ذكر هِشَام عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله الْفِقْه أَرْبَعَة مَا فِي الْقُرْآن وَمَا أشبهه وَمَا جَاءَت بِهِ السّنة وَمَا أشبههَا وَمَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَمَا أشبهه وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا وَمَا أشبهه
فَفِي هَذَا بَيَان أَن مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْكتاب وَالسّنة فِي كَونه مَقْطُوعًا بِهِ حَتَّى يكفر جاحده
وَهَذَا أقوى مَا يكون من الْإِجْمَاع فَفِي الصَّحَابَة أهل الْمَدِينَة وعترة رَسُول الله ﷺ وَلَا خلاف بَين من يعْتد بقَوْلهمْ إِن هَذَا الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فيكفر جاحده كَمَا يكفر جَاحد مَا ثَبت بِالْكتاب أَو بِخَبَر متواتر
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وتوهم الْخَطَأ لم يَنْعَدِم بإجماعهم أصلا فَإِن رَأْيهمْ لَا يكون فَوق رَأْي رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ الْآيَة فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه قد كَانَ وَقع لرَسُول الله ﷺ الْخَطَأ فِي بعض مَا فعل بِهِ بِرَأْيهِ فَعرفنَا أَنه لَا يُؤمن الْخَطَأ فِي رَأْي دون رَأْيه أصلا قُلْنَا رَسُول الله ﷺ كَانَ مَعْصُوما عَن التَّقْرِير على الْخَطَأ خُصُوصا فِي إِظْهَار أَحْكَام الدّين وَلِهَذَا كَانَ قَوْله مُوجبا علم الْيَقِين واتباعه فرض على الْأمة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي مَوْضِعه (إِن شَاءَ الله تَعَالَى) فَإِذا ثَبت هَذَا فِيمَا ثَبت بتنصيص رَسُول الله ﷺ فَكَذَلِك فِيمَا يثبت بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لَا يبْقى فِيهِ توهم الْخَطَأ بعد إِجْمَاعهم حَتَّى يكفر جاحده
وَقَوله وَمَا أشبهه المُرَاد مِنْهُ أَن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا فِي حَادِثَة على أقاويل فَإِن ذَلِك اتِّفَاق
[ ١ / ٣١٨ ]
مِنْهُم على أَنه لَا قَول سوى مَا ذكرُوا فِيهَا وَأَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم حَتَّى لَيْسَ لأحد بعدهمْ أَن يخترع قولا آخر بِرَأْيهِ وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الصَّحَابَة لما اخْتلفُوا فِي مِقْدَار جعل الْآبِق على أقاويل كَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا مِنْهُم على أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم فَلَيْسَ لأحد بعدهمْ أَن يخترع فِيهِ قولا آخر بِرَأْيهِ إِلَّا أَن هَذَا الْإِجْمَاع دون الأول فِي الحكم لِأَن ثُبُوته بطرِيق الِاسْتِدْلَال وَأَصله مسكوت عَنهُ فَلَا يكفر جاحده مثل هَذَا الْإِجْمَاع
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنكُمْ قُلْتُمْ فِيمَن قَالَ لامْرَأَته اخْتَارِي فَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا وَقعت تَطْلِيقَة بَائِنَة وَإِن اخْتَارَتْ زَوجهَا لم يَقع شَيْء وَقد كَانَت الصَّحَابَة فِيهَا على قَوْلَيْنِ سوى هَذَا ثمَّ اخترعتم قولا ثَالِثا برأيكم قُلْنَا مَا فعلنَا ذَلِك فَإِن الْكَرْخِي ﵀ ذكر مَذْهَبنَا عَن معَاذ بن جبل ﵁ فَلَيْسَ ذَلِك بِخُرُوج عَن أقاويلهم وَفِي قَوْله مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا بَيَان أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة وَلَكِن هَذَا فِي الحكم دون مَا سبق وَهُوَ بِمَنْزِلَة خبر مَشْهُور حَتَّى لَا يكفر جاحده وَلَكِن يجوز النّسخ بِهِ لِأَن بَين من يعْتد بقَوْلهمْ من الْعلمَاء اخْتِلَافا فِيهِ وَدون هَذَا بِدَرَجَة أَيْضا الْإِجْمَاع بعد الِاخْتِلَاف فِي الْحَادِثَة إِذا كَانَت مُخْتَلفا فِيهَا فِي عصر ثمَّ اتّفق أهل عصر آخر بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد قَالَ بعض الْعلمَاء هَذَا لَا يكون إِجْمَاعًا وَعِنْدنَا هُوَ إِجْمَاع وَلكنه بِمَنْزِلَة خبر الْوَاحِد فِي كَونه مُوجبا للْعَمَل غير مُوجب للْعلم
قَالَ ﵁ وَكَانَ شَيخنَا (الإِمَام الْحلْوانِي ﵀) يَقُول هَذَا على قَول مُحَمَّد ﵀ يكون إِجْمَاعًا فَأَما على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله لَا يكون إِجْمَاعًا فَإِن الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عَن مُحَمَّد ﵀ أَن قَضَاء القَاضِي بِجَوَاز بيع أم الْوَلَد بَاطِل وَقد كَانَ هَذَا مُخْتَلفا فِيهِ بَين الصَّحَابَة ثمَّ اتّفق من بعدهمْ على أَنه لَا يجوز بيعهَا فَكَانَ هَذَا قَضَاء بِخِلَاف الْإِجْمَاع عِنْد مُحَمَّد وعَلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله ينفذ قَضَاء القَاضِي بِهِ لشُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول وَلَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ وجود الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول
قَالَ ﵁
[ ١ / ٣١٩ ]
وَالْأَوْجه عِنْدِي أَن هَذَا إِجْمَاع عِنْد أَصْحَابنَا جَمِيعًا للدليل الَّذِي دلّ على أَن إِجْمَاع أهل كل عصر إِجْمَاع مُعْتَبر وَإِنَّمَا ينفذ قَضَاء القَاضِي بِجَوَاز بيعهَا لشُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي أَن مثل هَذَا هَل يكون إِجْمَاعًا فعلى اعْتِبَار هَذِه الشُّبْهَة يكون قَضَاؤُهُ فِي مُجْتَهد فِيهِ فَلهَذَا نفذه أَبُو حنيفَة ﵀
