قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الممانعة أصل الِاعْتِرَاض على الْعلَّة المؤثرة من حَيْثُ إِن الْخصم الْمُجيب يَدعِي أَن حكم الْحَادِثَة مَا أجَاب بِهِ فَإِذا لم يسلم لَهُ ذَلِك يذكر وَصفا يَدعِي أَنه عِلّة مُوجبَة للْحكم فِي الأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ وَأَن هَذَا الْفَرْع نَظِير ذَلِك الأَصْل فيتعدى ذَلِك الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْفَرْع وَفِي هَذَا الحكم دعويان فَهُوَ أظهر فِي الدَّعْوَى من الأول أَي حكم الْحَادِثَة وَإِن كَانَت المناظرة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع دَعْوَى السَّابِق عرفنَا أَنَّهَا لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع هَذِه الدَّعَاوَى أَيْضا فَيكون هُوَ مُحْتَاجا إِلَى إِثْبَات دعاويه بِالْحجَّةِ والسائل مُنكر فَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى الْمُطَالبَة لإِقَامَة الْحجَّة بِمَنْزِلَة الْمُنكر فِي بَاب الدَّعَاوَى والخصومات وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الشَّرْع ﷺ حَيْثُ قَالَ للْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَة) وبالممانعة يتَبَيَّن العوار وَيظْهر الْمُدَّعِي من الْمُنكر والملزم من الدَّافِع بَعْدَمَا ثَبت شرعا أَن حجَّة أَحدهمَا غير حجَّة الآخر
ثمَّ الممانعة على أَرْبَعَة أوجه ممانعة فِي نفس الْعلَّة وممانعة فِي الْوَصْف الَّذِي يذكر الْمُعَلل أَنه عِلّة وممانعة فِي شَرط صِحَة الْعلَّة أَنه مَوْجُود فِي ذَلِك الْوَصْف وممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم
أما الممانعة فِي نفس الْعلَّة فَكَمَا بَينا أَن كثيرا من الْعِلَل إِذا تَأَمَّلت فِيهَا تكون احتجاجا بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة على الْخصم لإِثْبَات
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الحكم
وَبَيَان هَذَا فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي النِّكَاح أَنه لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال كالحدود وَالْقصاص
وَهَذَا النَّوْع لَا يصلح حجَّة لإِيجَاب الحكم عندنَا على مَا بَينا فَترك الممانعة فِيهِ تكون قبولا من الْخصم مَا لَا يكون حجَّة أصلا وَذَلِكَ دَلِيل الْجَهْل فَكَانَت الممانعة فِي هَذَا الْموضع دَلِيل المفاقهة
وَأما ممانعة الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فبيانه فِيمَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد ﵄ أَن الْإِيدَاع من الصَّبِي تسليط على الِاسْتِهْلَاك فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف لَا بُد أَن يكون مَمْنُوعًا عِنْد الْخصم لِأَن بعد ثُبُوته لَا يبْقى للمنازعة فِي الحكم معنى
وَنَحْو مَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة فِيمَن اشْترى قَرِيبه مَعَ غَيره أَن الْأَجْنَبِيّ رَضِي بِالَّذِي وَقع الْعتْق بِهِ بِعَيْنِه وَنَحْو مَا علل بِهِ عُلَمَاؤُنَا فِي صَوْم يَوْم النَّحْر أَنه مَشْرُوع لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وَالنَّهْي يدل على تحقق الْمَشْرُوع ليتَحَقَّق الِانْتِهَاء عَنهُ كَمَا هُوَ مُوجب النَّهْي فَإِن عِنْد الْخصم مُطلق النَّهْي بِمَنْزِلَة النّسخ حَتَّى يَنْعَدِم بِهِ الْمَشْرُوع أصلا
فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لمن يُرِيد الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة على سَبِيل المفاقهة
وَأما الممانعة فِي الشَّرْط الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ليصير الْوَصْف عِلّة بَيَانه فِيمَا ذكرنَا أَن من الْأَوْصَاف مَا يكون مغيرا حكم الأَصْل وَمن شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم النَّص وَذَلِكَ نَحْو تَعْلِيل الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم فَإِنَّهُ يُغير حكم النَّص لِأَن الحكم فِي نُصُوص الرِّبَا حُرْمَة الْفضل على الْقدر وَثُبُوت الْحُرْمَة إِلَى غَايَة وَهُوَ الْمُسَاوَاة وَالتَّعْلِيل بالطعم يثبت فِي الْمَنْصُوص حُرْمَة فضل لَا على الْقدر وَحُرْمَة مُطلقَة لَا إِلَى غَايَة الْمُسَاوَاة يَعْنِي فِي الحفنة من الْحِنْطَة وَفِيمَا لَا يدْخل تَحت الْقدر من المطعومات الَّتِي هِيَ فرع فِي هَذَا الحكم فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لِأَن الحكم لَا يثبت بِوُجُود ركن الشَّيْء مَعَ انعدام شَرطه
وَأما الممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي يكون بِهِ الْوَصْف عِلّة مُوجبَة للْحكم شرعا فَهُوَ الْمُطَالبَة بِبَيَان التَّأْثِير لما بَينا أَن الْعلَّة بِهِ تصير مُوجبَة للْحكم شرعا وَهِي الْحِكْمَة الْبَاطِنَة الَّتِي يعبر عَنْهَا بالفقه
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَالْحَاصِل أَن فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار يعْتَبر الْمَعْنى دون الصُّورَة فقد يكون الْمَرْء مُدعيًا صُورَة وَهُوَ مُنكر معنى أَلا ترى أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة يكون مُنْكرا للضَّمَان معنى وَلِهَذَا كَانَ القَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين وَإِنَّمَا جعل الشَّرْع الْيَمين فِي جَانب الْمُنكر
وَالْبكْر إِذا قَالَت بَلغنِي النِّكَاح فَرددت وَقَالَ الزَّوْج بل سكتت فَالْقَوْل قَوْلهَا عندنَا وَهِي فِي الصُّورَة تَدعِي الرَّد وَلكنهَا تنكر ثُبُوت ملك النِّكَاح عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى فَكَانَت مُنكرَة لَا مدعية
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف ﵄ إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي الثّمن بعد هَلَاك السّلْعَة فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَهُوَ فِي الصُّورَة يَدعِي بيعا بِأَقَلّ الثمنين وَلكنه فِي الْمَعْنى مُنكر للزِّيَادَة الَّتِي يدعيها البَائِع فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْمَعْنى فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار دون الصُّورَة
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول هَذِه الْوُجُوه من الممانعة تكون إنكارا من السَّائِل فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى إِثْبَات إِنْكَاره بِالْحجَّةِ واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَقَوله إِن الحكم فِي الأَصْل مَا تعلق بِهَذَا الْوَصْف فَقَط بل بِهِ وبقرينة أُخْرَى يكون إنكارا صَحِيحا من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن كَانَ دَعْوَى من حَيْثُ الصُّورَة لِأَن الحكم الْمُتَعَلّق بعلة ذَات وصفين لَا يثبت بِوُجُود أحد الوصفين
وَذَلِكَ نَحْو مَا يُعلل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهَا يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة فيتعدى الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْغمُوس
فَإنَّا نقُول الحكم فِي الأَصْل ثَبت بِهَذَا الْوَصْف مَعَ قرينَة وَهُوَ توهم الْبر فِيهَا فَيكون هَذَا منعا لما ادَّعَاهُ الْخصم والخصم هُوَ الْمُحْتَاج إِلَى إِثْبَات دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ
فَأَما قَول السَّائِل لَيْسَ الْمَعْنى فِي الأَصْل مَا قلت وَإِنَّمَا الْمَعْنى فِيهِ كَذَا هُوَ إِنْكَار صُورَة وَلكنه من حَيْثُ الْمَعْنى دَعْوَى وَهُوَ دَعْوَى غير مُفِيد فِي مَوضِع النزاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يَقُول فِي مَوضِع النزاع لتقرير ذَلِك الْمَعْنى سوى أَن هَذَا الْمَعْنى مَعْدُوم فِي مَوضِع النزاع وَعدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم وَإِن كَانَ هَذَا يصلح للترجيح بِهِ من وَجه على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٢ / ٢٣٧ ]