادَة وَلِهَذَا كَانَ مَقْبُول الشَّهَادَة فِي الْأَحْكَام
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِن كَانَ مُتَّهمًا بالهوى وَلكنه غير مظهر لَهُ فَالْجَوَاب هَكَذَا فَأَما إِذا كَانَ مظْهرا لهواه فَإِنَّهُ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن الْمَعْنى الَّذِي لأَجله قبلت شَهَادَته لَا يُوجد هُنَا فَإِنَّهَا تقبل لانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب على مَا قَالَ مُحَمَّد ﵀ قوم عظموا الذُّنُوب حَتَّى جعلوها كفرا لَا يتهمون بِالْكَذِبِ فِي الشَّهَادَة
وَهَذَا يدل على أَنهم لَا يؤتمنون فِي أَحْكَام الشَّرْع وَلَا يعْتَبر قَوْلهم فِيهِ فَإِن الْخَوَارِج هم الَّذين يَقُولُونَ إِن الذَّنب نَفسه كفر وَقد أكفروا أَكثر الصَّحَابَة الَّذين عَلَيْهِم مدَار أَحْكَام الشَّرْع وَإِنَّمَا عرفناها بنقلهم فَكيف يعْتَمد قَول هَؤُلَاءِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَأدنى مَا فِيهِ أَنهم لَا يتعلمون ذَلِك إِذا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ كفر الناقلين
وَلَا مُعْتَبر بقول الْجُهَّال فِي الْأَحْكَام فَأَما من كَانَ محقا فِي اعْتِقَاده
[ ١ / ٣١١ ]
وَلكنه فَاسق فِي تعاطيه فالعراقيون يَقُولُونَ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع أَيْضا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْل لأَدَاء الشَّهَادَة وَلِأَن التَّوَقُّف فِي قَوْله وَاجِب بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يَنْفِي وجوب الِاتِّبَاع
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِذا كَانَ مُعْلنا لفسقه فَكَذَلِك الْجَواب لِأَنَّهُ لما لم يتحرز من إعلان مَا يَعْتَقِدهُ بَاطِلا فَكَذَلِك لَا يتحرز من إعلان قَول يعْتَقد بُطْلَانه بَاطِنا فَأَما إِذا لم يكن مظْهرا للفسق فَإِنَّهُ يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع وَإِن علم فسقه حَتَّى ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ لَا يخرج بِهَذَا من الْأَهْلِيَّة للشَّهَادَة أصلا وَلَا من الْأَهْلِيَّة للكرامة بِسَبَب الدّين أَلا ترى أَنا نقطع القَوْل لمن يَمُوت مُؤمنا مصرا على فسقه أَنه لَا يخلد فِي النَّار فَإِذا كَانَ هُوَ أَهلا للكرامة بِالْجنَّةِ فِي الْآخِرَة فَكَذَلِك فِي الدُّنْيَا بِاعْتِبَار قَوْله فِي الْإِجْمَاع
فَأَما كَونه عَالما مُجْتَهدا فَهُوَ مُعْتَبر فِي الحكم الَّذِي يخْتَص بمعرفته وَالْحَاجة إِلَيْهِ الْعلمَاء وعَلى هَذَا قُلْنَا من يكون متكلما غير عَالم بأصول الْفِقْه والأدلة الشَّرْعِيَّة فِي الْأَحْكَام لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع
هَكَذَا نقل عَن الْكَرْخِي
وَكَذَلِكَ من يكون مُحدثا لَا بصر لَهُ فِي وُجُوه الرَّأْي وطرق المقاييس الشَّرْعِيَّة لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن هَذَا فِيمَا يَبْنِي عَلَيْهِ حكم الشَّرْع بِمَنْزِلَة الْعَاميّ وَلَا يعْتد بقول الْعَاميّ فِي إِجْمَاع عُلَمَاء الْعَصْر لِأَنَّهُ لَا هِدَايَة لَهُ فِي الحكم الْمُحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَجْنُون حَتَّى لَا يعْتد بمخالفته