وَجه قَول الْفَرِيق الأول أَن الْحجَّة إِجْمَاع الْأمة وَالَّذِي كَانَ مُخَالفا فِي الصَّدْر الأول من الْأمة وبموته لَا يبطل قَوْله فَلَا يثبت الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله أَلا ترى أَنه لَو بَقِي حَيا إِلَى هَذَا الْوَقْت لم ينْعَقد الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله فَكَذَلِك إِذا كَانَ مَيتا لِأَن اعْتِبَار قَوْله لدليله لَا لِحَيَاتِهِ وَلِأَنَّهُ لَو ثَبت الْإِجْمَاع بعده لوَجَبَ القَوْل بتضليله وَلَا نظن أحدا يَقُول هَذَا لِابْنِ عَبَّاس ﵄ فِي زوج وأبوين وَإِن أَجمعُوا بعده على خلاف قَوْله وَلَا لِابْنِ مَسْعُود ﵁ فِي تَقْدِيم ذَوي الْأَرْحَام على مولى الْعتَاقَة وَإِن أَجمعُوا بعده على خلاف قَوْله وَقد قُلْتُمْ إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت خلية وَنوى ثَلَاثًا ثمَّ وَطئهَا فِي الْعدة وَقَالَ علمت أَنَّهَا عَليّ حرَام لَا يلْزمه الْحَد لِأَن عمر ﵁ كَانَ يَرَاهَا تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة وَقد أَجمعُوا بعده على خلاف ذَلِك وَلِهَذَا صَحَّ نِيَّة الثَّلَاث فِيهِ فَدلَّ أَن الْإِجْمَاع لَا يثبت بِمثل هَذَا
وَجه قَوْلنَا إِن الْمُعْتَبر إِجْمَاع أهل كل عصر لما بَينا أَن الْمَقْصُود كَون أَحْكَام الشَّرْع مَحْفُوظَة وَأَن ثُبُوت هَذَا الحكم بِاعْتِبَار الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَذَلِكَ يخْتَص بِهِ الْأَحْيَاء من أهل الْعَصْر دون من مَاتَ قبلهم فَكَمَا أَن لَا يعْتَبر توهم قَول مِمَّن يَأْتِي بعدهمْ بِخِلَاف قَوْلهم فِي منع ثُبُوت حكم الْإِجْمَاع فَكَذَلِك لَا يعْتَبر قَول وَاحِد كَانَ قبلهم إِذا اجْتَمعُوا فِي عصرهم على خِلَافه وَيجْعَل هَذَا الْإِجْمَاع بِمَنْزِلَة التَّقْدِير من رَسُول الله ﷺ أَن لَو عرض عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمَعْلُوم أَنه لَو عرض عَلَيْهِ فَقَالَ الصَّوَاب هَذَا فَإِنَّهُ تثبت الْحجَّة بِهِ وَلَا يضلل الْقَائِل بِخِلَافِهِ قبل هَذَا التَّنْصِيص فَكَذَلِك هُنَا لَا يضلل الْقَائِل بِخِلَافِهِ قبل هَذَا الْإِجْمَاع أَلا ترى أَن أهل قبَاء كَانُوا يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس بَعْدَمَا نزلت فَرضِيَّة التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة حَتَّى أَتَاهُم آتٍ فَأخْبرهُم واستداروا
[ ١ / ٣٢٠ ]
كَهَيْئَتِهِمْ وَجوز رَسُول الله ﷺ صلَاتهم لِأَن ذَلِك كَانَ قبل الْعلم بِالنَّصِّ النَّاسِخ وَابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ يَقُول بِإِبَاحَة الْمُتْعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى قَول الصَّحَابَة وَيثبت الْإِجْمَاع بِرُجُوعِهِ لَا محَالة وَلم يكن ذَلِك مُوجبا تضليله فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ قبل هَذَا
فَأَما مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت خلية فَإِنَّمَا أسقطنا الْحَد هُنَاكَ بِالْوَطْءِ لَا لِأَن اتِّفَاق أهل الْعَصْر بعد الْخلاف لَيْسَ بِإِجْمَاع وَلَكِن للشُّبْهَة المتمكنة فِي هَذَا الْإِجْمَاع بِسَبَب اخْتِلَاف الْعلمَاء فَإِن الْحَد يسْقط بِأَدْنَى شُبْهَة وَالله أعلم بِالْحَقِيقَةِ
- ﷺ َ - بَاب الْكَلَام فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد وَالْعَمَل بهَا - ﷺ َ - قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار ﵏ خبر الْوَاحِد الْعدْل حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي أَمر الدّين وَلَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين
وَقَالَ بعض من لَا يعْتد بقوله خبر الْوَاحِد لَا يكون حجَّة فِي الدّين أصلا
وَقَالَ بعض أهل الحَدِيث يثبت بِخَبَر الْوَاحِد علم الْيَقِين مِنْهُم من اعْتبر فِيهِ عدد الشَّهَادَة ليَكُون حجَّة وَمِنْهُم من اعْتبر أقْصَى عدد الشَّهَادَة وَهُوَ الْأَرْبَعَة
فَأَما الْفَرِيق الأول استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَإِذا كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم لم يجز اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ بِهَذَا الظَّاهِر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ وَخبر الْوَاحِد إِذا لم يكن مَعْصُوما عَن الْكَذِب (مُحْتَمل للكذب) والغلط فَلَا يكون حَقًا على الْإِطْلَاق وَلَا يجوز القَوْل بِإِيجَاب الْعَمَل بِهِ فِي الدّين وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَمعنى الصدْق فِي خبر الْوَاحِد غير ثَابت إِلَّا بطرِيق الظَّن وَلِأَن خبر الْوَاحِد مُحْتَمل للصدق وَالْكذب وَالنَّص الَّذِي هُوَ مُحْتَمل لَا يكون مُوجبا للْعَمَل بِنَفسِهِ مَعَ أَن كل وَاحِد من المحتملين فِيهِ يجوز أَن يكون شرعا فَلِأَن لَا يجوز الْعَمَل بِمَا هُوَ مُحْتَمل للكذب وَالْكذب بَاطِل أصلا كَانَ أولى
وَلَا يدْخل على مَا ذكرنَا أُمُور الْمُعَامَلَات لِأَن الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حُقُوق الْعباد
[ ١ / ٣٢١ ]
والعباد يعجزون عَن إِظْهَار كل حق لَهُم بطرِيق لَا يبْقى فِيهِ شكّ وشبهة فلأجل الضَّرُورَة جَوَّزنَا الِاعْتِمَاد فِيهَا على خبر الْوَاحِد وَلِهَذَا سقط اعْتِبَار اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِيهِ أَيْضا فَأَما هُنَا الثَّابِت مَا هُوَ حق لله وَالله مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة يتعالى عَن أَن يلْحقهُ ضَرُورَة أَو عجز عَن إِظْهَار حُقُوقه بِمَا لَا يبْقى فِيهِ شكّ وشبهة فَلهَذَا لَا يَجْعَل الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب حجَّة فِيهِ
