قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْأَمر وَالنَّهْي على الْأَقْسَام الَّتِي بيناها لطلب أَدَاء المشروعات فَفِيهَا معنى الْخطاب بِالْأَدَاءِ بعد الْوُجُوب بِأَسْبَاب جعلهَا الشَّرْع سَببا لوُجُوب المشروعات والموجب هُوَ الله تَعَالَى حَقِيقَة لَا تَأْثِير للأسباب فِي الْإِيجَاب بأنفسها وَالْخطاب يَسْتَقِيم أَن يكون سَببا مُوجبا للمشروعات إِلَّا أَن الله تَعَالَى جعل أسبابا أخر سوى الْخطاب سَبَب الْوُجُوب تيسيرا لِلْأَمْرِ على الْعباد حَتَّى يتَوَصَّل إِلَى معرفَة الْوَاجِبَات بِمَعْرِفَة الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة وَقد دلّ على مَا بَينا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ فَإِن الْألف وَاللَّام دَلِيل على أَن المُرَاد أقِيمُوا الصَّلَاة الَّتِي أوجبتها عَلَيْكُم بِالسَّبَبِ الَّذِي جعلته سَببا لَهَا وأدوا الزَّكَاة الْوَاجِبَة عَلَيْكُم بِسَبَبِهَا كَقَوْل الْقَائِل أد الثّمن فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ الْخطاب بأَدَاء الثّمن الْوَاجِب بِسَبَبِهِ وَهُوَ البيع
ثمَّ أصل الْوُجُوب فِي المشروعات جبر لَا صنع للْعَبد فِيهِ وَلَا اخْتِيَار فَإِن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى تعبد الْعباد بِمَا أوجبهَا عَلَيْهِم فَكَمَا لَا صنع لَهُم فِي صفة الْعُبُودِيَّة الثَّابِتَة عَلَيْهِم لَا صنع لَهُم فِي أصل الْوُجُوب وَبِاعْتِبَار الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الشَّرْع سَببا لَا اخْتِيَار لَهُم فِي أصل الْوُجُوب أَيْضا كَمَا أَنه لَا اخْتِيَار لَهُم فِي السَّبَب فَأَما وجوب الْأَدَاء الثَّابِت بِالْخِطَابِ لَا يَنْفَكّ عَن اخْتِيَار يكون فِيهِ للْعَبد عِنْد الْأَدَاء وَبِه يتَحَقَّق معنى الْعِبَادَة والابتلاء فِي الْمُؤَدِّي وَهَذَا لِأَن التَّكْلِيف بِقدر الوسع شرعا وأصل الْوُجُوب يثبت بتقرر السَّبَب مَعَ انعدام الْخطاب بِالْأَدَاءِ الثَّابِت بِالْأَمر وَالنَّهْي فَإِن من مضى عَلَيْهِ وَقت الصَّلَاة وَهُوَ نَائِم تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة حَتَّى يُؤدى الْفَرْض إِذا انتبه فالخطاب مَوْضُوع عَن النَّائِم وَكَذَلِكَ الْمغمى عَلَيْهِ إِذا لم يبْق لتِلْك الصّفة أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة أَو الْمَجْنُون إِذا لم يَزْدَدْ جُنُونه على يَوْم وَلَيْلَة يثبت حكم وجوب الصَّلَاة
[ ١ / ١٠٠ ]
فِي حَقه حَتَّى يلْزمه الْقَضَاء وَالْخطاب مَوْضُوع عَنهُ أَلا ترى أَن الْمَجْنُون أَو الْمغمى عَلَيْهِ لَو كَانَ كَافِرًا فَكَمَا أَفَاق أسلم لم تلْزمهُ قَضَاء الصَّلَوَات لما لم يثبت الْوُجُوب فِي تِلْكَ الْحَالة فِي حَقه لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّة فَإِن الْأَسْبَاب إِنَّمَا توجب على من يكون أَهلا للْوُجُوب عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمغمى عَلَيْهِ فِي جَمِيع شهر رَمَضَان أَو الْمَجْنُون فِي بعض الشَّهْر يثبت الْوُجُوب فِي حَقّهمَا حَتَّى يجب الْقَضَاء بعد الْإِفَاقَة وَالْخطاب مَوْضُوع عَنْهُمَا وَكَذَلِكَ الزَّكَاة على أصل الْخصم تجب على الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالْخطاب مَوْضُوع عَنْهُمَا وبالاتفاق يجب عَلَيْهِمَا الْعشْر وَصدقَة الْفطر وَكَذَلِكَ يجب عَلَيْهِمَا حُقُوق الْعباد عِنْد تحقق الْأَسْبَاب مِنْهُمَا أَو من الْوَلِيّ على سَبِيل النِّيَابَة عَنْهُمَا كالصداق الَّذِي يلْزمهُمَا بتزويج الْوَلِيّ إيَّاهُمَا وَالْعِتْق الَّذِي يسْتَحقّهُ الْقَرِيب عَلَيْهِمَا عِنْد دُخُوله فِي ملكهمَا بِالْإِرْثِ وَإِن كَانَ الْخطاب مَوْضُوعا عَنْهُمَا
