قَالَ ﵁ الممانعة على هَذَا الطَّرِيق على أَرْبَعَة أوجه إِحْدَاهَا فِي الْوَصْف وَالثَّانيَِة فِي صَلَاحِية الْوَصْف للْحكم وَالثَّالِثَة فِي الحكم وَالرَّابِعَة فِي إِضَافَة الحكم إِلَى الْوَصْف وَهَذَا لِأَن شَرط صِحَة الْعلَّة عِنْد أَصْحَاب الطَّرْد كَون الْوَصْف صَالحا للْحكم ظَاهرا وَتَعْلِيق الحكم بِهِ وجودا وعدما
أما بَيَان النَّوْع الأول فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي فِي الْكَفَّارَة على من أفطر بِالْأَكْلِ وَالشرب قَالَ هَذِه عُقُوبَة تتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ فَلَا تتَعَلَّق بِغَيْر الْجِمَاع كالرجم
لأَنا لَا نسلم أَن الْكَفَّارَة تتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ وَإِنَّمَا تتَعَلَّق بالإفطار على وَجه يكون جِنَايَة متكاملة وَعند هَذَا الْمَنْع يضْطَر إِلَى بَيَان حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن السَّبَب الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ الْفطر على وَجه تتكامل بِهِ الْجِنَايَة أَو الْجِمَاع المعدم للصَّوْم وَإِذا ثَبت أَن السَّبَب هُوَ الْفطر بِهَذِهِ الصّفة ظهر تقرر السَّبَب عِنْد الْأكل وَالشرب وَعند الْجِمَاع بِصفة وَاحِدَة
وَبَيَان النَّوْع الثَّانِي فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِن الْخصم إِذا علل فَقَالَ هَذِه طَهَارَة مسح فَيسنّ فِيهَا التَّثْلِيث كالاستنجاء بالأحجار
قُلْنَا لَا نسلم هَذَا الْوَصْف فِي الأَصْل فَإِن الِاسْتِنْجَاء إِزَالَة النَّجَاسَة العينية فَأَما أَن يكون طَهَارَة بِالْمَسْحِ فَلَا وَلِهَذَا لَو لم يتلوث شَيْء من ظَاهر بدنه لَا يكون عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاء وَلِهَذَا كَانَ الْغسْل بِالْمَاءِ أفضل
ثمَّ الْمسْح الَّذِي يدل على التَّخْفِيف لَا يكون صَالحا لتعليق حكم التَّثْلِيث بِهِ وَبِدُون الصلاحية لَا يصلح
[ ٢ / ٢٦٩ ]
التَّعْلِيل فيضطر عِنْد هَذَا الْمَنْع إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ إِثْبَات التَّسْوِيَة بَين الْمَمْسُوح والمغسول بِوَصْف صَالح لتَعلق حكم التّكْرَار بِهِ أَو التَّفْرِقَة بَينهمَا بِوَصْف الْمسْح وَالْغسْل فَإِن أَحدهمَا يدل على الِاسْتِيعَاب وَالْآخر يدل على التَّخْفِيف بِعَين الْمسْح
وَكَذَلِكَ تَعْلِيلهم فِي بيع تفاحة بتفاحتين إِنَّه بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه مجازفة فَلَا يجوز كَبيع صبرَة بصبرة من حِنْطَة
لأَنا نقُول يَعْنِي بِهَذَا المجازفة ذاتا أم قدرا فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول ذاتا فَنَقُول حِينَئِذٍ يَعْنِي المجازفة فِي الذَّات صُورَة أم عيارا فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول عيارا لِأَن المجازفة من حَيْثُ الصُّورَة فِي الذَّات لَا تمنع جَوَاز البيع بالِاتِّفَاقِ فَإِن بيع قفيز حِنْطَة بقفيز حِنْطَة جَائِز مَعَ وجود المجازفة فِي الذَّات صُورَة فَرُبمَا يكون أَحدهمَا أَكثر فِي عدد الحبات من الآخر
