قَالَ ﵁ هَذِه الْأَقْسَام أَرْبَعَة خبر يُحِيط الْعلم بصدقه وَخبر يُحِيط الْعلم بكذبه وَخبر يحتملهما على السوَاء وَخبر يتَرَجَّح فِيهِ أحد الْجَانِبَيْنِ
فَالْأول أَخْبَار الرُّسُل المسموعة مِنْهُم فَإِن جِهَة الصدْق مُتَعَيّن فِيهَا لقِيَام الدّلَالَة على أَنهم معصومون عَن الْكَذِب وَثُبُوت رسالتهم بالمعجزات الْخَارِجَة عَن مَقْدُور الْبشر عَادَة وَحكم هَذَا النَّوْع اعْتِقَاد الحقية فِيهِ والائتمار بِهِ بِحَسب الطَّاقَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾
وَالنَّوْع الثَّانِي نَحْو دَعْوَى فِرْعَوْن الربوبية مَعَ قيام آيَات الْحَدث فِيهِ ظَاهرا وَدَعوى الْكفَّار أَن الْأَصْنَام آلِهَة أَو أَنَّهَا شفعاؤهم عِنْد الله أَو أَنَّهَا تقربهم إِلَى الله زلفى مَعَ التيقن بِأَنَّهَا جمادات وَنَحْو دَعْوَى زرادشت وماني ومسيلمة وَغَيرهم من المتنبئين النُّبُوَّة مَعَ ظُهُور أَفعَال تدل على السَّفه مِنْهُم وَأَنَّهُمْ لم يبرهنوا على ذَلِك إِلَّا بِمَا هُوَ مخرفة من جنس أَفعَال المشعوذين فالعلم يُحِيط بكذب هَذَا النَّوْع وَحكمه اعْتِقَاد الْبطلَان فِيهِ ثمَّ الِاشْتِغَال برده بِاللِّسَانِ وَالْيَد بِحَسب مَا تقع الْحَاجة إِلَيْهِ فِي دفع الْفِتْنَة
وَالنَّوْع الثَّالِث نَحْو خبر الْفَاسِق فِي أَمر الدّين فَفِيهِ احْتِمَال الصدْق بِاعْتِبَار فَالْحكم فِيهِ التَّوَقُّف إِلَى أَن يظْهر مَا يتَرَجَّح بِهِ أحد الْجَانِبَيْنِ عملا بقوله تَعَالَى ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
[ ١ / ٣٧٤ ]
دينه وعقله وَاحْتِمَال الْكَذِب بِاعْتِبَار تعاطيه واستوى الجانبان فِي الِاحْتِمَال
وَالنَّوْع الرَّابِع نَحْو شَهَادَة الْفَاسِق إِذا ردهَا القَاضِي فَإِن بِقَضَائِهِ يتَرَجَّح جَانب الْكَذِب فِيهِ وَخبر الْمَحْدُود فِي الْقَذْف عِنْد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ وَحكمه أَنه لَا يجوز الْعَمَل بِهِ بعد ذَلِك لتعين جَانب الْكَذِب فِيهِ فِيمَا يُوجب الْعَمَل
وَمن هَذَا النَّوْع خبر الْعدْل المستجمع لشرائط الرِّوَايَة فِي بَاب الدّين فَإِنَّهُ يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِيهِ بِوُجُود دَلِيل شَرْعِي مُوجب للْعَمَل بِهِ وَهُوَ صَالح للترجيح وَالْمَقْصُود هَذَا النَّوْع
وَلِهَذَا النَّوْع أَطْرَاف ثَلَاثَة طرف السماع وطرف الْحِفْظ وطرف الْأَدَاء
فطرف السماع نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة مَا تكون بِحَسب الِاسْتِمَاع
وَهُوَ أَرْبَعَة أوجه وَجْهَان من ذَلِك حَقِيقَة وَأَحَدهمَا أَحَق من الآخر ووجهان من ذَلِك عَزِيمَة فيهمَا شُبْهَة الرُّخْصَة
فالوجهان الْأَوَّلَانِ قِرَاءَة الْمُحدث عَلَيْك وَأَنت تسمع وقراءتك على الْمُحدث وَهُوَ يسمع ثمَّ استفهامك إِيَّاه بِقَوْلِك أهوَ كَمَا قَرَأت عَلَيْك فَيَقُول نعم وَأهل الحَدِيث يَقُولُونَ الْوَجْه الأول أَحَق لِأَنَّهُ طَرِيق رَسُول الله ﵇ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يحدث أَصْحَابه ثمَّ نقلوه عَنهُ وَهُوَ أبعد من الْخَطَأ والسهو فَيكون أَحَق فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ تحمل الْأَمَانَة بِصفة تَامَّة