ثمَّ قَالَ بعض الْعلمَاء الَّذين هم بِالصّفةِ الَّتِي قُلْنَا من أهل الْعَصْر مَا لم يبلغُوا حدا لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم التواطؤ على الْبَاطِل لَا يثبت الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم باتفاقهم أَلا ترى أَن حكم التَّوَاتُر لَا يثبت بخبرهم مَا لم يبلغُوا هَذَا الْحَد فَكَذَلِك حكم الْإِجْمَاع بقَوْلهمْ لِأَن بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت علم الْيَقِين
وَالأَصَح عندنَا أَنهم إِذا كَانُوا جمَاعَة وَاتَّفَقُوا قولا أَو فَتْوَى من الْبَعْض مَعَ سكُوت البَاقِينَ فَإِنَّهُ ينْعَقد الْإِجْمَاع بِهِ وَإِن لم يبلغُوا حد التَّوَاتُر بِخِلَاف الْخَبَر فَإِن ذَلِك مُحْتَمل للصدق وَالْكذب فَلَا بُد من مُرَاعَاة معنى يَنْتَفِي بِهِ تُهْمَة الْكَذِب بكثرتهم أَلا ترى أَن صفة الْعَدَالَة لَا تعْتَبر هُنَاكَ وَهَذَا إِظْهَار حكم ابْتِدَاء لَيْسَ فِيهِ من معنى احْتِمَال تُهْمَة الْكَذِب شَيْء إِنَّمَا فِيهِ توهم الْخَطَأ فَإِذا كَانُوا جمَاعَة فالأمن عَن ذَلِك ثَابت شرعا كَرَامَة لَهُم بِسَبَب الدّين وَصفَة الْعَدَالَة على مَا قَررنَا
[ ١ / ٣١٢ ]
فَإِن قيل لَا يُؤمن على هَؤُلَاءِ إعلان الْفسق أَو الضَّلَالَة أَو الرِّدَّة مثلا بَعْدَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع مِنْهُم فَكيف يُؤمن الْخَطَأ بِاعْتِبَار اجْتِمَاعهم وَعَن هَذَا الْكَلَام جوابان لمشايخنا ﵏ أَحدهمَا أَنا لَا نجوز هَذَا على جَمَاعَتهمْ بَعْدَمَا كَانَ إِجْمَاعهم مُوجبا للْعلم فِي حكم الشَّرْع فَإِن الله تَعَالَى يعصمهم من ذَلِك لِأَن إِجْمَاعهم صَار بِمَنْزِلَة النَّص عَن صَاحب الشَّرِيعَة فَكَمَا أَن الرَّسُول ﷺ كَانَ مَعْصُوما عَن هَذَا نقطع القَوْل بِهِ لِأَن قَوْله مُوجب للْعلم فَكَذَلِك جمَاعَة الْعلمَاء إِذا ثَبت لَهُم هَذِه الدرجَة وَهُوَ أَن قَوْلهم مُوجب للْعلم كَرَامَة بِسَبَب الدّين
وَالثَّانِي أَنه وَإِن تحقق هَذَا مِنْهُم فَإِن الله تَعَالَى يُقيم آخَرين مقامهم ليَكُون الحكم ثَابتا بإجماعهم لِأَن الدّين مَحْفُوظ إِلَى قيام السَّاعَة على مَا قَالَ رَسُول الله ﵇ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله فَمَا يعْتَرض على الْأَوَّلين لَا يُؤثر فِي حكم الْإِجْمَاع لقِيَام أمثالهم مقامهم بِمَنْزِلَة مَوْتهمْ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ لأَنهم صحبوه وسمعوا مِنْهُ علم التَّنْزِيل والتأويل وَأثْنى عَلَيْهِم فِي آثَار مَعْرُوفَة فهم المختصون بِهَذِهِ الْكَرَامَة
وَهَذَا ضَعِيف عندنَا فَإِن النَّبِي ﷺ كَمَا أثنى عَلَيْهِم فقد أثنى على من بعدهمْ فَقَالَ خير النَّاس قَرْني الَّذين أَنا فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَفِي هَذَا بَيَان أَن أهل كل عصر يقومُونَ مقامهم فِي صفة الْخَيْرِيَّة إِذا كَانُوا على مثل اعْتِقَادهم والمعاني الَّتِي بيناها لإِثْبَات هَذَا الحكم بهَا من صفة الوساطة وَالشَّهَادَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَا يخْتَص بِزَمَان وَلَا بِقوم وَثُبُوت هَذَا الحكم بِالْإِجْمَاع لتحقيق بَقَاء حكم الشَّرْع إِلَى قيام السَّاعَة وَذَلِكَ لَا يتم مَا لم يَجْعَل إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة كإجماع الصَّحَابَة ﵃