وَإِذا ادّعى المجازفة عيارا قُلْنَا هَذَا الْوَصْف إِنَّمَا يَسْتَقِيم فِيمَا يكون دَاخِلا تَحت المعيار والتفاح وَمَا أشبهه لَا يدْخل تَحت المعيار فَلَا يكون هَذَا الْوَصْف صَالحا لهَذَا الحكم وَلِأَن الْمُسَاوَاة كَيْلا شَرط جَوَاز العقد فِي الْأَمْوَال الربوية بِالْإِجْمَاع وَمن ضَرُورَته أَن يكون ضِدّه وَهُوَ الْفضل فِي المعيار مُفْسِدا للْعقد وَالْفضل فِي المعيار لَا يتَحَقَّق فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار كَمَا أَن الْمُسَاوَاة فِي المعيار الَّذِي هُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْده لَا يتَحَقَّق فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار فيضطر عِنْد هَذَا إِلَى بَيَان الْحَرْف الَّذِي تَدور عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن حُرْمَة العقد فِي هَذِه الْأَمْوَال عِنْد الْمُقَابلَة بجنسها أصل وَالْجَوَاز يتَعَلَّق بِشَرْطَيْنِ الْمُسَاوَاة فِي المعيار وَالْيَد بِالْيَدِ
وَعِنْدنَا جَوَاز العقد فِيهَا أصل كَمَا فِي سَائِر الْأَمْوَال وَالْفساد بِاعْتِبَار فضل هُوَ حرَام وَهُوَ الْفضل فِي المعيار وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا تتَحَقَّق فِيهِ الْمُسَاوَاة فِي المعيار إِذْ الْفضل يكون بعد تِلْكَ الْمُسَاوَاة وَلَا تتَحَقَّق هَذِه الْمُسَاوَاة فِيمَا لَا يدْخل تَحت المعيار أصلا
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي الثّيّب الصَّغِيرَة لَا يُزَوّجهَا أَبوهَا لِأَنَّهَا ثيب يُرْجَى مشورتها فَلَا ينفذ العقد عَلَيْهَا بِدُونِ رأيها كالنائمة والمغمى عَلَيْهَا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
لأَنا نقُول مَا تعنون بقولكم بِدُونِ رأيها رَأْي قَائِم فِي الْحَال أم رَأْي سيحدث أم أَيهمَا كَانَ فَإِن قَالُوا أَيهمَا كَانَ فَهُوَ بَاطِل من الْكَلَام لِأَن الثّيّب الْمَجْنُونَة تزوج فِي الْحَال ورأيها غير مأنوس عَنْهَا لتوهم الْإِفَاقَة فَلَا نجد بدا من أَن نقُول المُرَاد رَأْي قَائِم لَهَا وَهَذَا مَمْنُوع فِي الْفَرْع فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا رَأْي قَائِم فِي الْحَال فِي الْمَنْع وَلَا فِي الْإِطْلَاق فَإِن من لم يجوز تَزْوِيجهَا لم يفصل فِي ذَلِك بَين أَن يكون العقد برأيها (وَبِدُون رأيها) وَمن جوز العقد فَكَذَلِك لم يفصل فَعرفنَا أَنه لَيْسَ لَهَا رَأْي قَائِم وَمَا سيحدث من عِلّة أَو مَانع لَا يجوز أَن يكون مؤثرا فِي الحكم قبل حُدُوثه وَمن جوز حُدُوثه فِي الْمَنْع لَا فِي الْإِثْبَات إِذْ الحكم لَا يسْبق علته فيضطر عِنْد بَيَان الْمَنْع بِهَذِهِ الصّفة إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن رَأْي الْوَلِيّ هَل يقوم مقَام رأيها لِانْعِدَامِ اعْتِبَار رأيها فِي الْحَال شرعا فِيمَا يرجع إِلَى النّظر لَهَا كَمَا فِي المَال وَالْبكْر والغلام أم لَا يقوم رَأْيه مقَام رأيها لما فِي ذَلِك من تَفْوِيت الرَّأْي عَلَيْهَا إِذا صَارَت من أهل الرَّأْي بِالْبُلُوغِ وبمثل هَذَا الْحَد يتَبَيَّن عوار من شرع فِي الْكَلَام بِنَاء على حسن الظَّن قبل أَن يتَمَيَّز لَهُ الصَّوَاب من الْخَطَأ بطرِيق الْفِقْه
وَبَيَان الممانعة فِي الحكم كَثِيرَة