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة ﵀ أَن قراءتك على الْمُحدث أقوى من قِرَاءَة الْمُحدث عَلَيْك وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لرَسُول الله ﷺ خَاصَّة لكَونه مَأْمُون السَّهْو والغلط وَلِأَنَّهُ كَانَ يذكر مَا يذكرهُ حفظا وَكَانَ لَا يكْتب وَلَا يقْرَأ الْمَكْتُوب أَيْضا وَإِنَّمَا كلامنا فِيمَن يخبر عَن كتاب لَا عَن (حفظه حَتَّى إِذا كَانَ يروي عَن حفظ لَا عَن كتاب فقراءته أقوى لِأَنَّهُ يتحدث بِهِ) حَقِيقَة فَأَما إِذا كَانَ يروي عَن كتاب فالجانبان
[ ١ / ٣٧٥ ]
سَوَاء فِي معنى التحدث بِمَا فِي الْكتاب أَلا ترى أَن فِي الشَّهَادَات لَا فرق بَين أَن يقْرَأ من عَلَيْهِ الْحق ذكر إِقْرَاره عَلَيْك وَبَين أَن تَقْرَأهُ عَلَيْهِ ثمَّ تستفهمه هَل تقر بِجَمِيعِ مَا قرأته عَلَيْك فَيَقُول نعم وَبِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ يجوز أَدَاء الشَّهَادَة وَبَاب الشَّهَادَة أضيق من بَاب رِوَايَة الْخَبَر فَكَانَ الْمَعْنى فِيهِ أَن نعم جَوَاب مُخْتَصر وَلَا فرق فِي الْجَواب بَين الْمُخْتَصر والمشبع فَيصير مَا تقدم كالمعاد فِي الْجَواب كُله ثمَّ للطَّالِب من الرِّعَايَة عِنْد الْقِرَاءَة عَادَة مَا لَيْسَ للمحدث فَعِنْدَ قِرَاءَة الْمُحدث لَا يُؤمن من الْخَطَأ فِي بعض مَا يقْرَأ لقلَّة رعايته ويؤمن ذَلِك إِذا قَرَأَ الطَّالِب لشدَّة رعايته
فَإِن قيل عِنْد قِرَاءَة الطَّالِب يتَوَهَّم أَن يسهو الْمُحدث عَن بعض مَا يسمع وينتفي هَذَا التَّوَهُّم إِذا قَرَأَهُ الْمُحدث لشدَّة رِعَايَة الطَّالِب فِي ضبط مَا يسمع مِنْهُ
قُلْنَا هُوَ كَذَلِك وَلَكِن السَّهْو عَن سَماع الْبَعْض مِمَّا لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ عَادَة وَهُوَ أيسر مِمَّا يَقع بِسَبَب الْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة فمراعاة ذَلِك الْجَانِب أولى
والوجهان الْآخرَانِ الْكِتَابَة والرسالة فَإِن الْمُحدث إِذا كتب إِلَى غَيره على رسم الْكتب وَذكر فِي كِتَابه حَدثنِي فلَان عَن فلَان إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ وَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا وفهمت مَا فِيهِ فَحدث بِهِ عني فَهَذَا صَحِيح
وَكَذَلِكَ لَو أرسل إِلَيْهِ رَسُولا فَبَلغهُ على هَذِه الصّفة فَإِن رَسُول الله ﵇ كَانَ مَأْمُورا بتبليغ الرسَالَة وَبلغ إِلَى قوم مشافهة وَإِلَى آخَرين بِالْكتاب وَالرَّسُول وَكَانَ ذَلِك تبليغا تَاما
