وَقد بَينا تَفْسِير الْمُعَارضَة فِيمَا مضى وَهَذَا الْفَصْل لبَيَان أقسامها وتمييز الْفَاسِد من الصَّحِيح مِنْهَا فَيَقُول
الْمُعَارضَة نَوْعَانِ نوع فِي عِلّة الأَصْل وَنَوع فِي حكم الْفَرْع فالذى فِي حكم الْفَرْع على خَمْسَة أوجه مُعَارضَة بالتنصيص على خلاف حكم الْعلَّة فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه ومعارضة بتغيير هُوَ تَفْسِير لذَلِك الحكم على وَجه التَّقْرِير لَهُ ومعارضة بتغيير فِيهِ إجلال بِموضع الْخلاف ومعارضة فِيهَا نفى مَا لم يُثبتهُ الْمُعَلل أَو إِثْبَات مَا لم ينفه الْمُعَلل وَلكنه يتَّصل بِموضع التَّعْلِيل ومعارضة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الذى أثبت الْمُعَلل الحكم فِيهِ بعلته
والذى فِي عِلّة الأَصْل أَنْوَاع ثَلَاثَة مُعَارضَة بِذكر عِلّة فِي الأَصْل لَا تتعدى إِلَى فرع ومعارضة بِذكر عِلّة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُتَّفق عَلَيْهِ ومعارضة بعلة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُخْتَلف فِيهِ
وَبَيَان الْوَجْه الأول من الْأَوْجه الْخَمْسَة فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِن الْخصم يَقُول ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كالمغسول وَنحن نعارضه بقولنَا مسح فِي الطَّهَارَة فَلَا يسن تثليثه كالمسح بالخف فَهَذِهِ مُعَارضَة صَحِيحه لما فِيهَا من التَّنْصِيص على خلاف حكم علته فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه
وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي فِي هَذَا الْموضع أَيْضا فَإنَّا نقُول ركن فِي الْوضُوء فَبعد الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض فِي مَحل الْفَرِيضَة لَا يسن تثليثه كَمَا فِي المغسولات
فَهَذِهِ مُعَارضَة بتغيير هُوَ تَفْسِير للْحكم فِي تَقْرِيره
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وَهَذَانِ وَجْهَان صَحِيحَانِ فِي الْمُعَارضَة المحوجة إِلَى التَّرْجِيح لِأَن عِنْد صِحَة الْمُعَارضَة يُصَار إِلَى التَّرْجِيح
وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث فِيمَا يُعلل بِهِ فِي غير الْأَب وَالْجد هَل تثبت لَهُم ولَايَة التَّزْوِيج على الصَّغِيرَة فَنَقُول إِنَّهَا صَغِيرَة فَتثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج كالتى لَهَا أَب وهم يعارضون وَيَقُولُونَ هَذِه صَغِيرَة فَلَا تثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج للْأَخ كالتى لَهَا أَب فَتكون هَذِه مُعَارضَة بتغيير فِيهِ إخلال بِموضع النزاع لِأَن مَوضِع النزاع ثُبُوت ولَايَة التَّزْوِيج على الْيَتِيمَة لَا تعْيين الولى المزوج لَهَا وَهُوَ فِي معارضته علل لنفى الْولَايَة بشخص بِعَيْنِه وَلكنه يَقُول إِن مَوضِع النزاع إِثْبَات الْولَايَة للأقارب سوى الْأَب وَالْجد على الصَّغِيرَة وأقربهم الْأَخ فَنحْن بِهَذِهِ الْمُعَارضَة ننفى ولَايَة الْأَخ عَنْهَا ثمَّ ولَايَة من وَرَاء الْأَخ منتفية عَنْهَا بالأخ فَمن هَذَا الْوَجْه يظْهر معنى الصِّحَّة فِي هَذِه الْمُعَارضَة وَإِن لم يكن قَوِيا
وَبَيَان الْوَجْه الرَّابِع فِيمَا ذكرنَا فِي النَّوْع الثَّانِي من الْعَكْس وَذَلِكَ فِيمَا يُعلل بِهِ فِي مَسْأَلَة الْكَافِر يشترى عبدا مُسلما إِنَّه مَال يملك الْكَافِر بَيْعه فَيملك شِرَاءَهُ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَيَقُولُونَ وَجب أَن يستوى حكم شِرَائِهِ ابْتِدَاء وَحكم استدامه الْملك فِيهِ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَنَقُول فِي هَذِه الْمُعَارضَة إِثْبَات مَا لم يَنْفَعهُ بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ التَّسْوِيَة بَين أصل الشِّرَاء وَبَين اسْتِدَامَة الْملك فَلَا تكون مُتَّصِلَة بِموضع النزاع إِلَّا بعد الْبناء بِإِثْبَات التَّسْوِيَة بَين الإستدامة وَابْتِدَاء الشِّرَاء وَلَيْسَ للسَّائِل هَذَا الْبناء فَلم تكن هَذِه الْمُعَارضَة صَحِيحه بطرِيق النّظر وَإِن كَانَ يظْهر فِيهَا معنى الصِّحَّة عِنْد إِثْبَات التَّسْوِيَة بَينهمَا