مِنْهَا تَعْلِيلهم فِي تكْرَار الْمسْح بِأَنَّهُ ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كَغسْل الْوَجْه لأَنا لَا نسلم هَذَا الحكم فِي الأَصْل فالمسنون هُنَاكَ عندنَا لَيْسَ التّكْرَار بل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على قدر الْمَفْرُوض فِي مَحَله من جنسه كَمَا فِي أَرْكَان الصَّلَاة فَإِن إِكْمَال ركن الْقِرَاءَة بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض فِي مَحَله من جنسه وَهُوَ تِلَاوَة الْقُرْآن
وَكَذَلِكَ الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَّا أَن فِي الْغسْل لما كَانَ الِاسْتِيعَاب فرضا لَا يتَحَقَّق فِيهِ الْإِكْمَال بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا بالتكرار فَكَانَ التّكْرَار مسنونا لغيره وَهُوَ تَحْصِيل صفة الْإِكْمَال بِهِ لَا لعَينه وَفِي الْمَمْسُوح الِاسْتِيعَاب لَيْسَ بِرُكْن فَيَقَع الِاسْتِغْنَاء عَن التّكْرَار فِي إِقَامَة سنة الْكَمَال بل بِالزِّيَادَةِ على الْقدر
[ ٢ / ٢٧١ ]
الْمَفْرُوض باستيعاب جَمِيع الرَّأْس بِالْمَسْحِ مرّة وَاحِدَة يحصل الْإِكْمَال وَمَا كَانَ مَشْرُوعا لغيره فَإِنَّمَا يشرع بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوضِع تتَحَقَّق الْحَاجة إِلَيْهِ فَأَما إِذا كَانَ مَا شرع لأَجله يحصل بِدُونِهِ لَا يُفِيد اعْتِبَاره أَلا ترى أَنه لَو كرر الْمسْح فِي ربع الرَّأْس أَو أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم لَا يحصل بِهِ كَمَال السّنة مَا لم يستوعب جَمِيع الرَّأْس بِالْمَسْحِ فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْإِكْمَال هُنَا بالاستيعاب وَأَنه هُوَ الأَصْل فَيجب الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا فِي مَوضِع يتَحَقَّق الْعَجز عَنهُ بِأَن يكون الِاسْتِيعَاب ركنا كَمَا فِي المغسولات فَحِينَئِذٍ يُصَار إِلَى الْإِكْمَال بالتكرار وَلَا يلْزمنَا الْمسْح بالأذنين فَإِنَّهُ مسنون لإكمال الْمسْح بِالرَّأْسِ وَإِن لم يكن فِي مَحل الْمَفْرُوض حَتَّى لَا يتَأَدَّى مسح الرَّأْس بمسح الْأُذُنَيْنِ بِحَال لِأَن ذَلِك الْمسْح لإكمال السّنة فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ وَلِهَذَا لَا يَأْخُذ لأذنيه مَاء جَدِيدا عندنَا وَلَكِن يمسح مقدمهما ومؤخرهما مَعَ الرَّأْس وَالْمسح فيهمَا أفضل من الْغسْل إِلَّا أَن كَون الْأُذُنَيْنِ من الرَّأْس لما كَانَ ثَابتا بِالسنةِ دون نَص الْكتاب يثبت اتِّحَاد الْمحل فِيمَا يرجع إِلَى إِكْمَال السّنة بِهِ وَلَا تثبت الْمَحَلِّيَّة فِيمَا يتَأَدَّى بِهِ الْفَرْض الثَّابِت بِالنَّصِّ فَقُلْنَا لَا يَنُوب مسح الْأُذُنَيْنِ عَن الْمسْح بِالرَّأْسِ لهَذَا
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي صَوْم رَمَضَان بِمُطلق النِّيَّة أَنه صَوْم فرض فَلَا يتَأَدَّى بِدُونِ التَّعْيِين بِالنِّيَّةِ كَصَوْم الْقَضَاء