وَكَذَلِكَ فِي زَمَاننَا يثبت من الْخُلَفَاء تَقْلِيد السلطنة وَالْقَضَاء بِالْكتاب وَالرَّسُول بِهَذَا الطَّرِيق كَمَا يثبت بالمشافهة إِلَّا أَن الْمُخْتَار فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين للراوي أَن يَقُول حَدثنِي فلَان وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين أَن يَقُول أَخْبرنِي لِأَن فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين شافهه الْمُحدث بالإسماع فَيكون مُحدثا لَهُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين لم يشافهه وَلكنه مخبر لَهُ بكتابه فَإِن الْكتاب مِمَّن بعد كالخطاب مِمَّن حضر وَالرَّسُول كالكتاب أَو أقوى لِأَن معنى الضَّبْط يُوجد فيهمَا ثمَّ الرَّسُول نَاطِق وَالْكتاب غير نَاطِق
وعَلى هَذَا ذكر فِي الزِّيَادَات إِذا حلف أَن لَا يتحدث بسر فلَان أَو لَا يتَكَلَّم
[ ١ / ٣٧٦ ]
بِهِ فَكتب بِهِ أَو أرسل رَسُولا لم يَحْنَث وَلَو تكلم بِهِ مشافهة يَحْنَث وَلَو حلف لَا يخبر بِهِ فَكتب أَو أرسل يَحْنَث بِمَنْزِلَة مَا لَو تكلم بِهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى أكرمنا بكتابه وَرَسُوله ثمَّ لَا يجوز لأحد أَن يَقُول حَدثنِي الله وَلَا كلمني الله إِنَّمَا ذَلِك لمُوسَى ﵊ خَاصَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ وَيجوز أَن يَقُول أخبرنَا الله بِكَذَا أَو أَنبأَنَا ونبأنا فَلهَذَا كَانَ الْمُخْتَار فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين حَدثنِي وَفِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين أَخْبرنِي
وَأما الرُّخْصَة فِيهِ فمما لَا تكون فِيهِ إسماع وَذَلِكَ الْإِجَازَة والمناولة وَشرط الصِّحَّة فِي ذَلِك أَن يكون مَا فِي الْكتاب مَعْلُوما للمجاز لَهُ مفهوما لَهُ وَأَن يكون الْمُجِيز من أهل الضَّبْط والإتقان قد علم جَمِيع مَا فِي الْكتاب وَإِذا قَالَ حِينَئِذٍ أجزت لَك أَن تروي عني مَا فِي هَذَا الْكتاب كَانَ صَحِيحا لِأَن الشَّهَادَة تصح بِهَذِهِ الصّفة فَإِن الشَّاهِد إِذا وقف على جَمِيع مَا فِي الصَّك وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما لمن عَلَيْهِ الْحق فَقَالَ أجزت لَك أَن تشهد عَليّ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكتاب كَانَ صَحِيحا فَكَذَلِك رِوَايَة الْخَبَر والأحوط للمجاز لَهُ أَن يَقُول عِنْد الرِّوَايَة أجَاز لي فلَان فَإِن قَالَ أَخْبرنِي فَهُوَ جَائِز أَيْضا وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي فَإِن ذَلِك مُخْتَصّ بالإسماع وَلم يُوجد
والمناولة لتأكيد الْإِجَازَة فيستوى الحكم فِيمَا إِذا وجدا جَمِيعًا أَو وجدت الْإِجَازَة وَحدهَا
فَأَما إِذا كَانَ المستجيز غير عَالم بِمَا فِي الْكتاب فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا إِن على قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا تصح هَذِه الْإِجَازَة وعَلى قَول أبي يُوسُف ﵀ تصح على قِيَاس اخْتلَافهمْ فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَكتاب الشَّهَادَة فَإِن علم الشَّاهِد بِمَا فِي الْكتاب شَرط فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَلَا يكون شرطا فِي قَول أبي يُوسُف ﵀ لصِحَّة أَدَاء الشَّهَادَة