إِذا تقرر هَذَا فَنَقُول الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الشَّرْع مُوجبا للمشروعات هِيَ الْأَسْبَاب الَّتِي تُضَاف المشروعات إِلَيْهَا وتتعلق بهَا شرعا لِأَن إِضَافَة الشَّيْء إِلَى الشَّيْء فِي الْحَقِيقَة تدل على أَنه حَادث بِهِ كَمَا يُقَال كسب فلَان أَي حدث لَهُ باكتسابه وَقد يُضَاف إِلَى الشَّرْط مجَازًا أَيْضا على معنى أَن وجوده يكون عِنْد وجود الشَّرْط وَلَكِن الْمُعْتَبر هُوَ الْحَقِيقَة حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز وَتعلق الشَّيْء بالشَّيْء يدل على نَحْو ذَلِك فحين رَأينَا إِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْوَقْت شرعا وتعلقها بِالْوَقْتِ شرعا أَيْضا حَتَّى تَتَكَرَّر بتكررها مَعَ أَن مُطلق الْأَمر لَا يُوجب التّكْرَار وَإِن كَانَ مُعَلّقا بِشَرْط أَلا ترى أَن الرجل إِذا قَالَ (لغيره) تصدق بدرهم من مَالِي لدلوك الشَّمْس لَا يَقْتَضِي هَذَا الْخطاب التّكْرَار ورأينا أَن وجوب الْأَدَاء الثَّابِت بقوله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ غير مَقْصُور على الْمرة الْوَاحِدَة ثَبت أَن تكْرَار الْوُجُوب بِاعْتِبَار تجدّد السَّبَب بدلوك الشَّمْس فِي كل يَوْم ثمَّ وجوب الْأَدَاء مُرَتّب عَلَيْهِ بِحكم هَذَا الْخطاب وحرف اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لدلوك الشَّمْس﴾ دَلِيل على تعلقهَا بذلك الْوَقْت كَمَا يُقَال تأهب للشتاء وتطهر للصَّلَاة وَلم يتَعَلَّق بهَا وجودا
[ ١ / ١٠١ ]
عِنْدهَا فَعرفنَا أَن تعلق الْوُجُوب بهَا بِجعْل الشَّرْع ذَلِك الْوَقْت سَببا لوُجُوبهَا فَنَقُول وجوب الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى كَمَا هُوَ بأسمائه وَصِفَاته بِإِيجَاب الله وَسَببه فِي الظَّاهِر الْآيَات الدَّالَّة على حدث الْعَالم لمن وَجب عَلَيْهِ وَهَذِه الْآيَات غير مُوجبَة لذاتها وعقل من وَجب عَلَيْهِ غير مُوجب عَلَيْهِ أَيْضا وَلَكِن الله تَعَالَى هُوَ الْمُوجب بِأَن أعطَاهُ آلَة يسْتَدلّ بِتِلْكَ الْآلَة على معرفَة الْوَاجِب كمن يَقُول لغيره هاك السراج فَإِن أَضَاء لَك الطَّرِيق فاسلكه كَانَ الْمُوجب للسلوك فِي الطَّرِيق هُوَ الْأَمر بذلك لَا الطَّرِيق بِنَفسِهِ وَلَا السراج فالعقل بِمَنْزِلَة السراج والآيات الدَّالَّة على حدث الْعَالم بِمَنْزِلَة الطَّرِيق والتصديق من العَبْد وَالْإِقْرَار بِمَنْزِلَة السلوك فِي الطَّرِيق فَهُوَ وَاجِب بِإِيجَاب الله تَعَالَى حَقِيقَة وَسَببه الظَّاهِر الْآيَات الدَّالَّة على حدث الْعَالم وَلِهَذَا تسمى عَلَامَات فَإِن الْعلم للشَّيْء لَا يكون مُوجبا لنَفسِهِ وَلَا نعني أَن هَذِه الْآيَات توجب وحدانية الله تَعَالَى ظَاهرا أَو حَقِيقَة وَإِنَّمَا نعني أَنَّهَا فِي الظَّاهِر سَبَب لوُجُوب التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار على العَبْد وَلكَون هَذِه الْآيَات دائمة لَا تحْتَمل التَّغَيُّر بِحَال إِذْ لَا يتَصَوَّر للمحدث أَن يكون غير مُحدث فِي شَيْء من الْأَوْقَات فَكَانَ فَرضِيَّة الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى دَائِما بدوام سَببه غير مُحْتَمل للنسخ والتبديل بِحَال وَلِهَذَا صححنا إِيمَان الصَّبِي الْعَاقِل لِأَن السَّبَب