وعَلى هَذَا تخرج الشَّهَادَات أَيْضا فَإِن الْقيَاس فِيهَا أَن لَا يكون حجَّة مَعَ بَقَاء احْتِمَال الْكَذِب تَرَكْنَاهُ بالنصوص وبالمعنى الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ أَنَّهَا مَشْرُوعَة لإِثْبَات حُقُوق الْعباد وَالْحَاجة إِلَيْهَا تتجدد للعباد فِي كل وَقت وهم يعجزون عَن إِثْبَات كل حق لَهُم بِمَا لَا يكون مُحْتملا وَلِأَن القَوْل بِمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إِلَى أَن يزْدَاد دَرَجَة الْمخبر الَّذِي هُوَ غير مَعْصُوم عَن الْكَذِب على الْمخبر الْمَعْصُوم عَن الْكَذِب يَعْنِي من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَإِن خَبره فِي أول أمره إِنَّمَا كَانَ وَاجِب الْقبُول باقتران المعجزات بِهِ فَمن يَقُول بِأَن خبر غَيره يكون مَقْبُولًا من غير دَلِيل يقْتَرن بِهِ فقد زَاد دَرَجَة هَذَا الْمخبر على دَرَجَة الرَّسُول وَأي قَول أظهر فَسَادًا من هَذَا وَلَا خلاف أَن أصل الدّين كالتوحيد وصفات الله وَإِثْبَات النُّبُوَّة لَا يكون إِلَّا بطرِيق يُوجب الْعلم قطعا وَلَا يكون فِيهِ شكّ وَلَا شُبْهَة فَكَذَلِك فِيمَا يكون من أَمر الدّين
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس﴾ الْآيَة فَفِي هَاتين الْآيَتَيْنِ نهى لكل وَاحِد عَن الكتمان وَأمر بِالْبَيَانِ على مَا هُوَ الحكم فِي الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة أَنه يتَنَاوَل كل وَاحِد مِنْهُم وَلِأَن أَخذ الْمِيثَاق من أصل الدّين وَالْخطاب للْجَمَاعَة بِمَا هُوَ أصل الدّين يتَنَاوَل كل وَاحِد من الْآحَاد وَمن ضَرُورَة توجه الْأَمر بالإظهار على كل وَاحِد أَمر السَّامع بِالْقبُولِ مِنْهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذْ أَمر الشَّرْع لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة حميدة وَلَا فَائِدَة فِي النَّهْي عَن الكتمان وَالْأَمر بِالْبَيَانِ سوى هَذَا
وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْفَاسِق فَإِنَّهُ دَاخل فِي عُمُوم الْأَمر بِالْبَيَانِ ثمَّ لَا يقبل بَيَانه فِي الدّين لِأَنَّهُ مَخْصُوص من هَذَا النَّص بِنَصّ آخر وَهُوَ مَا فِيهِ أَمر بالتوقف فِي خبر الْفَاسِق ثمَّ هُوَ مزجور عَن اكْتِسَاب سَبَب الْفسق مَأْمُور بِالتَّوْبَةِ عَنهُ ثمَّ يَتَرَتَّب الْبَيَان عَلَيْهِ فعلى هَذَا الْوَجْه بَيَانه يُفِيد وجوب القَوْل وَالْعَمَل بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ الْآيَة والفرقة اسْم للثَّلَاثَة فَصَاعِدا فالطائفة من الْفرْقَة
[ ١ / ٣٢٢ ]
بَعْضهَا وَهُوَ الْوَاحِد أَو الِاثْنَان فَفِي أَمر الطَّائِفَة بالتفقه وَالرُّجُوع إِلَى قَومهمْ للإنذار كي يحذروا تنصيص على أَن الْقبُول وَاجِب على السامعين من الطَّائِفَة وَأَنه يلْزمهُم الحذر بإنذار الطَّائِفَة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِالْحجَّةِ وَلَا يُقَال الطَّائِفَة اسْم للْجَمَاعَة لِأَن الْمُتَقَدِّمين اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الطَّائِفَة
قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب هُوَ اسْم للْوَاحِد
وَقَالَ عَطاء اسْم للاثنين
وَقَالَ الزُّهْرِيّ لثَلَاثَة
وَقَالَ الْحسن لعشرة فَيكون هَذَا اتِّفَاقًا مِنْهُم أَن الِاسْم يحْتَمل أَن يتَنَاوَل كل وَاحِد من هَذِه الْأَعْدَاد وَلم يقل أحد بِالزِّيَادَةِ على الْعشْرَة وَمَعْلُوم أَن بِخَبَر الْعشْرَة لَا يَنْتَفِي توهم الْكَذِب وَلَا يخرج من أَن يكون مُحْتملا فَعرفنَا أَنه لَا يشْتَرط لوُجُوب الْعَمَل كَون الْمخبر بِحَيْثُ لَا يبْقى فِي خَبره تُهْمَة الْكَذِب
ثمَّ الْأَصَح مَا قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب فقد قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة﴾ الْوَاحِد فَصَاعِدا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ نقل فِي سَبَب النُّزُول أَنَّهُمَا كَانَا رجلَيْنِ وَفِي سِيَاق الْآيَة مَا يدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فأصلحوا بَينهمَا﴾ وَلم يقل بَينهم وَقَالَ ﴿فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فقد سمي الرجلَيْن طائفتين
فَإِن قيل هَذَا بعيد فَإِن هَاء التَّأْنِيث لَا تلْحق بنعت الْوَاحِد من الذُّكُور
قُلْنَا هَذَا عِنْد ذكر الرجل فَأَما عِنْد ذكر النَّعْت يصلح للفرد من الذُّكُور وَالْإِنَاث فللعرب عَادَة فِي إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث بِهِ وَكتاب الله يشْهد بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء﴾ وَالْمرَاد الْوَاحِد لَا من الْإِنَاث خَاصَّة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾
فَإِن قيل هَذَا خطاب لجَمِيع الطوائف بالإنذار وهم يبلغون حد التَّوَاتُر وَيكون خبرهم مستفيضا مشتهرا