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَن هَذِه الْإِجَازَة لَا تصح فِي قَوْلهم جَمِيعًا إِلَّا أَن أَبَا يُوسُف اسْتحْسنَ هُنَاكَ لأجل الضَّرُورَة فالكتب تشْتَمل على أسرار لَا يُرِيد الْكَاتِب والمكتوب إِلَيْهِ أَن يقف عَلَيْهَا غَيرهمَا وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي كتب الْأَخْبَار
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثمَّ الْخَبَر أصل الدّين أمره عَظِيم وخطبه جسيم فَلَا وَجه للْحكم بِصِحَّة تحمل الْأَمَانَة فِيهِ قبل أَن يصير مَعْلُوما مفهوما لَهُ أَلا ترى أَنه لَو قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحدث فَلم يسمع وَلم يفهم لم يجز لَهُ أَن يروي وَالْإِجَازَة إِذا لم يكن مَا فِي الْكتاب مَعْلُوما لَهُ دون ذَلِك كَيفَ تجوز الرِّوَايَة بِهَذَا الْقدر وإسماع الصّبيان الَّذين لَا يميزون وَلَا يفهمون نوع تبرك استحسنه النَّاس فَأَما أَن يثبت بِمثلِهِ نقل الدّين فَلَا
وَكَذَلِكَ من حضر مجْلِس السماع واشتغل بِقِرَاءَة كتاب آخر غير مَا يَقْرَؤُهُ القارىء أَو اشْتغل بِالْكِتَابَةِ لشَيْء آخر أَو اشْتغل بتحدث أَو لَغْو أَو لَهو أَو اشْتغل عَن السماع لغفلة أَو نوم فَإِن سَمَاعه لَا يكون صَحِيحا مُطلقًا لَهُ الرِّوَايَة إِلَّا أَن مِقْدَار مَا لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ من السَّهْو والغفلة يَجْعَل عفوا للضَّرُورَة فَأَما عِنْد الْقَصْد فَهُوَ غير مَعْذُور وَلَا يَأْمَن أَن يحرم بِسَبَب ذَلِك حَظه ونعوذ بِاللَّه فَأَما إِذا قَالَ الْمُحدث أجزت لَك أَن تروي عني مسموعاتي فَإِن ذَلِك غير صَحِيح بالِاتِّفَاقِ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ رجل لآخر اشْهَدْ عَليّ بِكُل صك تَجِد فِيهِ إقراري فقد أجزت لَك ذَلِك فَإِن ذَلِك بَاطِل
وَقد نقل عَن بعض أَئِمَّة التَّابِعين أَن سَائِلًا سَأَلَهُ الْإِجَازَة بِهَذِهِ الصّفة فتعجب وَقَالَ لأَصْحَابه هَذَا يطْلب مني أَن أُجِيز لَهُ أَن يكذب عَليّ وَبَعض الْمُتَأَخِّرين جوزوا ذَلِك على وَجه الرُّخْصَة لضَرُورَة المستعجلين وَلَكِن فِي هَذِه الرُّخْصَة سد بَاب الْجهد فِي الدّين وَفتح بَاب الكسل فَلَا وَجه للمصير إِلَيْهِ
فَأَما الْكتب المصنفة الَّتِي هِيَ مَشْهُورَة فِي أَيدي النَّاس فَلَا بَأْس لمن نظر فِيهَا وَفهم شَيْئا مِنْهَا وَكَانَ متقنا فِي ذَلِك أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا أَو مَذْهَب فلَان كَذَا من غير أَن يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي لِأَنَّهَا مستفيضة بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور وَبَعض الْجُهَّال من الْمُحدثين استبعدوا ذَلِك حَتَّى طعنوا على مُحَمَّد ﵀ فِي كتبه المصنفة
وَحكي أَن بَعضهم قَالَ لمُحَمد بن الْحسن ﵀ أسمعت هَذَا كُله من أبي حنيفَة فَقَالَ لَا
فَقَالَ أسمعته من
[ ١ / ٣٧٨ ]
أبي يُوسُف فَقَالَ لَا وَإِنَّمَا أَخذنَا ذَلِك مذاكرة