متقرر فِي حَقه وَالْخطاب بِالْأَدَاءِ مَوْضُوع عَنهُ بِسَبَب الصِّبَا لِأَن الْخطاب بِالْأَدَاءِ يحْتَمل السُّقُوط فِي بعض الْأَحْوَال وَلَكِن صِحَة الْأَدَاء بِاعْتِبَار تقرر السَّبَب الْمُوجب لَا بِاعْتِبَار وجوب الْأَدَاء كَالْبيع بِثمن مُؤَجل سَبَب لجَوَاز أَدَاء الثّمن قبل حُلُول الْأَجَل وَإِن لم يكن الْخطاب بِالْأَدَاءِ مُتَوَجها حَتَّى يحل الْأَجَل وَالْمُسَافر إِذا صَامَ فِي شهر رَمَضَان كَانَ صَحِيحا مِنْهُ فرضا لتقرر السَّبَب فِي حَقه وَإِن كَانَ الْخطاب بِالْأَدَاءِ مَوْضُوعا عَنهُ قبل إِدْرَاك عدَّة من أَيَّام أخر وَهَذَا لِأَن صِحَة الْأَدَاء تكون بِوُجُود مَا هُوَ الرُّكْن مِمَّن هُوَ أهل والركن هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار والأهلية لذَلِك لَا تنعدم بالصبا فَبعد ذَلِك بامتناع صِحَة الْأَدَاء لَا يكون إِلَّا بِحجر شَرْعِي وَالْقَوْل بِالْحجرِ لأحد عَن الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى محَال فَأَما الصَّلَاة فواجبة بِإِيجَاب الله تَعَالَى بِلَا شُبْهَة وَسبب وُجُوبهَا
[ ١ / ١٠٢ ]
فِي الظَّاهِر هُوَ الْوَقْت فِي حَقنا وأمرنا بأدائها بقوله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ أَي لوُجُوبهَا بدلوك الشَّمْس وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهَا تنْسب إِلَى الْوَقْت شرعا فَيُقَال فرض الْوَقْت وَصَلَاة الْفجْر وَالظّهْر وَإِنَّمَا يُضَاف الْوَاجِب إِلَى سَببه وَكَذَلِكَ يتَكَرَّر الْوُجُوب بِتَكَرُّر الْوَقْت وَالْخطاب لَا يُوجب التّكْرَار وَهِي لَا تُضَاف إِلَى الْخطاب شرعا وَلَيْسَ هُنَا سوى الْوَقْت وَالْخطاب فَتبين بِهَذَا أَن الْوَقْت هُوَ السَّبَب وَلِهَذَا لَا يجوز تَعْجِيلهَا قبل الْوَقْت وَيجوز بعد دُخُول الْوَقْت مَعَ تَأْخِير لُزُوم الْأَدَاء بِالْخِطَابِ إِلَى آخر الْوَقْت
فَإِن قيل لَا يفهم من وجوب الْعِبَادَة شَيْء سوى وجوب الْأَدَاء وَلَا خلاف أَن وجوب الْأَدَاء بِالْخِطَابِ فَمَا الَّذِي يكون وَاجِبا بِسَبَب الْوَقْت قُلْنَا الْوَاجِب بِسَبَب الْوَقْت مَا هُوَ الْمَشْرُوع نفلا فِي غير الْوَقْت الَّذِي هُوَ سَبَب للْوُجُوب وَبَيَان هَذَا فِي الصَّوْم فَإِنَّهُ مَشْرُوع نفلا فِي كل يَوْم وجد الْأَدَاء أَو لم يُوجد وَفِي رَمَضَان يكون مَشْرُوعا وَاجِبا بِسَبَب الْوَقْت سَوَاء وجد خطاب الْأَدَاء بِوُجُود شَرطه وَهُوَ التَّمَكُّن من الْأَدَاء أَو لم يُوجد أَلا ترى أَن من كَانَ مغمى عَلَيْهِ أَو نَائِما فِي وَقت الصَّلَاة ثمَّ أَفَاق بعد مُضِيّ الْوَقْت يصير مُخَاطبا بِالْأَدَاءِ لوُجُوبهَا عَلَيْهِ لوُجُود السَّبَب وَهُوَ الْوَقْت وَلَو كَانَ هَذَا الْمغمى عَلَيْهِ أَو النَّائِم غير بَالغ ثمَّ بلغ بعد مُضِيّ الْوَقْت ثمَّ أَفَاق وانتبه لم يكن عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَقد صَار مُخَاطبا عِنْد الْإِفَاقَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِصفة وَاحِدَة وَلَكِن لما انعدمت الْأَهْلِيَّة عِنْد وجود السَّبَب لم يثبت الْوُجُوب فِي حَقه فَلَمَّا وجدت الْأَهْلِيَّة فِي الْفَصْل الأول ثَبت الْوُجُوب وَمن بَاعَ بِثمن مُؤَجل فالثمن يجب بِنَفس العقد وَالْخطاب بِالْأَدَاءِ مُتَأَخّر إِلَى مُضِيّ الْأَجَل فَهَذَا مثله