فَإنَّا نقُول مَا تعنون لهَذَا الحكم ألتعين بِالنِّيَّةِ بعد التعين أَو قبل التعين أم فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَجدونَ بدا من أَن يَقُولُوا قبل التعين لِأَن بعد التعين التَّعْيِين غير مُعْتَبر وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْط فِي تأدي صَوْم الْقَضَاء وَإِذا قَالُوا قبل التعين قُلْنَا هَذَا مَمْنُوع فِي الْفَرْع فَإِن التعين حَاصِل هُنَا بِأَصْل الشَّرْع إِذْ الْمَشْرُوع فِي هَذَا الزَّمَان صَوْم الْفَرْض خَاصَّة فَغَيره لَيْسَ بمشروع فَلَا نجد بدا حِينَئِذٍ من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن نِيَّة التَّعْيِين هَل يسْقط اشْتِرَاطه بِكَوْن الْمَشْرُوع مُتَعَيّنا فِي ذَلِك الزَّمَان أم لَا يسْقط اعْتِبَاره
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي بيع المطعوم الَّذِي لَا يدْخل تَحت المعيار بِجِنْسِهِ أَنه بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه لَا تعرف الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي المعيار فَيكون حَرَامًا كَبيع صبرَة حِنْطَة بصبرة حِنْطَة
فَإنَّا نقُول إيش تعنون بِهَذَا الحكم أهوَ حُرْمَة مُطلقَة أم حُرْمَة إِلَى غَايَة التَّسَاوِي فَإِن قَالُوا بِنَا غنية عَن بَيَان هَذَا
قُلْنَا لَا كَذَلِك فالحرمة الثَّابِتَة إِلَى غَايَة غير الْحُرْمَة الْمُطلقَة وَالْحكم الَّذِي يَقع التَّعْلِيل لَهُ لَا بُد أَن يكون مَعْلُوما
فَإِن قَالَ أَعنِي الْحُرْمَة الْمُطلقَة منعنَا هَذَا الحكم فِي الأَصْل لِأَن الْحُرْمَة هُنَاكَ ثَابِتَة إِلَى غَايَة وَهِي الْمُسَاوَاة فِي الْقدر وَإِن عَنى الْحُرْمَة إِلَى غَايَة فقد تعذر إِثْبَات هَذِه الْحُرْمَة بِالتَّعْلِيلِ فِي الْفَرْع لِأَن إِثْبَات الْحُرْمَة إِلَى غَايَة إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي مَال تتَصَوَّر فِيهِ تِلْكَ الْغَايَة وَمَا لَا يدْخل تَحت المعيار لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْغَايَة وَهِي الْمُسَاوَاة فِي المعيار فَكيف يتَحَقَّق إِثْبَات الْحُرْمَة فِيهِ إِلَى غَايَة وَعند هَذَا الْمَنْع يضْطَر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي السّلم فِي الْحَيَوَان أَنه مَال يثبت دينا فِي الذِّمَّة مهْرا فَيثبت دينا فِي الذِّمَّة سلما كالثياب
فَإنَّا نقُول مَا معنى قَوْلكُم يثبت دينا فِي الذِّمَّة أتريدون بِهِ مَعْلُوم الْوَصْف أم مَعْلُوم الْمَالِيَّة وَالْقيمَة فَإِن قَالَ أَعنِي مَعْلُوم الْوَصْف منعنَا ذَلِك فِي الأَصْل وَهُوَ الْمهْر فقد قَامَت الدّلَالَة لنا على أَنه لَا يشْتَرط فِيمَا يثبت فِي الذِّمَّة مهْرا أَن يكون مَعْلُوم الْوَصْف
فَإِن قَالَ نعني مَعْلُوم الْمَالِيَّة وَالْقيمَة منعنَا ذَلِك فِي الْفَرْع فَإِن الْحَيَوَان بعد ذكر الْأَوْصَاف يتَفَاوَت فِي الْمَالِيَّة تَفَاوتا فَاحِشا
وَإِن قَالُوا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى هَذَا التَّعْيِين قُلْنَا لَا كَذَلِك فاعتبار أحد الدينَيْنِ بِالْآخرِ لَا يَصح مَا لم يثبت أَنَّهُمَا نظيران وَلَا طَرِيق لثُبُوت ذَلِك إِلَّا الإيجاد فِي الطَّرِيق الَّذِي يثبت بِهِ كل وَاحِد من الدينَيْنِ فِي الذِّمَّة وَعند ذَلِك يضْطَر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن إِعْلَام الْمُسلم فِيهِ على وَجه لَا يبْقى فِيهِ تفَاوت فَاحش فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْمَالِيَّة على وَجه يلْتَحق بذوات الْأَمْثَال فِي صفة الْمَالِيَّة هَل يكون شرطا لجَوَاز عقد السّلم أم لَا
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَمن ذَلِك تَعْلِيلهم فِي اشْتِرَاط التَّقَابُض فِي الْمجْلس فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ أَن العقد جمع بدلين يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل فَيشْتَرط التَّقَابُض كالأثمان فَإنَّا نقُول إيش المُرَاد بقولكم فَيشْتَرط فيهمَا تقابض أهوَ التَّقَابُض لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة أَو لإِثْبَات زِيَادَة معنى الصيانة وَأَحَدهمَا يُخَالف الآخر فَلَا بُد من بَيَان هَذَا
فَإِن قَالُوا لِمَعْنى الصيانة منعنَا هَذَا الحكم فِي الْأَثْمَان فاشتراط التَّقَابُض هُنَاكَ عندنَا لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة فَإِن النُّقُود لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود مَا لم تقبض وَالدّين بِالدّينِ حرَام شرعا
وَإِن قَالُوا لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة لَا يتمكنون من إِثْبَات هَذَا الحكم فِي الْفَرْع فالطعام يتَعَيَّن فِي العقد بِالتَّعْيِينِ من غير قبض فَلَا يَجدونَ بدا من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ بَيَان أَن اشْتِرَاط الْقَبْض فِي الصّرْف لَيْسَ لإِزَالَة صفة الدِّينِيَّة بل للصيانة عَن معنى الرِّبَا بِمَنْزِلَة الْمُسَاوَاة فِي الْقدر
وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي من اشْترى أَبَاهُ نَاوِيا عَن كَفَّارَة يَمِينه إِنَّه عتق الْأَب فَلَا تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة كَمَا لَو وَرثهُ لأَنا نقُول إِن عنيتم أَنه لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِالْعِتْقِ فَنحْن نقُول فِي الْفَرْع لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِالْعِتْقِ بل الْكَفَّارَة تتأدى بِفعل مَنْسُوب إِلَى الْمُكَفّر وَالْعِتْق وصف فِي الْمحل ثَابت شرعا وَإِن عنيتم الْإِعْتَاق فَهَذَا غير مَوْجُود فِي الأَصْل لِأَنَّهُ لَا صنع للْوَارِث فِي الْإِرْث حَتَّى يصير بِهِ معتقا وَعند هَذَا لَا بُد من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن شِرَاء الْقَرِيب هَل هُوَ إِعْتَاق بطرِيق أَنه متمم عِلّة الْعتْق أم لَيْسَ بِإِعْتَاق وَإِنَّمَا يحصل الْعتْق بِهِ حكما للْملك وَمن ذَلِك قَوْلهم فِي أَن الْكَفَّارَة لَا تتأدى بِطَعَام الْإِبَاحَة إِنَّه نوع تَكْفِير يتَأَدَّى بالتمليك (فَلَا يتَأَدَّى بِدُونِ التَّمْلِيك) كالكسوة لأَنا نقُول لَا تتأدى بِدُونِ التَّمْلِيك مَعَ امْتِثَال الْأَمر (أم بِدُونِ امْتِثَال الْأَمر
فَإِن قَالَ بِي غنية عَن بَيَان هَذَا قُلْنَا لَا كَذَلِك لِأَن التَّكْفِير مَأْمُور بِهِ شرعا فَلَا يتَأَدَّى
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِمَا فِيهِ امْتِثَال الْأَمر
فَإِن قَالَ مَعَ امْتِثَال الْأَمر منعنَا هَذَا الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ إِعَارَة الثَّوْب من الْمِسْكِين