فَإِن قيل ف أَبُو حنيفَة ﵀ قَالَ بِخِلَاف هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ مَا جَاءَنَا عَن الصَّحَابَة اتبعناهم وَمَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين زاحمناهم
قُلْنَا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ من جملَة التَّابِعين
[ ١ / ٣١٣ ]
فَإِنَّهُ رأى أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أنس بن مَالك وَعبد الله بن أبي أوفى وَأَبُو الطُّفَيْل وَعبد الله بن حَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ ﵃ وَقد كَانَ مِمَّن يجْتَهد فِي عهد التَّابِعين وَيعلم النَّاس حَتَّى نَاظر الشّعبِيّ فِي مَسْأَلَة النّذر بالمعصية فَمَا كَانَ ينْعَقد إِجْمَاعهم بِدُونِ قَوْله فَلهَذَا قَالَ ذَلِك لَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى إِجْمَاع من بعد الصَّحَابَة حجَّة
وَمن النَّاس من يَقُول الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة خَاصَّة لأَنهم أهل حَضْرَة الرَّسُول وَقد بَين رَسُول الله ﵇ خُصُوصِيَّة تِلْكَ الْبقْعَة فِي آثَار فَقَالَ إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها وَقَالَ ﵇ إِن الدَّجَّال لَا يدخلهَا وَقَالَ ﵇ من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء وَقَالَ ﵇ إِن الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَلَكِن مَا قَررنَا من الْمعَانِي لَا يخْتَص بمَكَان دون مَكَان
ثمَّ إِن كَانَ مُرَاد الْقَائِل أَهلهَا الَّذين كَانُوا فِي عهد رَسُول الله ﷺ فَهَذَا لَا يُنَازع فِيهِ أحد وَإِن كَانَ المُرَاد أَهلهَا فِي كل عصر فَهُوَ قَول بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بقْعَة من الْبِقَاع الْيَوْم فِي دَار الْإِسْلَام قوم هم أقل علما وَأظْهر جهلا وَأبْعد عَن أَسبَاب الْخَيْر من الَّذين هم بِالْمَدِينَةِ فَكيف يستجاز القَوْل بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاع فِي أَحْكَام الدّين إِلَّا إِجْمَاعهم وَالْمرَاد بالآثار حَال الْمَدِينَة فِي عهد رَسُول الله ﷺ حِين كَانَت الْهِجْرَة فَرِيضَة كَانَ الْمُسلمُونَ يَجْتَمعُونَ فِيهَا وَأهل الْخبث وَالرِّدَّة لَا يقرونَ فِيهَا وَقد تكون الْبقْعَة محروسة وَإِن كَانَ من يسكنهَا على غير الْحق أَلا ترى أَن مَكَّة كَانَت محروسة عَام الْفِيل مَعَ أَن أَهلهَا كَانُوا مُشْرِكين يَوْمئِذٍ
وَمن النَّاس من يَقُول لَا إِجْمَاع إِلَّا لعترة الرَّسُول لأَنهم المخصوصون بِقرَابَة رَسُول الله ﷺ وَأَسْبَاب الْعِزّ قَالَ ﵇ إِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله وعترتي إِن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدِي وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾
الْمُوجب للْعلم بِاعْتِبَار نُصُوص ومعاني لَا يخْتَص ذَلِك بِأَهْل الْبَيْت وَالنّسب لَيْسَ من ذَلِك فِي شَيْء فالتخصيص بِهِ يكون زِيَادَة كَيفَ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبع﴾
[ ١ / ٣١٤ ]
وَلَكنَّا نقُول أَنْوَاع الْكَرَامَة لأهل الْبَيْت مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَكِن حكم الْإِجْمَاع سَبِيل من أناب إِلَيّ فَكل من كَانَ منيبا إِلَى ربه فَهُوَ دَاخل فِي هَذِه الْآيَة وَهُوَ مُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ كَمَا ذكرنَا من الِاسْتِدْلَال بِهِ