وَسبب وجوب الصَّوْم شُهُود الشَّهْر فِي حَال قيام الْأَهْلِيَّة وَلِهَذَا أضيف إِلَى الشَّهْر شرعا ويتكرر بِتَكَرُّر الشَّهْر وَلم يجب الْأَدَاء قبل وجود الشَّهْر وَجَاز بعد وَإِن كَانَ الْأَدَاء مُتَأَخِّرًا كَمَا فِي حق الْمَرِيض وَالْمُسَافر فَإِن الْأَمر بِالْأَدَاءِ فِي حَقّهمَا بعد إِدْرَاك عدَّة من أَيَّام أخر وَالْوُجُوب ثَابت فِي الشَّهْر بتقرر سَببه حَتَّى لَو صاما كَانَ ذَلِك فرضا أَلا ترى أَن من كَانَ مُسَافِرًا الصَّوْم وَلَو كَانَ بَالغا فِي رَمَضَان مُسَافِرًا لزمَه الْأَدَاء إِذا صَار مُقيما وحالهما عِنْد الْإِقَامَة بِصفة وَاحِدَة فَعرفنَا أَن الْوُجُوب ثَبت فِي حق أَحدهمَا بتقرر سَببه دون الآخر
وَبَيَان مَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ مَعْنَاهُ فِي رَمَضَان غير بَالغ ثمَّ صَار مُقيما بَعْدَمَا بلغ
[ ١ / ١٠٣ ]
خَارج رَمَضَان لَا يلْزمه فليصم فِيهِ لِأَن الْوَقْت ظرف للصَّوْم وَإِنَّمَا يفهم من هَذَا فليصم فِيهِ الصَّوْم الْوَاجِب بشهوده وَلِهَذَا ظن بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن صنف فِي هَذَا الْبَاب أَن سَبَب الْوُجُوب أَيَّام الشَّهْر دون اللَّيَالِي لِأَن صَلَاحِية الْأَدَاء مُخْتَصّ بِالْأَيَّامِ
قَالَ ﵁ وَهَذَا غلط عِنْدِي بل فِي السَّبَبِيَّة للْوُجُوب الْأَيَّام والليالي سَوَاء فَإِن الشَّهْر اسْم لجزء من الزَّمَان يشْتَمل على الْأَيَّام والليالي وَإِنَّمَا جعله الشَّرْع سَببا لإِظْهَار فَضِيلَة هَذَا الْوَقْت وَهَذِه الْفَضِيلَة ثَابِتَة لليالي وَالْأَيَّام جَمِيعًا وَالرِّوَايَة مَحْفُوظَة فِي أَن من كَانَ مفيقا فِي أول لَيْلَة من الشَّهْر ثمَّ جن قبل أَن يصبح وَمضى الشَّهْر وَهُوَ مَجْنُون ثمَّ أَفَاق يلْزمه الْقَضَاء وَلَو لم يَتَقَرَّر السَّبَب فِي حَقه بِمَا شهد من الشَّهْر فِي حَالَة الْإِفَاقَة لم يلْزمه الْقَضَاء (وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون إِذا أَفَاق فِي لَيْلَة من الشَّهْر ثمَّ جن قبل أَن يصبح ثمَّ أَفَاق بعد مُضِيّ الشَّهْر يلْزمه الْقَضَاء) وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن نِيَّة أَدَاء الْفَرْض تصح بعد دُخُول اللَّيْلَة الأولى بغروب الشَّمْس قبل أَن يصبح وَمَعْلُوم أَن نِيَّة أَدَاء الْفَرْض قبل تقرر سَبَب الْوُجُوب لَا يَصح أَلا ترى أَنه لَو نوى قبل غرُوب الشَّمْس لم تصح نِيَّته وأيد مَا قُلْنَا قَوْله ﷺ صُومُوا لرُؤْيَته فَإِنَّهُ نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ وَقد بَينا فِي الصَّلَاة أَن فِي تقرر الْوُجُوب بتقرر السَّبَب لَا يعْتَبر التَّمَكُّن بِالْأَدَاءِ فَإِن من أسلم فِي آخر الْوَقْت بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من أَدَاء الصَّلَاة فِي الْوَقْت يلْزمه فرض الْوَقْت فَهُنَا وَإِن لم يثبت التَّمَكُّن من الْأَدَاء بِشُهُود اللَّيْل يَتَقَرَّر سَبَب الْوُجُوب وَلَكِن بِشَرْط احْتِمَال الْأَدَاء فِي الْوَقْت وَلِهَذَا لَو أسلم فِي آخر يَوْم من رَمَضَان قبل الزَّوَال أَو بعده لم يلْزمه الصَّوْم وَإِن أدْرك جُزْءا من الشَّهْر لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا معنى احْتِمَال الْأَدَاء فِي الْوَقْت وَقد قَررنَا هَذَا فِيمَا سبق
وَسبب وجوب الْحَج الْبَيْت وَلِهَذَا يُضَاف إِلَيْهِ شرعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
[ ١ / ١٠٤ ]