قُلْنَا لَا كَذَلِك فالجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة يتَنَاوَل كل وَاحِد مِنْهُم كَقَوْل الْقَائِل لبس الْقَوْم ثِيَابهمْ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ مَا يدل على مَا قُلْنَا لِأَن الرُّجُوع إِنَّمَا يتَحَقَّق مِمَّن كَانَ خَارِجا من الْقَوْم ثمَّ صَار قادما عَلَيْهِم وإتيان جَمِيع الطوائف إِلَى كل قوم للإنذار لَا يكون رُجُوعا إِلَيْهِم مَعَ أَن هَذَا لَو كَانَ شرطا لبينه رَسُول الله ﷺ لَهُم وكلفهم أَن يفعلوه وَلَو فَعَلُوهُ
[ ١ / ٣٢٣ ]
لاشتهر وَلم ينْقل شَيْء من ذَلِك فِي الْآثَار وَالَّذِي يتَحَقَّق بهم الْإِجْمَاع للدوران للإنذار لَا يَنْقَطِع توهم الْكَذِب عَن خبرهم لبَقَاء احْتِمَال التواطؤ بَينهم فَكَانَ الِاسْتِدْلَال قَائِما وَإِن ساعدناهم على هَذَا التَّأْوِيل
فَإِن قيل عندنَا الرَّاجِع إِلَى كل فريق مَأْمُور بالإنذار بِمَا سَمعه لِقَوْمِهِ وَإِن لم يكن عَلَيْهِم أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ بل الْمَقْصُود أَن يشْتَهر ذَلِك وَعند الاشتهار تَنْتفِي تُهْمَة الْكَذِب فَتَصِير حجَّة حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الْوَاحِد فَإِنَّهُ مَأْمُور بأَدَاء الشَّهَادَة وَإِن كَانَ الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ لَا يجب مَا لم يتم الْعدَد بِشَاهِد آخر وَتظهر الْعَدَالَة بالتزكية
قُلْنَا الشَّاهِد إِذا كَانَ وَحده فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَدَاء الشَّهَادَة لِأَن ذَلِك لَا ينفع الْمُدَّعِي وَرُبمَا يضر بِالشَّاهِدِ فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لوُجُوب الْعَمَل لما وَجب الْإِنْذَار بِمَا سمع ثمَّ لما ثَبت بِالنَّصِّ أَنه مَأْمُور بالإنذار ثَبت أَنه يجب الْقبُول مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بالإنذار ثمَّ كَانَ قَوْله ملزما للسامعين كَيفَ وَقد بَين الله تَعَالَى حكم الْقبُول وَالْعَمَل بِهِ فِي إِشَارَة بقوله ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ أَي لكَي يحذروا عَن الرَّد والامتناع عَن الْعَمَل بعد لُزُوم الْحجَّة إيَّاهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالْأَمر بالحذر لَا يكون إِلَّا بعد توجه الْحجَّة
فَدلَّ أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل وَلِأَن النَّبِي ﵇ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ وَقد بلغ الرسَالَة بِلَا خلاف وَمَعْلُوم يَقِينا أَنه مَا أَتَى كل أحد فَبَلغهُ مشافهة وَلكنه بلغ قوما بِنَفسِهِ وَآخَرين برَسُول أرسل إِلَيْهِم وَآخَرين بِكِتَاب وَكتابه إِلَى مُلُوك الْآفَاق مَشْهُور لَا يُمكن إِنْكَاره فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لما كَانَ مبلغا رسالات ربه بِهَذَا الطَّرِيق إِلَى النَّاس كَافَّة وَقد فتحت الْبلدَانِ النائية على عَهده كاليمن والبحرين وَهُوَ مَا أَتَاهُم بِنَفسِهِ وَلكنه بعث عَاملا إِلَى كل نَاحيَة ليعلمهم الْأَحْكَام على مَا هُوَ سير الْمُلُوك الْيَوْم فِي بعث الْعمَّال إِلَى الْبلدَانِ لأجل أُمُور الدُّنْيَا فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة فِي أُمُور الدّين لما اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حق الَّذين آمنُوا وَكَانُوا بالبعد من
[ ١ / ٣٢٤ ]
حَضرته وَكَذَلِكَ المخدرات فِي بُيُوتهنَّ لم يحضرن مَجْلِسه فِي كل حَادِثَة وَلَكِن أَزوَاجهنَّ كَانُوا يسمعُونَ أَحْكَام الدّين من رَسُول الله ﷺ فيرجعون إلَيْهِنَّ ويعلمونهن فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة لكلفهن رَسُول الله ﷺ الْإِتْيَان إِلَيْهِ للسماع مِنْهُ وَلَو فعل ذَلِك لاشتهر وَلَا يُقَال إِنَّمَا اكْتفى بذلك لِأَن من بَعثه رَسُول الله معلما إِلَى قوم لَا يَقُول لَهُم إِلَّا مَا هُوَ حق صدق فَكَانَ ذَلِك كَرَامَة لرَسُول الله وَلَا يُوجد مثل ذَلِك فِي حق غَيرهم من المخبرين لِأَنَّهُ لَو كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لنقل هَذَا السَّبَب كَرَامَة لَهُم ولأعقابهم أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ حِين خص وَاحِدًا من الصَّحَابَة بِشَيْء اشْتهر ذَلِك بِالنَّقْلِ نَحْو قَوْله فِي حَنْظَلَة ﵁ إِن الْمَلَائِكَة غسلته وَفِي جَعْفَر ﵁ إِن لَهُ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة
ثمَّ كَمَا أَن من بَعثه رَسُول الله ﵇ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ فَكل من سمع شَيْئا فِي أَمر الدّين فَهُوَ خَلِيفَته فِي التَّبْلِيغ مَأْمُور من جِهَته بِالْبَيَانِ كالمبعوث لقَوْله ﵊ أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب وَلقَوْله ﵇ نضر الله امْرأ سمع منا مقَالَة فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى مَا هُوَ أفقه مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَن يثبت ترجح جَانب الصدْق فِي خبر كل عدل أَيْضا كَرَامَة لرَسُول الله ﵇
وَفِي قَوْله (فَرب حَامِل فقه) بَيَان أَن مَا يخبر بِهِ الْوَاحِد فقه وَالْفِقْه فِي الدّين مَا يكون حجَّة ولأنا نعلم أَنه ﵇ كَانَ يَأْكُل الطَّعَام وَمَا كَانَ يزرع بِنَفسِهِ ليتيقن بِصفة الْحل فِيمَا يَأْكُلهُ وَقد كَانَ مَأْمُورا بِأَكْل الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات﴾ وَرُبمَا كَانَ يهدي إِلَيْهِ على مَا رُوِيَ أَن سلمَان ﵁ أهدي إِلَيْهِ طبقًا من رطب وَأَن بَرِيرَة ﵂ كَانَت تهدي إِلَيْهِ وَكَانَ يدعى إِلَى طَعَام فَلَو لم يكن خبر الْوَاحِد حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي حق الله تَعَالَى لما اعْتمد ذَلِك فِيمَا يَأْكُلهُ وَلَا يُقَال كَانَ يعلم من طَرِيق الْوَحْي حل مَا يتَنَاوَلهُ لِأَنَّهُ مَا كَانَ منتظر الْوَحْي عِنْد أكله أَلا ترى أَنه تنَاول لقْمَة من الشَّاة المصلية