فَقَالَ كَيفَ يجوز إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَذْهَب فلَان كَذَا أَو قَالَ فلَان كَذَا بِهَذَا الطَّرِيق وَهَذَا جهل لِأَن تصنيف كل صَاحب مَذْهَب مَعْرُوف فِي أَيدي النَّاس مَشْهُور كموطأ مَالك ﵀ وَغير ذَلِك فَيكون بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمَشْهُور يُوقف بِهِ على مَذْهَب المُصَنّف وَإِن لم نسْمع مِنْهُ فَلَا بَأْس بِذكرِهِ على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا بعد أَن يكون أصلا مُعْتَمدًا يُؤمن فِيهِ التَّصْحِيف وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
فَأَما بَيَان طرق الْحِفْظ فَهُوَ نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة فِيهِ أَن يحفظ المسموع من وَقت السماع والفهم إِلَى وَقت الْأَدَاء وَكَانَ هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْأَخْبَار والشهادات جَمِيعًا وَلِهَذَا قلت رِوَايَته وَهُوَ طَرِيق رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه للنَّاس
وَأما الرُّخْصَة فِيهِ أَن يعْتَمد الْكتاب إِلَّا أَنه إِذا نظر فِي الْكتاب فَتذكر فَهُوَ عَزِيمَة أَيْضا وَلكنه مشبه بِالرُّخْصَةِ وَإِذا لم يتَذَكَّر فَهُوَ مَحْض الرُّخْصَة على قَول من يجوز ذَلِك وَقد بَينا فِيمَا سبق
وَالْأَدَاء أَيْضا نَوْعَانِ عَزِيمَة ورخصة
فالعزيمة أَن يُؤَدِّي على الْوَجْه الَّذِي سَمعه بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ والرخصة فِيهِ أَن يُؤَدِّي بعبارته معنى مَا فهمه عِنْد سَمَاعه وَقد بَينا ذَلِك
وَمن نوع الرُّخْصَة التَّدْلِيس وَهُوَ أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا لمن لقِيه وَلَكِن لم يسمع مِنْهُ فيوهم السامعين أَنه قد سمع ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ الْأَعْمَش وَالثَّوْري يفْعَلَانِ ذَلِك وَكَانَ شُعْبَة يَأْبَى ذَلِك ويستبعده غَايَة الاستبعاد حَتَّى كَانَ يَقُول لِأَن أزني أحب إِلَيّ من أَن أدلس
وَالصَّحِيح القَوْل الأول وَقد بَينا أَن الصَّحَابَة كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك فَيَقُول الْوَاحِد مِنْهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا فَإِذا رُوجِعَ فِيهِ قَالَ سمعته من فلَان يرويهِ عَن رَسُول الله ﵇ وَمَا كَانَ يُنكر بَعضهم على بعض ذَلِك فَعرفنَا أَنه لَا بَأْس بِهِ وَأَن هَذَا النَّوْع لَا يكون تدليسا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا يجوز لأحد أَن يُسَمِّي أحدا من الصَّحَابَة مدلسا وَإِنَّمَا التَّدْلِيس الْمُطلق أَن يسْقط اسْم من
[ ١ / ٣٧٩ ]
رَوَاهُ لَهُ ويروى عَن رَاوِي الأَصْل على قصد الترويج بعلو الْإِسْنَاد فَإِن هَذَا الْقَصْد غير مَحْمُود فَأَما إِذا لم يكن على هَذَا الْقَصْد وَإِنَّمَا كَانَ على قصد التَّيْسِير على السامعين بِإِسْقَاط تَطْوِيل الْإِسْنَاد عَنْهُم أَو على قصد التَّأْكِيد بالعزم على أَنه قَول رَسُول الله ﵇ قطعا فَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَمَا نقل عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَحْمُول على هَذَا النَّوْع