وَلِهَذَا لَا يتَكَرَّر بِتَكَرُّر وَقت الْأَدَاء لِأَن مَا هُوَ السَّبَب غير متجدد فَأَما الْوَقْت فَهُوَ شَرط جَوَاز الْأَدَاء وَلَيْسَ بِسَبَب للْوُجُوب وَلَا يُقَال بِدُخُول شَوَّال يدْخل الْوَقْت ويتأخر الْأَدَاء إِلَى يَوْم عَرَفَة فَعرفنَا أَن الْوَقْت سَبَب للْوُجُوب إِذْ لَو لم يكن سَببا لَهُ لم يكن إِضَافَة الْوَقْت إِلَيْهِ مُفِيدا وَيُقَال أشهر الْحَج كَمَا يُقَال وَقت الصَّلَاة فَعرفنَا أَنه سَبَب فِيهِ وَهَذَا لِأَن عندنَا يجوز الْأَدَاء كَمَا دخل شَوَّال وَلَكِن هَذِه عبَادَة تشْتَمل على أَرْكَان بَعْضهَا مُخْتَصّ بِوَقْت وَمَكَان وَبَعضهَا لَا يخْتَص فَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَقْت أَو مَكَان لَا يجوز فِي غير ذَلِك الْوَقْت كَمَا لَا يجوز فِي غير ذَلِك الْمَكَان وَمَا لم يكن مُخْتَصًّا بِوَقْت فَهُوَ جَائِز فِي جَمِيع وَقت الْحَج حَتَّى إِن من أحرم فِي رَمَضَان وَطَاف وسعى لم يكن سَعْيه معتدا بِهِ من سعى الْحَج حَتَّى إِذا طَاف للزيارة يَوْم النَّحْر تلْزمهُ إِعَادَة السَّعْي وَلَو كَانَ طَاف وسعى فِي شَوَّال كَانَ سَعْيه معتدا بِهِ حَتَّى لَا يلْزمه إِعَادَته يَوْم النَّحْر لِأَن السَّعْي غير مُؤَقّت فَجَاز أَدَاؤُهُ فِي أشهر الْحَج وَأما الْوُقُوف موقت فَلم يجز أَدَاؤُهُ قبل وقته كَمَا لَا يجوز أَدَاء طواف الزِّيَارَة يَوْم عَرَفَة لِأَنَّهُ موقت بِيَوْم النَّحْر وكما لَا يجوز رمي الْيَوْم الثَّانِي فِي الْيَوْم الأول وَهُوَ نَظِير أَرْكَان الصَّلَاة فَإِن السُّجُود ترَتّب على الرُّكُوع فَلَا يعْتد بِهِ قبل الرُّكُوع وَلَا يدل ذَلِك على أَن الْوَقْت لَيْسَ بِوَقْت الْأَدَاء وَبِهَذَا تبين أَن الْوَقْت لَيْسَ بِسَبَب للْوُجُوب وَلكنه شَرط جَوَاز الْأَدَاء وَوُجُوب الْأَدَاء فِيهِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِطَاعَة بِالْمَالِ لَيْسَ بِسَبَب للْوُجُوب فَإِن هَذِه عبَادَة بدنية وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيْت سَببا لوُجُوبهَا لِأَنَّهَا عبَادَة هِجْرَة وزيارة تَعْظِيمًا لتِلْك الْبقْعَة فَلَا يصلح المَال سَببا لوُجُوبهَا وَلَا هُوَ شَرط لجَوَاز الْأَدَاء أَيْضا فالأداء من الْفَقِير صَحِيح وَإِن كَانَ لَا يملك شَيْئا وَإِنَّمَا المَال شَرط وجوب الْأَدَاء فَإِن السّفر الَّذِي يوصله إِلَى الْأَدَاء لَا يتهيأ لَهُ بِدُونِ الزَّاد وَالرَّاحِلَة إِلَّا بحرج عَظِيم والحرج مَدْفُوع فَعرفنَا أَن المَال شَرط وجوب الْأَدَاء وَهُوَ نَظِير عدَّة من أَيَّام أخر فِي بَاب الصَّوْم (فِي حق الْمُسَافِر) الاداء بتجدد هَذِه الْأَيَّام وَهنا أَيْضا لَا يتَكَرَّر وجوب الْأَدَاء بتجدد ملك الزَّاد وَالرَّاحِلَة فَعرفنَا أَنه شَرط لوُجُوب الْأَدَاء
وَسبب وجوب الطَّهَارَة الصَّلَاة فَإِنَّهَا تُضَاف إِلَيْهَا شرعا فَيُقَال تطهر للصَّلَاة فَأَما الْحَدث فَهُوَ شَرط وجوب الْأَدَاء بِالْأَمر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ فَإِنَّهُ شَرط
[ ١ / ١٠٥ ]
وجوب الْأَدَاء حَتَّى كَانَ الْأَدَاء جَائِزا قبله وَلَا يتَكَرَّر وجوب ﴿وُجُوهكُم﴾ الْآيَة لَا أَن يكون سَببا للْوُجُوب وَكَيف يكون سَببا (للْوُجُوب) وَهُوَ نَاقض للطَّهَارَة فَمَا كَانَ مزيلا للشَّيْء رَافعا لَهُ لَا يصلح سَببا لوُجُوبه وَلِهَذَا جَازَ الْأَدَاء بِدُونِهِ وَكَانَ الْوضُوء على وضوء نورا على نور وَلَا يجب الْأَدَاء مَعَ تحقق الْحَدث بِدُونِ وجوب الصَّلَاة فَإِن الْجنب إِذا حَاضَت لَا يجب عَلَيْهَا الِاغْتِسَال مَا لم تطهر لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا وجوب الصَّلَاة وَبِهَذَا تبين أَن الطَّهَارَة لَيست بِعبَادة مَقْصُودَة وَلكنهَا شَرط الصَّلَاة وَمَا يكون شرطا للشَّيْء يتَعَلَّق بِهِ صِحَّته ووجوبه بِوُجُوب الأَصْل بِمَنْزِلَة اسْتِقْبَال الْقبْلَة فَإِن وُجُوبه بِوُجُوب الصَّلَاة وَالشُّهُود فِي بَاب النِّكَاح ثُبُوتهَا بِثُبُوت النِّكَاح لكَون الشُّهُود شرطا فِي النِّكَاح