[ ١ / ٣٢٥ ]
فَلَمَّا لم يسغها سَأَلَ عَن شَأْنهَا فَأخْبر بذلك فَأمر بالتصدق بهَا وَتَنَاول لقْمَة من الشَّاة المسمومة فَعرفنَا أَنه مَا كَانَ ينْتَظر الْوَحْي عِنْد كل أَكلَة
وَالَّذِي يُؤَيّد مَا قُلْنَا حكم الشَّهَادَات فَإِن الله تَعَالَى أَمر القَاضِي بِالْقضَاءِ بِالشَّهَادَةِ وَمَعْلُوم أَن الِاحْتِمَال يبْقى بعد شَهَادَة شَاهِدين فَلَو كَانَ شَرط وجوب الْعَمَل بالْخبر انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب من كل وَجه لما وَجب على القَاضِي الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء هَذَا الِاحْتِمَال
فَإِن قيل الشَّهَادَات لإِظْهَار حُقُوق الْعباد وَقد بَينا أَن هَذَا الشَّرْط غير مُعْتَبر فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد
قُلْنَا كَمَا يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد عِنْد أَدَاء الشَّهَادَة يجب الْقَضَاء بِمَا هُوَ من حُقُوق الله تَعَالَى كَحَد الشّرْب وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا ثمَّ وجوب الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ من حُقُوق الله تَعَالَى حَتَّى إِذا امْتنع من غير عذر يفسق وَإِذا لم ير ذَلِك أصلا يكفر إِلَّا أَن سَببه حق العَبْد وَبِه لَا يخرج من أَن يكون حَقًا لله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تجب حَقًا لله تَعَالَى بِسَبَب مَال هُوَ حق العَبْد
وَقد يَتَرَتَّب على خبر الْوَاحِد فِي الْمُعَامَلَات مَا هُوَ حق الله تَعَالَى نَحْو الْإِخْبَار بِطَهَارَة المَاء ونجاسته والإخبار بِأَن هَذَا الشَّيْء أهداه إِلَيْك فلَان وَأَن فلَانا وكلني بِبيع هَذَا الشَّيْء فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب على هَذَا كُله مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَهُوَ إِبَاحَة التَّنَاوُل فَإِن الْحل وَالْحُرْمَة من حق الله وَلَا يظنّ بِأحد أَنه لَا يرى الِاعْتِمَاد فِي مثل هَذَا على خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يتَعَذَّر بِهِ على النَّاس الْوُصُول إِلَى حوائجهم أَلا ترى أَنه وَإِن أخبرهُ أَن الْعين ملكه بِبيعِهِ فَمن الْجَائِز أَنه غَاصِب وَإِذا ألجأته الضَّرُورَة إِلَى التَّسْلِيم فِي هَذَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا سواهُ
ويتبين بِهِ فَسَاد اشْتِرَاط انْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب عَن الْخَبَر للْعَمَل بِهِ فِيمَا هُوَ من حق الله تَعَالَى وَبِهَذَا يتَبَيَّن خطأ من زعم أَن هَذَا عمل بِغَيْر علم فَإِنَّهُ عندنَا عمل بِعلم هُوَ ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر وَلكنه غير مَقْطُوع بِهِ وَقد سمى الله تَعَالَى مثله علما فَقَالَ ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك سَمَاعا من مخبر أخْبرهُم بِهِ وَقَالَ ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار غَالب الرَّأْي واعتماد نوع من الظَّاهِر فَدلَّ على أَن مثله علم لَا ظن إِنَّمَا الظَّن عِنْد خبر الْفَاسِق وَلِهَذَا أَمر الله بالتوقف فِي خَبره وَبَين الْمَعْنى فِيهِ بقوله ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾
[ ١ / ٣٢٦ ]
فَيكون ذَلِك بَيَانا أَن من اعْتمد خبر الْعدْل فِي الْعَمَل بِهِ يكون مصيبا بِعلم لَا بِجَهَالَة إِلَّا أَن ذَلِك (علم) بِاعْتِبَار الظَّاهِر لِأَن عَدَالَته ترجح جَانب الصدْق فِي خَبره وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الظَّاهِر يصلح حجَّة للْقَضَاء بِهِ فَلِأَن يصلح حجَّة للْعَمَل بِهِ فِي أَمر الدّين كَانَ أولى لِأَن هَذَا الحكم أسْرع ثبوتا أَلا ترى أَن بِالْقِيَاسِ يثبت وَمَعْلُوم أَن هَذَا الِاحْتِمَال فِي الْقيَاس أظهر وَالْقِيَاس دون خبر الْوَاحِد وَمن لَا يجوز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد هُنَا يفزع إِلَى الْقيَاس فَكيف يَسْتَقِيم ترك الْعَمَل بِمَا هُوَ أقوى لبَقَاء احْتِمَال فِيهِ والفزع إِلَى مَا هُوَ دونه وَهَذَا الِاحْتِمَال فِيهِ أظهر فَإِن قيل هَذَا سَهْو فَإِن الْكَلَام فِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَالْقِيَاس لَا يصلح لنصب الحكم ابْتِدَاء وَإِنَّمَا ذَلِك بِالسَّمَاعِ مِمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَقد كَانَ مَعْصُوما عَن مثل هَذَا الِاحْتِمَال فِي خَبره فَعرفنَا أَنه لَا يثبت الحكم ابْتِدَاء إِلَّا بِخَبَر يضاهي السماع مِنْهُ وَذَلِكَ بِأَن يبلغ حد التَّوَاتُر إِلَّا أَن فِي الْقَضَاء تركنَا هَذَا الشَّرْط لضَرُورَة بِالنَّاسِ فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى إِظْهَار حُقُوقهم بِالْحجَّةِ عِنْد القَاضِي وَلَا يتمكنون من مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حق يجب لبَعْضهِم على بعض