وَتجوز الرِّوَايَة عَمَّن اشْتهر بِهَذَا الْفِعْل إِذا علم أَنه لَا يُدَلس إِلَّا فِيمَا سَمعه عَن ثِقَة فَأَما إِذا كَانَ يروي عَمَّن لَيْسَ بِثِقَة وَيُدَلس بِهَذِهِ الصّفة لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ بَعْدَمَا اشْتهر بالتدليس
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي فصل من هَذَا الْجِنْس وَهُوَ أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا أَو السّنة كَذَا فَالْمَذْهَب عندنَا أَنه لَا يفهم من هَذَا الْمُطلق الْإِخْبَار بِأَمْر رَسُول الله ﵇ أَو أَنه سنة رَسُول الله
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ينْصَرف إِلَى ذَلِك عِنْد الْإِطْلَاق وَفِي الْجَدِيد قَالَ لَا ينْصَرف إِلَى ذَلِك بِدُونِ الْبَيَان لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد سنة الْبلدَانِ أَو الرؤساء حَتَّى قَالَ فِي كل مَوضِع قَالَ مَالك ﵀ السّنة ببلدنا كَذَا فَإِنَّمَا أَرَادَ سنة سُلَيْمَان بن بِلَال وَهُوَ كَانَ عريفا بِالْمَدِينَةِ وعَلى قَوْله الْقَدِيم أَخذ بقول سعيد بن الْمسيب ﵁ فِي الْعَاجِز عَن النَّفَقَة إِنَّه يفرق بَينه وَبَين امْرَأَته لِأَنَّهُ حمل قَول سعيد السّنة على سنة رَسُول الله ﷺ
وَكَذَلِكَ أَخذ بقوله فِي أَن الْمَرْأَة تعاقل الرجل إِلَى ثلث الدِّيَة بقول سعيد فِيهِ السّنة فَحمل ذَلِك على سنة رَسُول الله ﵇
وَلم نَأْخُذ نَحن بذلك لأَنا علمنَا أَن مُرَاده سنة زيد ورجحنا قَول عَليّ وَعبد الله ﵄ على قَول زيد ﵁ بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن الْأَمر وَالنَّهْي يتَحَقَّق من غير رَسُول الله ﵇ كَمَا يتَحَقَّق مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَعند الْإِطْلَاق لَا يثبت إِلَّا أدنى الْكَمَال أَلا ترى أَن مُطلق قَول الْعَالم أمرنَا بِكَذَا لَا يحمل على أَنه أَمر الله أنزلهُ فِي كِتَابه نصا فَكَذَلِك لَا يحمل على أَنه أَمر رَسُول الله ﵇ نصا لاحْتِمَال أَن يكون الْآمِر غَيره مِمَّن يجب مُتَابَعَته
وَكَذَلِكَ السّنة فقد قَالَ ﵇ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي وَقَالَ ﵇ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ
[ ١ / ٣٨٠ ]
أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد ظهر من عَادَة الصَّحَابَة التَّقْيِيد عِنْد إِرَادَة سنة رَسُول الله ﵇ بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ على مَا قَالَ عمر لصبي بن معبد هديت لسنة نبيك
وَقَالَ عقبَة بن عَامر ﵁ ثَلَاث سَاعَات نَهَانَا رَسُول الله ﵇ أَن نصلي فِيهِنَّ
وَقَالَ صَفْوَان بن عَسَّال ﵁ (أمرنَا رَسُول الله ﵇ إِذا كُنَّا سفرا أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها) الحَدِيث
فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنهم إِذا أطْلقُوا هَذَا اللَّفْظ فَإِنَّهُ لَا يكون مُرَادهم الْإِضَافَة إِلَى رَسُول الله ﷺ نصا وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يثبت التَّعْيِين بِغَيْر دَلِيل
[ ١ / ٣٨١ ]