وَسبب وجوب الزَّكَاة المَال بِصفة أَن يكون نِصَابا ناميا أَلا ترى أَنه يُضَاف إِلَى المَال وَأَنه يتضاعف بتضاعف النصب فِي وَقت وَاحِد وَلَكِن الْوُجُوب بِوَاسِطَة غنى الْمَالِك قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى والغنى لَا يحصل بِأَصْل المَال مَا لم يبلغ مِقْدَارًا وَذَلِكَ فِي النّصاب شرعا وَالْوُجُوب بِصفة الْيُسْر وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ المَال ناميا وَلِهَذَا يُضَاف إِلَى سَبَب النَّمَاء أَيْضا فَيُقَال زَكَاة السَّائِمَة وَزَكَاة التِّجَارَة فَأَما مُضِيّ الْحول فَهُوَ شَرط لوُجُوب الْأَدَاء من حَيْثُ إِن النَّمَاء لَا يحصل إِلَّا بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلِهَذَا جَازَ الْأَدَاء بعد كَمَال النّصاب قبل حولان الْحول وَجَوَاز الْأَدَاء لَا يكون قبل تقرر سَبَب الْوُجُوب حَتَّى لَو أدّى قبل كَمَال النّصاب لم يجز
فَإِن قيل الزَّكَاة يتَكَرَّر وُجُوبهَا فِي مَال وَاحِد بِاعْتِبَار الْأَحْوَال وبتكرر الشَّرْط لَا يَتَجَدَّد الْوَاجِب قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِك بل يتَكَرَّر الْوُجُوب بتجدد النَّمَاء الَّذِي هُوَ وصف
[ ١ / ١٠٦ ]
لِلْمَالِ وباعتباره يكون المَال سَببا للْوُجُوب فَإِن لمضي كل حول تَأْثِيرا فِي حُصُول النَّمَاء الْمَطْلُوب من عين السَّائِمَة بالدر والنسل وَالْمَطْلُوب من ربح عرُوض التِّجَارَة زِيَادَة الْقيمَة
وَسبب وجوب صَدَقَة الْفطر على الْمُسلم الْغَنِيّ رَأس يموله بولايته عَلَيْهِ وَلِهَذَا يُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال صَدَقَة الرَّأْس ويتضاعف الْوَاجِب بِتَعَدُّد الرؤوس من الْأَوْلَاد الصغار والمماليك وَإِنَّمَا عرفنَا هَذَا بقوله ﵇ أَدّوا عَن كل حر وَعبد وَقَالَ ﵇ أَدّوا عَمَّن تمونون وحرف عَن للانتزاع فَأَما أَن يكون المُرَاد طَرِيق الانتزاع بِالْوُجُوب على الرَّأْس ثمَّ أَدَاء الْغَيْر عَنهُ وَهَذَا بَاطِل فَإِنَّهُ لَا يجب على الْكَافِر وَالرَّقِيق وَالْفَقِير وَالصَّغِير فَعرفنَا أَن المُرَاد انتزاع الحكم عَن سَببه وَفِيه تنصيص على أَن الرَّأْس بِالصّفةِ الَّتِي قُلْنَا هُوَ السَّبَب الْمُوجب للْوُجُوب وَأما الْفطر فَهُوَ شَرط وجوب الْأَدَاء وَالْإِضَافَة إِلَيْهِ بطرِيق الْمجَاز على معنى أَن الْوُجُوب عِنْده يكون وَإِنَّمَا جعلنَا الْفطر شرطا وَالرَّأْس سَببا مَعَ وجود الْإِضَافَة إِلَيْهِمَا لِأَن تضَاعف الْوَاجِب بِتَعَدُّد الرؤوس دَلِيل مُحكم على أَنه سَبَب وَالْإِضَافَة دَلِيل مُحْتَمل فقد بَينا أَن الْإِضَافَة قد تكون إِلَى الشَّرْط مجَازًا وَلِأَن التَّنْصِيص على المئونة دَلِيل على أَن سَبَب الْوُجُوب الرَّأْس دون الْفطر فالمئونة إِنَّمَا تجب عَن الرؤوس وَلِهَذَا اشْتَمَل هَذَا الْوَاجِب على معنى المئونة وعَلى معنى الْعِبَادَة لِأَن صفة الْغنى فِيمَن يجب عَلَيْهِ الْأَدَاء يعْتَبر لوُجُوب الْأَدَاء وَذَلِكَ دَلِيل كَونه عبَادَة وَصفَة المئونة فِي الْمُؤَدِّي دَلِيل على أَنه بِمَنْزِلَة النَّفَقَة وَجَوَاز الْأَدَاء قبل الْفطر دَلِيل على أَن الْفطر لَيْسَ بِسَبَب فِي وجوب الْأَدَاء