وَإِن قَالَ بِدُونِ امْتِثَال الْأَمر) قُلْنَا هَذَا مُسلم وَلَكنَّا نمْنَع انعدام امْتِثَال الْأَمر فِي الْفَرْع والمأمور بِهِ هُوَ الْإِطْعَام وَحَقِيقَته التَّمْكِين من الطَّعَام فيضطر إِلَى الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن حَقِيقَة معنى الْإِطْعَام أهوَ التَّمْكِين بالتغدية والتعشية أم التَّمْلِيك وَمِنْه قَوْلهم فِي الْقطع وَالضَّمان إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّهُ أَخذ مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذن مَالِكه فَيكون مُوجبا للضَّمَان كالأخذ غصبا
فَإنَّا نقُول مَا معنى هَذَا الحكم أهوَ أَن يكون مُوجبا للضَّمَان مَعَ وجود مَا يُنَافِيهِ أم عِنْد عدم مَا يُنَافِيهِ فَإِن قَالَ مَعَ وجود مَا يُنَافِيهِ منعنَا ذَلِك فِي الأَصْل فَإِن غصب الْبَاغِي مَال الْعَادِل لَا يكون مُوجبا للضَّمَان وَإِن كَانَ آخِذا بِغَيْر حق وَبِغير إِذن الْمَالِك
وَإِن قَالَ عِنْد عدم مَا يُنَافِيهِ قُلْنَا بِمُوجبِه وَلَكِن لَا نسلم انعدام مَا يُنَافِي الضَّمَان هُنَا فَإِن قطع الْيَد بِسَبَب السّرقَة منَاف للضَّمَان عندنَا أَو مسْقط لَهُ كالإبراء فَلَا يجد بدا من الرُّجُوع إِلَى حرف الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن اسْتِيفَاء الْقطع هَل يكون منافيا للضَّمَان أم لَا وَأما بَيَان إِضَافَة الحكم إِلَى الْوَصْف فَهُوَ على مَا ذكرنَا فِي القَوْل بِمُوجب الْعلَّة فَإِن إِضَافَة الحكم إِلَى الْعِلَل الطردية لَيْسَ بِدَلِيل مُوجب إِضَافَة الحكم إِلَى ذَلِك الْوَصْف بل لكَونه مَوْجُودا عِنْد وجوده ومعدوما عِنْد عَدمه وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح لإضافة الحكم إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ كل تَعْلِيل يكون بِنَفْي وصف أَو حكم فَإنَّا نمْنَع صَلَاحِية ذَلِك الْوَصْف لإضافة الحكم إِلَيْهِ نَحْو تَعْلِيلهم فِي الْأَخ أَنه لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا بعضية كَابْن الْعم فَإنَّا نمْنَع فِي ابْن الْعم أَن يكون انْتِفَاء الْعتْق عِنْد دُخُوله فِي ملكه لهَذَا الْوَصْف إِذْ الْعَدَم لَا يجوز أَن يكون مُوجبا شَيْئا
وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي النِّكَاح إِنَّه لَا يثبت بِشَهَادَة الرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال كالحدود
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فَإنَّا نمْنَع إِضَافَة هَذَا الحكم فِي الْحُدُود إِلَى هَذَا الْوَصْف لِأَنَّهُ كَون الْحَد لَيْسَ بِمَال لَا يصلح عِلّة لِامْتِنَاع ثُبُوته بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال
وتعليلهم فِي الْإِحْصَار بِالْمرضِ أَنه لَا يُفَارِقهُ مَا حل بِهِ بالإحلال كَالَّذي ضل الطَّرِيق الممانعة فِي الأَصْل على هَذَا الْوَجْه
وتعليلهم فِي المبتوتة أَنَّهَا لَا تستوجب النَّفَقَة وَلَا يلْحقهَا الطَّلَاق لِأَنَّهَا لَيست بمنكوحة كالمطلقة قبل الدُّخُول فَإنَّا نمْنَع إِضَافَة هَذَا الحكم فِي الأَصْل إِلَى هَذَا الْوَصْف إِذْ الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا
وعَلى هَذَا فَخرج مَا شِئْت من الْمسَائِل