وَبَيَان الْوَجْه الْخَامِس فِيمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة ﵁ فِي الْمَرْأَة إِذا نعى إِلَيْهَا زَوجهَا فاعتدت وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر وَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا ثمَّ جَاءَ الزَّوْج الأول حَيا فَإِن نسب الْأَوْلَاد يثبت من الأول لِأَنَّهُ صَاحب فرَاش صَحِيح عَلَيْهَا وَثُبُوت النّسَب بِاعْتِبَار الْفراش وهما يعارضان بِأَن الثَّانِي صَاحب فرَاش حَاضر وَمَعَ صفة الْفساد يثبت النّسَب من صَاحب الْفراش
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الْحَاضِر كَمَا لَو تزوج امْرَأَة بِغَيْر شُهُود وَدخل بهَا فَهَذِهِ مُعَارضَة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الَّذِي وَقع التَّعْلِيل إِذْ الْفَاسِد غير الصَّحِيح وَالْكَلَام فِي أَن النّسَب بَعْدَمَا صَار مُسْتَحقّا بِثُبُوتِهِ لشخص هَل هُوَ يجوز أَن يثبت لغيره بِاعْتِبَار فرَاشه فَإِن الأول بفراشه السَّابِق يصير مُسْتَحقّا نسب أَوْلَادهَا مَا بَقِي فراشها فَيَقَع الْكَلَام بعد هَذَا فِي التَّرْجِيح أَن أصل الْفراش للثَّانِي بِاعْتِبَار كَونه حَاضرا وَكَونه صَاحب المَاء هَل يتَرَجَّح على الْفراش الصَّحِيح الَّذِي للْغَائِب حَتَّى ينتسخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بفراشه أم لَا وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا لَا يكون صَالحا للترجيح لِأَن الشَّيْء لَا ينسخه إِلَّا مَا هُوَ مثله أَو فَوْقه وَالْفَاسِد من الْفراش مَعَ هَذِه الْقَرَائِن لَا يكون مثلا للصحيح فَلَا ينْسَخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بِالصَّحِيحِ وَبَعْدَمَا صَار النّسَب مُسْتَحقّا لزيد لَا يُمكن إثْبَاته لعَمْرو بِوَجْه مَا وَالنِّكَاح بِغَيْر شُهُود لَيْسَ من هَذَا الْمحل فِي شَيْء فَعرفنَا أَنه مُعَارضَة فِي غير مَحل الحكم
فَأَما وُجُوه الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل فَهِيَ فَاسِدَة كلهَا لما بَينا أَن ذكر عِلّة أُخْرَى فِي الأَصْل لَا يبْقى تَعْلِيله بِمَا ذكره الْمُعَلل لجَوَاز أَن يكون فِي الأَصْل وصفان فيتعدى الحكم بِأحد الوصفين إِلَى الْفُرُوع دون الآخر ثمَّ إِن كَانَ الْوَصْف الَّذِي يذكرهُ الْمعَارض لَا يتَعَدَّى إِلَى فرع فَهُوَ فَاسد لما بَينا أَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَمَا لَا يُفِيد حكمه أصلا يكون فَاسِدا من التَّعْلِيل فَإِن كَانَ يتَعَدَّى إِلَى فرع فَلَا اتِّصَال لَهُ بِموضع النزاع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه تنعدم تِلْكَ الْعلَّة فِي هَذَا الْموضع وَقد بَينا أَن عدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم فَعرفنَا أَنه لَا اتِّصَال لتِلْك الْعلَّة بِموضع النزاع فِي النَّفْي وَلَا فِي الْإِثْبَات وَكَذَلِكَ إِن كَانَت تتعدى إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ فالمتعدية إِلَى فرع مجمع عَلَيْهِ تكون أقوى من المتعدية إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ وَلما تبين فَسَاد تِلْكَ تبين فَسَاد هَذَا بطرِيق الأولى
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَمن النَّاس من يزْعم أَن هَذِه مُعَارضَة حَسَنَة فِيهَا معنى الممانعة لِأَن بِالْإِجْمَاع عِلّة الحكم أحد الوصفين لَا كِلَاهُمَا فَإِذا ظَهرت صِحَة عِلّة السَّائِل بِظُهُور حكمهَا وَهُوَ التَّعْدِيَة يتَبَيَّن فَسَاد الْعلَّة الْأُخْرَى
بَيَانه أَنا نقُول فِي تَعْلِيل الْحِنْطَة إِنَّه بَاعَ مَكِيلًا بمكيل من جنسه مُتَفَاضلا ثمَّ تعدى الحكم بهَا إِلَى الحص وَغَيره
والخصم يُعَارض فَيَقُول بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه مُتَفَاضلا لتعدي الحكم بِهِ إِلَى المطعومات الَّتِي هِيَ غير مقدرَة كالتفاح وَنَحْوهَا وَقد ثَبت بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ أَن عِلّة الحكم أَحدهمَا فَإِذا ثَبت صِحَة مَا ادَّعَاهُ أَحدهمَا عِلّة انْتَفَى الآخر بِالْإِجْمَاع فَكَانَت فِي هَذِه الْمُعَارضَة ممانعة من هَذَا الْوَجْه
وَلَكنَّا نقُول لَا تنَافِي بَين العلتين ذاتا لجَوَاز أَن يعلق الحكم بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَمن أنكر صِحَة مَا ادَّعَاهُ خَصمه من الْعلَّة لَا يفْسد ذَلِك بِمُجَرَّد تَصْحِيح علته بل بِذكر معنى مُفسد فِي عِلّة خَصمه كَمَا أَنه لَا يثبت وَجه صِحَة علته بإفساد عِلّة خَصمه بل بِمَعْنى هُوَ دَلِيل الصِّحَّة فِي علته فَعرفنَا أَن هَذِه الْمُعَارضَة فَاسِدَة أَيْضا
ثمَّ السَّبِيل فِي كل كَلَام يذكرهُ أهل الطَّرْد على سَبِيل الْمُفَارقَة إِذا كَانَ فَقِيها أَن يذكرهُ على وَجه الممانعة فَيكون ذَلِك فقها صَحِيحا من السَّائِل على حد الْإِنْكَار لَا بُد من قبُوله مِنْهُ
وَبَيَان ذَلِك أَن الْخصم يَقُول فِي عتق الرَّهْن إِن هَذَا تصرف من الرَّاهِن مُبْطل لحق الْمُرْتَهن عَن الْمَرْهُون فَلَا ينفذ بِغَيْر رِضَاهُ كَالْبيع وَالْفرق لنا بَين هَذَا وَبَين البيع أَن ذَاك يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه فَيمكن القَوْل بانعقاده على وَجه يتَمَكَّن الْمُرْتَهن من فَسخه وَالْعِتْق لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يلغي أصل الْعتْق وَلَا نسلم لَهُ هَذَا الحكم فِي الأَصْل ثمَّ من شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم الأَصْل فَإِن كَانَ هُوَ بِالتَّعْلِيلِ يُغير حكم الأَصْل فَيجْعَل الحكم فِيهِ الإلغاء دون الِانْعِقَاد على وَجه التَّوَقُّف منعناه من التَّعْلِيل لِأَنَّهُ يَنْعَدِم بِهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل وَإِن أثبت بِهِ حكم الأَصْل وَهُوَ امْتنَاع اللُّزُوم بعد الِانْعِقَاد فِي مَحَله لمراعاة حق الْمُرْتَهن فَهَذَا لَا تصور لَهُ فِيمَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَكَذَلِكَ إِن رده على إِعْتَاق الْمَرِيض فَإِن ذَلِك عندنَا لَيْسَ يَلْغُو
[ ٢ / ٢٤٥ ]
فَإِن كَانَ يُعلل لإلغاء الْعتْق من الرَّاهِن فَهَذَا تَعْلِيل يتَغَيَّر بِهِ حكم الأَصْل وَذَلِكَ غير صَحِيح عندنَا فنمنعه بِهَذَا الطَّرِيق وعَلى الْوَجْه الذى هُوَ حكم الأَصْل وَهُوَ تَأْخِير تَنْفِيذ الْوَصِيَّة عَن قَضَاء الدّين لَا يُمكنهُ إثْبَاته بِهَذَا التَّعْلِيل فِي الْفَرْع فَكَانَت الممانعة صَحِيحَة بِهَذَا الطَّرِيق
وَكَذَلِكَ تَعْلِيل الْخصم فِي قتل الْعمد بِأَنَّهُ قتل آدمى مَضْمُون فَيكون مُوجبا لِلْمَالِ كالخطأ فَإِن الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لأهل الطَّرْد أَن فِي الْخَطَأ لَا يُمكن إِيجَاب مثل الْمُتْلف من جنسه وَهنا الْمثل من جنسه وَاجِب وَالْأولَى أَن يَقُول فِي الأَصْل المَال إِنَّمَا يجب حلفا عَمَّا هُوَ الأَصْل لفَوَات الأَصْل وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يُوجب المَال فِي الْفَرْع أصلا فَيكون فِي هَذَا التَّعْلِيل يعرض بِحكم الأَصْل بالتغيير وَشرط صِحَة التَّعْلِيل أَن لَا يكون متعرضا لحكم الأَصْل فنمنعه من التَّعْلِيل بِهَذَا الطَّرِيق حَتَّى يكون كلَاما من السَّائِل على حد الْإِنْكَار صَحِيحا