بِشُهُود وَقت الْفطر فِي حق من لَا يُؤَدِّي الصَّوْم أصلا دَلِيل على أَن الْفطر شَرط وجوب الْأَدَاء فَإِن الْكَافِر إِذا أسلم لَيْلَة الْعِيد أَو الصَّبِي بلغ أَو العَبْد عتق يلْزمه الْأَدَاء بِطُلُوع الْفجْر من يَوْم الْفطر وَلِهَذَا لَو أسلم بعد طُلُوع الْفجْر لم يلْزمه وَإِن أدْرك الْيَوْم لِأَن وَقت الْفطر عَن رَمَضَان فِي حق وجوب الصَّدَقَة عِنْد طُلُوع الْفجْر فَإِذا انعدمت الْأَهْلِيَّة عِنْد ذَلِك لم يجب الْأَدَاء وتكرر الْوُجُوب
[ ١ / ١٠٧ ]
بِتَكَرُّر الْفطر فِي كل سنة بِمَنْزِلَة تكَرر وجوب الزَّكَاة بِتَكَرُّر الْحول فَإِن الْوَصْف الَّذِي لأَجله كَانَ الرَّأْس مُوجبا وَهُوَ المئونة يَتَجَدَّد بِمُضِيِّ الزَّمَان كَمَا أَن النَّمَاء الَّذِي لأَجله كَانَ المَال سَببا للْوُجُوب يَتَجَدَّد بتجدد الْحول
وَسبب وجوب الْعشْر الأَرْض النامية بِاعْتِبَار حَقِيقَة النَّمَاء وَسبب وجوب الْخراج الأَرْض النامية بِاعْتِبَار التَّمَكُّن من طلب النَّمَاء بالزراعة وَلِهَذَا لَو اصطلم الزَّرْع آفَة لم يجب الْعشْر وَلَا الْخراج وَلِهَذَا لم يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج بِسَبَب أَرض وَاحِدَة بِحَال لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مئونة الأَرْض النامية إِلَّا أَن الْعشْر الْوَاجِب جُزْء من النَّمَاء فَلَا بُد من حُصُول النَّمَاء ليثبت حكم الْوُجُوب فِي مَحَله بِسَبَبِهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي الْعشْر معنى المئونة وَمعنى الْعِبَادَة فباعتبار أصل الأَرْض هُوَ مئونة لِأَن تملك الأَرْض سَبَب لوُجُوب مئونة شرعا وَبِاعْتِبَار كَون الْوَاجِب جُزْءا من النَّمَاء فِيهِ معنى الْعِبَادَة بِمَنْزِلَة الزَّكَاة وَفِي الْخراج معنى المئونة بِاعْتِبَار أصل الأَرْض وَمعنى المذلة بِاعْتِبَار التَّمَكُّن من طلب النَّمَاء بالزراعة فالاشتغال بالزراعة مَعَ الْإِعْرَاض عَن الْجِهَاد سَبَب للمذلة على مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ رأى شَيْئا من آلَات الزِّرَاعَة فِي دَار فَقَالَ مَا دخل (هَذَا) بَيت قوم إِلَّا ذلوا وَلِهَذَا يتَكَرَّر وجوب الْعشْر بتجدد الْخَارِج لتجدد الْوَصْف وَهُوَ النَّمَاء وَلَا يتَكَرَّر وجوب الْخراج فِي حول وَاحِد بِحَال وَلِهَذَا جَازَ تَعْجِيل الْخراج قبل الزِّرَاعَة وَلم يجز تَعْجِيل الْعشْر لِأَن الأَرْض بِاعْتِبَار حَقِيقَة النَّمَاء توجب الْعشْر وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق قبل الزِّرَاعَة وَلِهَذَا أوجب أَبُو حنيفَة ﵀ الْعشْر فِي قَلِيل الْخَارِج وَكَثِيره وَفِي كل مَا يستنبت فِي الأَرْض مِمَّا لَهُ ثَمَرَة بَاقِيَة وَمَا لَيست لَهُ ثَمَرَة بَاقِيَة سَوَاء لِأَن الْوُجُوب بِاعْتِبَار صفة النَّمَاء وَلَا مُعْتَبر بِصفة الْغنى فِيمَن يجب عَلَيْهِ بِاعْتِبَار النّصاب لأَجله
وَسبب وجوب الْجِزْيَة الرَّأْس بِاعْتِبَار صفة مَعْلُومَة وَهُوَ أَن يكون كَافِرًا حرا لَهُ بنية صَالِحَة لِلْقِتَالِ وَلِهَذَا يُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال جِزْيَة الرَّأْس ويتكرر الْوُجُوب
[ ١ / ١٠٨ ]
بِتَكَرُّر الْحول بِمَنْزِلَة تكَرر وجوب الزَّكَاة فَإِن الْمَعْنى الَّذِي كَانَ الرَّأْس سَببا مُوجبا بِاعْتِبَار نصْرَة الْقِتَال وَهَذَا لِأَن أهل الذِّمَّة يصيرون منا دَارا والقتال بنصرة الدَّار وَاجِب على أَهلهَا وَلَا تصلح أبدانهم لهَذِهِ النُّصْرَة لميلهم إِلَى أهل الدَّار المعادية لدارنا اعتقادا فَأوجب عَلَيْهِم فِي أَمْوَالهم جِزْيَة عُقُوبَة لَهُم على كفرهم وخلفا عَن النُّصْرَة الَّتِي قَامَت بإصرارهم على الْكفْر فِي حَقنا وَلِهَذَا تصرف إِلَى الْمُجَاهدين الَّذين يقومُونَ بنصرة الدَّار وَهَذِه النُّصْرَة يَتَجَدَّد وُجُوبهَا بتجدد الْحَاجة فِي كل وَقت فَكَذَلِك مَا كَانَ خلفا عَنْهَا بتجدد وُجُوبهَا إِلَّا أَنه لَا نِهَايَة للْحَاجة إِلَى المَال فَيعْتَبر الْوَقْت لتجدد الْوُجُوب كَمَا يعْتَبر فِي الزَّكَاة
وَسبب وجوب الْعُقُوبَات مَا يُضَاف إِلَيْهِ نَحْو الزِّنَا للرجم وَالْجَلد وَالسَّرِقَة للْقطع وَشرب الْخمر وَالْقَذْف للحد وَالْقَتْل الْعمد للْقصَاص
وَسبب وجوب الْكَفَّارَات الَّتِي هِيَ دَائِرَة بَين الْعقُوبَة وَالْعِبَادَة مَا يُضَاف إِلَيْهِ من سَبَب مُتَرَدّد بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة نَحْو الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل إِذا حنث فِيهَا وَالظِّهَار عِنْد الْعود وَالْفطر فِي رَمَضَان بِصفة الْجِنَايَة وَالْقَتْل بِصفة الْخَطَأ
فَأَما سَبَب الْمَشْرُوع من الْمُعَامَلَات فَهُوَ تعلق الْبَقَاء الْمَقْدُور بتعاطيها وَبَيَان ذَلِك أَن الله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الْعَالم إِلَى قيام السَّاعَة وَهَذَا الْبَقَاء إِنَّمَا يكون بِبَقَاء الْجِنْس وَبَقَاء النَّفس فبقاء الْجِنْس بالتناسل والتناسل بإتيان الذُّكُور الْإِنَاث فِي مَوضِع الْحَرْث وَالْإِنْسَان هُوَ الْمَقْصُود بذلك فشرع لذَلِك التناسل طَرِيقا لَا فَسَاد فِيهِ وَلَا ضيَاع وَهُوَ طَرِيق الازدواج بِلَا شركَة فَفِي التغالب فَسَاد الْعَالم وَفِي الشّركَة ضيَاع الْوَلَد لِأَن الْأَب إِذا اشْتبهَ يتَعَذَّر إِيجَاب مئونة الْوَلَد عَلَيْهِ وبالأمهات عجز عَن اكْتِسَاب ذَلِك بِأَصْل الجبلة فيضيع الْوَلَد وَبَقَاء النَّفس إِلَى أَجله إِنَّمَا يقوم بِمَا تقوم
[ ١ / ١٠٩ ]
بِهِ الْمصَالح للمعيشة وَذَلِكَ بِالْمَالِ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ كل وَاحِد لكفايته لَا يكون حَاصِلا فِي يَده وَإِنَّمَا يتَمَكَّن من تَحْصِيله بِالْمَالِ فشرع سَبَب اكْتِسَاب المَال وَسبب اكْتِسَاب مَا فِيهِ كِفَايَة لكل وَاحِد وَهُوَ التِّجَارَة عَن ترَاض لما فِي التغالب من الْفساد وَالله لَا يحب الْفساد وَلِأَن الله تَعَالَى جعل الدُّنْيَا دَار محنة وابتلاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه﴾ وَالْإِنْسَان الَّذِي هُوَ مَقْصُود غير مَخْلُوق فِي الدُّنْيَا لنيل اللَّذَّات وَقَضَاء الشَّهَوَات بل لِلْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ عمل بِخِلَاف هوى النَّفس قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَعرفنَا أَن مَا جعل لنا فِي الدُّنْيَا من اقْتِضَاء الشَّهَوَات بِالْأَكْلِ وَغير ذَلِك لَيْسَ لعين اقْتِضَاء الشَّهْوَة بل لحكم آخر وَهُوَ تعلق الْبَقَاء الْمَقْدُور بتعاطيها إِلَّا أَن فِي النَّاس مُطيعًا وعاصيا فالمطيع يرغب فِيهِ لَا لقَضَاء الشَّهْوَة بل لاتباع الْأَمر والعاصي يرغب فِيهِ لقَضَاء شَهْوَة النَّفس فَيتَحَقَّق الْبَقَاء الْمَقْدُور بِفعل الْفَرِيقَيْنِ وللمطيع الثَّوَاب بِاعْتِبَار قَصده إِلَى الْإِقْدَام عَلَيْهِ والعاصي مستوجب للعقاب بِاعْتِبَار قَصده فِي اتِّبَاع هوى النَّفس الأمارة بالسوء تبَارك الله الْحَكِيم الْخَبِير الْقَدِير هُوَ مَوْلَانَا فَنعم الْمولى وَنعم النصير