قُلْنَا رَضِينَا بِهَذَا الْكَلَام ونقول حاجتنا إِلَى معرفَة أَحْكَام الدّين وَحُقُوق الله تَعَالَى علينا لنعمل بِهِ مثل حَاجَة من كَانَ فِي زمن رَسُول الله ﷺ بِحَضْرَتِهِ وَكَانُوا يسمعُونَ مِنْهُ وَمَعْلُوم أَن بعد تطاول الزَّمَان لَا يُوجد مثل هَذَا الْخَبَر فِي كل حكم من أَحْكَام الشَّرْع فَوَجَبَ أَن يَجْعَل خبر الْوَاحِد فِيهِ حجَّة للْعَمَل بِاعْتِبَار الظَّاهِر لتحَقّق الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا جعل مثل هَذِه الْحَاجة مُعْتَبرا فِي وجوب الْقَضَاء على القَاضِي بِالشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال مَعَ أَنه لَيْسَ الطَّرِيق مَا قَالُوا فِي بَاب الْقَضَاء فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسمع الْخُصُومَة فِي حُقُوق الْعباد وَيَقْضِي بالشهادات والأيمان وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ أَقْْضِي بِمَا أسمع فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَكَأَنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار وَمَعْلُوم أَن مثل هَذِه الضَّرُورَة مَا كَانَ يتَحَقَّق فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي ينزل عَلَيْهِ وَلَو كَانَ توهم الْكَذِب
[ ١ / ٣٢٧ ]
فِي شَهَادَة الشُّهُود يمْنَع بِثُبُوت الْعلم فِي (حق) الْعَمَل بِشَهَادَتِهِم لما قضى رَسُول الله بِالشَّهَادَةِ قطّ فَإِنَّهُ كَانَ مُتَمَكنًا من الْقَضَاء بِعلم وَذَلِكَ بِأَن ينْتَظر نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ فَمَا كَانَ يجوز لَهُ أَن يقْضِي بِغَيْر علم وَقد نقل قضاياه مَشْهُورا بالشهادات والأيمان فَهُوَ دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا
والْآثَار عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تخفى ذكر مُحَمَّد ﵀ بَعْضهَا فِي الِاسْتِحْسَان وَأورد أَكْثَرهَا عِيسَى بن أبان ﵀ مستدلا بِجَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَلَكنَّا لم نشتغل بهَا لشهرتها ولعلمنا أَن الْخُصُوم يتعنتون فَيَقُولُونَ كَيفَ يحتجون على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بالآحاد من الْأَخْبَار وَهُوَ نفس الْخلاف فَلهَذَا اشتغلنا بالاستدلال بِمَا هُوَ شبه المحسوس فَكَأَن عِيسَى ابْن أبان إِنَّمَا اسْتدلَّ بهَا لكَونهَا مَشْهُورَة فِي حيّز التَّوَاتُر وَلِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ جَائِز فِيمَا لَا نَص فِيهِ ثَبت ذَلِك بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَخبر الْوَاحِد أقوى من الْقيَاس لِأَن الْمَعْمُول بِهِ وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ لَا شُبْهَة فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِاتِّصَال بِهِ وَفِي الْقيَاس الشُّبْهَة وَالِاحْتِمَال فِي الْمَعْنى الْمَعْمُول بِهِ وَالطَّرِيق فيهمَا غَالب الرَّأْي فَكَانَ جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ دَلِيلا على جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالطَّرِيقِ الأولى
يقرره أَن الْعَاميّ إِذا سَأَلَ الْمُفْتِي حادثته فَأفْتى بِشَيْء يلْزمه الْعَمَل بِهِ وَلَو سَأَلَهُ عَن اعْتِقَاده فِي ذَلِك فَأخْبر أَنه مُعْتَقد لما يفتيه بِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْتَمد قَوْله وَفِيه احْتِمَال السَّهْو وَالْكذب وَلَكِن بِاعْتِبَار فقهه يتَرَجَّح جَانب الْإِصَابَة وَبِاعْتِبَار عَدَالَته يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِيهِ فَيجب الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك فِيمَا يخبر بِهِ الْعدْل لِأَن جَانب الصدْق يتَرَجَّح بِظُهُور عَدَالَته وَمَا قَالُوا إِن فِي هَذَا إِثْبَات زِيَادَة دَرَجَة لخَبر غير الْمَعْصُوم على خبر الْمَعْصُوم غلط بَين فَإِن الْحَاجة إِلَى ظُهُور المعجزات لثُبُوت علم الْيَقِين بنبوته وليكون خَبره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا يثبت مثل ذَلِك بِخَبَر مثل هَذَا الْمخبر أَلا ترى أَن الْعَمَل بِخَبَر الْمخبر فِي الْمُعَامَلَات جَائِز عدلا كَانَ أَو فَاسِقًا إِذا وَقع فِي قلب السَّامع أَنه صَادِق وَلَا يكون فِي
[ ١ / ٣٢٨ ]
هَذَا قولا بِزِيَادَة خَبره على خبر الْمَعْصُوم عَن الْكَذِب
وَأما من قَالَ بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم فقد اسْتدلَّ بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ لِمعَاذ حِين وَجهه إِلَى الْيمن ثمَّ أعلمهم أَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِم صَدَقَة فِي أَمْوَالهم وَمرَاده الْإِعْلَام بالإخبار وَأما إِذا لم يكن خبر الْوَاحِد مُوجبا للْعلم للسامع لَا يكون ذَلِك إعلاما وَلِأَن الْعَمَل يجب بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا يجب الْعَمَل إِلَّا بِعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي نبأ الْفَاسِق ﴿أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة﴾ وضد الْجَهَالَة الْعلم وضد الْفسق الْعَدَالَة فَفِي هَذَا بَيَان أَن الْعلم إِنَّمَا لَا يَقع بِخَبَر الْفَاسِق وَأَنه يثبت بِخَبَر الْعدْل
ثمَّ قد يثبت بالآحاد من الْأَخْبَار مَا يكون الحكم فِيهِ الْعلم فَقَط نَحْو عَذَاب الْقَبْر وسؤال مُنكر وَنَكِير ورؤية الله تَعَالَى بالأبصار فِي الْآخِرَة فَبِهَذَا وَنَحْوه يتَبَيَّن أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعلم
وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْقَائِل كَأَنَّهُ خَفِي عَلَيْهِ الْفرق بَين سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب وَبَين علم الْيَقِين فَإِن بَقَاء احْتِمَال الْكَذِب فِي خبر غير الْمَعْصُوم معاين لَا يُمكن إِنْكَاره وَمَعَ الشُّبْهَة وَالِاحْتِمَال لَا يثبت الْيَقِين وَإِنَّمَا يثبت سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب بترجح جَانب الصدْق بِبَعْض الْأَسْبَاب وَقد بَينا فِيمَا سبق أَن علم الْيَقِين لَا يثبت بالمشهور من الْأَخْبَار بِهَذَا الْمَعْنى فَكيف يثبت بِخَبَر الْوَاحِد وطمأنينة الْقلب نوع علم من حَيْثُ الظَّاهِر فَهُوَ المُرَاد بقوله (ثمَّ أعلمهم) وَيجوز الْعَمَل بِاعْتِبَارِهِ كَمَا يجوز الْعَمَل بِمثلِهِ فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد الِاشْتِبَاه وينتفي بِاعْتِبَار مُطلق الْجَهَالَة لِأَنَّهُ يتَرَجَّح جَانب الصدْق بِظُهُور الْعَدَالَة بِخِلَاف خبر الْفَاسِق فَإِنَّهُ يتَحَقَّق فِيهِ الْمُعَارضَة من غير أَن يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ
فَأَما الْآثَار المروية فِي عَذَاب الْقَبْر وَنَحْوهَا فبعضها مَشْهُورَة وَبَعضهَا آحَاد وَهِي توجب عقد الْقلب عَلَيْهِ والابتلاء بِعقد الْقلب على الشَّيْء بِمَنْزِلَة الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ بِهِ أَو أهم فَإِن ذَلِك لَيْسَ من ضرورات الْعلم قَالَ تَعَالَى ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ فَتبين أَنهم تركُوا عقد الْقلب على ثُبُوته بعد الْعلم بِهِ وَفِي هَذَا بَيَان أَن هَذِه الْآثَار لَا تنفك عَن معنى وجوب
[ ١ / ٣٢٩ ]
الْعَمَل بهَا
ويحكى عَن النظام أَن خبر الْوَاحِد عِنْد اقتران بعض الْأَسْبَاب بِهِ مُوجب للْعلم ضَرُورَة
قَالَ أَلا ترى أَن من مر بِبَاب فَرَأى آثَار غسل الْمَيِّت وَسمع عجوزا تخرج من الدَّار وَهِي تَقول مَاتَ فلَان فَإِنَّهُ يعلم مَوته ضَرُورَة بِهَذَا الْخَبَر لاقتران هَذَا السَّبَب بِهِ
قَالَ وَهُوَ علم يحدثه الله تَعَالَى فِي قلب السَّامع بِمَنْزِلَة الْعلم للسامع بِخَبَر التَّوَاتُر إِذْ لَيْسَ فِي التَّوَاتُر إِلَّا مَجْمُوع الْآحَاد وَيجوز القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يحدثه فِي قلب بعض السامعين دون الْبَعْض كَمَا أَنه يحدث الْوَلَد بِبَعْض الْوَطْء دون الْبَعْض
وَهَذَا قَول بَاطِل فَإِن مَا يكون ثَابتا ضَرُورَة لَا يخْتَلف النَّاس فِيهِ بِمَنْزِلَة الْعلم الْوَاقِع بالمعاينة وَالْعلم الْوَاقِع بِخَبَر التَّوَاتُر
ثمَّ فِي هَذَا إبِْطَال أَحْكَام الشَّرْع من الرُّجُوع إِلَى الْبَينَات والأيمان عِنْد تعَارض الدعْوَة وَالْإِنْكَار والمصير إِلَى اللّعان عِنْد قذف الزَّوْج زَوجته فَإِن الْقَرَائِن من أبين الْأَسْبَاب وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون خبر الزَّوْج مُوجبا الْعلم ضَرُورَة فَلَا يجوز للْقَاضِي عِنْد ذَلِك أَن يصير إِلَى اللّعان وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْخُصُومَات يَنْبَغِي أَن ينْتَظر إِلَى أَن يحصل لَهُ علم الضَّرُورَة بِخَبَر المخبرين فَيعْمل بِهِ واقتران المعجزات بأخبار الرُّسُل من أقوى الْأَسْبَاب
ثمَّ الْعلم الْحَاصِل بِالنُّبُوَّةِ يكون كسبيا لَا ضَرُورِيًّا فَكيف يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا لأحد أَن يَقُول إِن بِخَبَر الْوَاحِد يثبت الْعلم الضَّرُورِيّ بِحَال من الْأَحْوَال
فَإِن قيل فقد قُلْتُمْ الْآن إِن من جحد الرسَالَة فَإِنَّمَا جحد بعد الْعلم بهَا فَدلَّ أَن الْعلم الضَّرُورِيّ كَانَ ثَابتا بالْخبر
قُلْنَا إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من قوم متعنتين عرفُوا نعت رَسُول الله ﷺ ونبوته من كِتَابهمْ ثمَّ جَحَدُوا عنادا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ وَلَا يظنّ أحد أَن جَمِيع الْكفَّار كَانُوا عَالمين بذلك ضَرُورَة ثمَّ تواطؤا على الْجُحُود على ذَلِك لِأَن فِي هَذَا القَوْل نفي الْعلم بِخَبَر التَّوَاتُر فَإِن ثُبُوت الْعلم بِهِ بِاعْتِبَار انْتِفَاء تُهْمَة التواطؤ فَكيف يجوز إِثْبَات علم الضَّرُورِيّ عِنْد خبر الْوَاحِد بطرِيق يدل على نفي الْعلم بِخَبَر التَّوَاتُر وبمثله
[ ١ / ٣٣٠ ]
يتَبَيَّن عوار المبطلين وَالله ولي الْمُتَّقِينَ
فَأَما خبر الْمخبر بِالْمَوْتِ إِنَّمَا يُوجب سُكُون النَّفس وطمأنينة الْقلب أَلا ترى أَنه إِذا شككه آخر بقوله اختفى صَاحب الدَّار من السُّلْطَان فأظهر هَذَا تشكك فِيهِ وَلَو كَانَ الثَّابِت لَهُ علما ضَرُورِيًّا لما تشكك فِيهِ بِخَبَر الْوَاحِد
وَأما من شَرط عدد الشَّهَادَة اسْتدلَّ فِيهِ بالنصوص الْوَارِدَة فِي بَاب الشَّهَادَات فَإِن الشَّرْع اعْتبر ذَلِك لثُبُوت الْعلم على وَجه يجب الْعَمَل بِهِ فَعرفنَا أَن بِدُونِ ذَلِك لَا يثبت الْعلم على وَجه يجب الْعَمَل بِهِ فِي خبر متميل بَين الصدْق وَالْكذب
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أَبَا بكر ﵁ حِين شهد عِنْده الْمُغيرَة بن شُعْبَة ﵁ أَن النَّبِي ﵇ أطْعم الْجدّة السُّدس قَالَ ائْتِ بِشَاهِد آخر فَشهد مَعَه مُحَمَّد بن مسلمة ﵁ وَلما روى أَبُو مُوسَى لعمر خبر الاسْتِئْذَان فَقَالَ ائْتِ بِشَاهِد آخر فَشهد مَعَه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵃
وَقَالَ عمر ﵁ فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس ﵂ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَلَا سنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت
وَقَالَ عَليّ ﵁ فِي حَدِيث أبي سِنَان الْأَشْجَعِيّ ﵁ فِي مهر الْمثل مَاذَا نصْنَع بقول أَعْرَابِي بوال على عقبه فِي هَذَا بَيَان أَنهم كَانُوا لَا يقبلُونَ خبر الْوَاحِد وَكَانُوا يعتبرون لطمأنينة الْقلب عدد الشَّهَادَة كَمَا كَانُوا يعتبرون لذَلِك صفة الْعَدَالَة وَمن بَالغ فِي الِاحْتِيَاط فقد اعْتبر أقْصَى عدد الشَّهَادَة لِأَن مَا دون ذَلِك مُحْتَمل وَتَمام الرجحان عِنْد انْقِطَاع الِاحْتِمَال بِحَسب الْإِمْكَان
وَلَكنَّا نستدل بقوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ وَمَعْلُوم أَن هَذَا النَّعْت لكل مُؤمن فَهُوَ تنصيص على أَن قَول كل مُؤمن فِي بَاب الدّين يكون أمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا كَانَ يجب الْعَمَل بِمَا يَأْمر بِهِ من الْمَعْرُوف فاشتراط الْعدَد فِي الْأَمريْنِ يكون زِيَادَة
وَجَمِيع مَا ذكرنَا حجَّة على هَؤُلَاءِ وَلَا حجَّة لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذكرُوا فَإِن هَذِه الْآثَار إِنَّمَا تكون حجَّة لَهُم إِذا أثبتوا النَّقْل فِيهَا من اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ حَتَّى اتَّصل بهم لِأَن
[ ١ / ٣٣١ ]
بِدُونِ ذَلِك لَا تقوم الْحجَّة عِنْدهم وَلَا يتَمَكَّن أحد من إِثْبَات هَذَا فِي شَيْء من أَخْبَار الْآحَاد
ثمَّ إِنَّمَا طلب أَبُو بكر ﵁ شَاهدا آخر من الْمُغيرَة لِأَنَّهُ شكّ فِي خَبره بِاعْتِبَار معنى وقف عَلَيْهِ أَو بِاعْتِبَار أَنه أخبر أَن هَذَا الْقَضَاء من رَسُول الله ﷺ كَانَ بِمحضر من الْجَمَاعَة فَأحب أَن يستثبت لذَلِك
وَكَذَلِكَ عمر ﵁ إِنَّمَا أَمر أَبَا مُوسَى أَن يَأْتِي بِشَاهِد آخر لِأَنَّهُ أخبر بِمَا تعم بِهِ الْبلوى فَيحْتَاج الْخَاص وَالْعَام إِلَى مَعْرفَته فَأحب أَن يستثبته وَلَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر لَكَانَ يقبل حَدِيثه أَيْضا
وَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخنَا ﵏ أَنه لَا يقبل حَدِيثه لَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن فِي الروَاة يَوْمئِذٍ كَثْرَة فَكَانَ لَا تتَحَقَّق الضَّرُورَة فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَمثله لَا يُوجد بعد تطاول الزَّمَان
وَلَكِن الْأَصَح هُوَ الأول وَعَلِيهِ نَص مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الِاسْتِحْسَان فَقَالَ لَو لم يَأْتِ بِشَاهِد آخر لَكَانَ يقبل حَدِيثه أَيْضا أَلا ترى أَنه قبل حَدِيث ضحاك بن سُفْيَان ﵁ فِي تَوْرِيث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا وَقبل حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ فِي الطَّاعُون حِين رَجَعَ من الشَّام وَقبل حَدِيثه أَيْضا فِي أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَلم يطْلب مِنْهُ شَاهدا آخر وَإِنَّمَا لم يقبل حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس لكَونه مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة فَإِن السُّكْنَى لَهَا مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي قَوْله ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم﴾ وَهِي قَالَت وَلم يَجْعَل لي رَسُول الله ﵇ نَفَقَة وَلَا سُكْنى وَإِنَّمَا لم يقبل عَليّ ﵁ حَدِيث أبي سِنَان لمَذْهَب لَهُ كَانَ ينْفَرد بِهِ وَهُوَ أَنه كَانَ لَا يقبل رِوَايَة الْأَعْرَاب وَكَانَ يحلف الرَّاوِي إِذا روى لَهُ حَدِيثا إِلَّا أَبَا بكر الصّديق ﵁ أَلا ترى أَن ابْن مَسْعُود ﵁ لما لم يكن هَذَا من مذْهبه قبل حَدِيث أبي سِنَان وسر بِهِ وَبَاب الشَّهَادَات لَيْسَ نَظِير بَاب الْأَخْبَار بالِاتِّفَاقِ فَفِي الشَّهَادَة كل امْرَأتَيْنِ تقومان مقَام رجل وَاحِد وَفِي الْأَخْبَار الرِّجَال وَالنِّسَاء سَوَاء
وَلَكِن نقُول اشْتِرَاط الْعدَد فِي الشَّهَادَات عَرفْنَاهُ بِالنَّصِّ من غير أَن يعقل فِيهِ معنى فَإِن الْعلم الْحَاصِل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل لَا يزْدَاد بانضمام مثله إِلَيْهِ وَانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب لَا يحصل أَيْضا بنصاب الشَّهَادَة فَعرفنَا أَن ذَلِك مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَالْوَاجِب علينا فِيهِ اتِّبَاع النَّص وَبَاب
[ ١ / ٣٣٢ ]
الْأَخْبَار لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَلا ترى أَنه لَا اخْتِصَاص فِي بَاب الْأَخْبَار بِلَفْظ الشَّهَادَة وَلَا بِمَجْلِس الْقَضَاء وَأَن الشَّهَادَات الْمُوجبَة للْقَضَاء تخْتَص بذلك
وَكَذَلِكَ حكم الْأَخْبَار لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمخبر بِهِ من أَحْكَام الدّين وتختلف باخْتلَاف الْمَشْهُود بِهِ فَيثبت بعض الْأَحْكَام بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَلَا يثبت الْبَعْض وَيثبت الْبَعْض بِشَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة وَقد جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَة خُزَيْمَة ﵁ حجَّة تَامَّة
وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي الْفَصْل الثَّانِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى