قَالَ ﵁ الِانْتِقَال على أَرْبَعَة أوجه انْتِقَال من عِلّة إِلَى عِلّة أُخْرَى لإِثْبَات الأولى بهَا وانتقال من حكم إِلَى حكم لإثباته بِالْعِلَّةِ الأولى وانتقال من حكم إِلَى حكم (آخر) لإثباته بعلة أُخْرَى
وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة مُسْتَقِيمَة على طَرِيق النّظر لَا تعد من الِانْقِطَاع
أما الأول فَلِأَن الْمُعَلل إِنَّمَا الْتزم إِثْبَات الحكم بِمَا ذكره من الْعلَّة ويمكنه من ذَلِك بِإِثْبَات الْعلَّة فَمَا دَامَ سَعْيه فِيمَا يرجع إِلَى إِثْبَات تِلْكَ الْعلَّة يكون ذَلِك وَفَاء مِنْهُ بِمَا الْتزم لَا أَن يكون إعْرَاضًا عَن ذَلِك واشتغالا بِشَيْء آخر
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا عللنا فِي نفي الضَّمَان عَن الصَّبِي الْمُسْتَهْلك للوديعة بِأَنَّهُ اسْتِهْلَاك عَن تسليط صَحِيح ثمَّ نشتغل بِإِثْبَات هَذِه الْعلَّة فَإِنَّهُ يكون هَذَا انتقالا من عِلّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الْعلَّة الأولى بهَا وَلَا يشك أحد فِي أَن ذَلِك مُسْتَقِيم على طَرِيق النّظر وعَلى هَذَا إِذا اشْتغل بِإِثْبَات الأَصْل الَّذِي يتَفَرَّع مِنْهُ مَوضِع الْخلاف حَتَّى يرْتَفع الْخلاف بِإِثْبَات الأَصْل فَإِن ذَلِك حسن صَحِيح نَحْو مَا إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْجَهْر بِالتَّسْمِيَةِ فَإِذا قَالَ الْمُعَلل هَذَا يبتنى على أصل وَهُوَ أَن التَّسْمِيَة لَيست بِآيَة من الْفَاتِحَة ثمَّ يشْتَغل بِإِثْبَات ذَلِك الأَصْل حَتَّى يثبت الْفَرْع بِثُبُوت الأَصْل يكون مُسْتَقِيمًا
وَكَذَلِكَ إِذا علل بِقِيَاس فَقَالَ خَصمه الْقيَاس عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فاشتغل بِإِثْبَات كَونه حجَّة بقول صَحَابِيّ فَيَقُول خَصمه قَول الْوَاحِد
[ ٢ / ٢٨٦ ]
من الصَّحَابَة عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فاشتغل بِإِثْبَات كَونه حجَّة بِخَبَر الْوَاحِد فَيَقُول خَصمه خبر الْوَاحِد عِنْدِي لَيْسَ بِحجَّة فيحتج بِكِتَاب على أَن خبر الْوَاحِد حجَّة فَإِنَّهُ يكون طَرِيقا مُسْتَقِيمًا وَيكون هَذَا كُله سعيا فِي إِثْبَات مَا رام إثْبَاته فِي الِابْتِدَاء
وَأما الثَّانِي فَلِأَن الِانْتِقَال من حكم إِلَى حكم إِنَّمَا يكون عِنْد مُوَافقَة الْخصم فِي الحكم الأول وَمَا كَانَ مَقْصُود الْمُعَلل إِلَّا طلب الْمُوَافقَة فِي ذَلِك الحكم فَإِذا وَافقه خَصمه فِيهِ فقد تمّ مَقْصُوده ثمَّ الِانْتِقَال بعده إِلَى حكم آخر ليثبته بِالْعِلَّةِ الأولى يدل على قُوَّة تِلْكَ الْعلَّة فِي إجرائها فِي المعلولات وعَلى حذاقة الْمُعَلل فِي إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ وَذَلِكَ نَحْو مَا إِذا عللنا فِي تَحْرِير الْمكَاتب عَن كَفَّارَة الْيَمين لِأَن الْكِتَابَة عقد مُعَاوضَة يحْتَمل الْفَسْخ فَلَا تخرج الرَّقَبَة من أَن تكون محلا للصرف إِلَى الْكَفَّارَة كَالْبيع فَإِذا قَالَ الْخصم عِنْدِي عقد الْكِتَابَة لَا يخرج الرَّقَبَة من الصلاحية لذَلِك وَلَكِن نُقْصَان الرّقّ هُوَ الَّذِي يخرج الرَّقَبَة من ذَلِك فَنَقُول بِهَذِهِ الْعلَّة يجب أَن لَا يتَمَكَّن نُقْصَان فِي الرّقّ لِأَن مَا يُمكن نُقْصَانا فِي الرّقّ لَا يكون فِيهِ احْتِمَال الْفَسْخ فَهَذَا إِثْبَات الحكم الثَّانِي بِالْعِلَّةِ الأولى أَيْضا وَهُوَ نِهَايَة فِي الحذاقة
وَكَذَلِكَ إِن تعذر إِثْبَات الحكم الثَّانِي بِالْعِلَّةِ الأولى فَأَرَادَ إثْبَاته بِالْعِلَّةِ بعلة أُخْرَى لِأَنَّهُ مَا ضمن بتعليله إِثْبَات جَمِيع الْأَحْكَام بِالْعِلَّةِ الأولى وَإِنَّمَا ضمن إِثْبَات الحكم الَّذِي زعم أَن خَصمه ينازعه فِيهِ فَإِذا أظهر الْخصم الْمُوَافقَة فِيهِ وَاحْتَاجَ إِلَى إِثْبَات حكم آخر يكون لَهُ أَن يثبت ذَلِك بعلة أُخْرَى وَلَا يكون هَذَا انْقِطَاعًا مِنْهُ
فَأَما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ الِانْتِقَال من عِلّة إِلَى عِلّة أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول فَمن أهل النّظر من صحّح ذَلِك أَيْضا وَلم يَجعله انْقِطَاعًا اسْتِدْلَالا بِقصَّة الْخَلِيل ﵇ حِين حَاج اللعين بقوله تَعَالَى ﴿رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت﴾ فَلَمَّا قَالَ اللعين ﴿أَنا أحيي وأميت﴾ حاجه بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ وَكَانَ ذَلِك (مِنْهُ)
[ ٢ / ٢٨٧ ]
انتقالا من حجَّة إِلَى حجَّة لإِثْبَات شَيْء وَاحِد وَقد ذكر الله تَعَالَى ذَلِك عَنهُ على وَجه الْمَدْح لَهُ بِهِ فَعرفنَا أَنه مُسْتَقِيم
وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي إِذا أَقَامَ شَاهِدين فعورض بِجرح فيهمَا كَانَ لَهُ أَن يُقيم شَاهِدين آخَرين لإِثْبَات حَقه
وَالْمذهب الصَّحِيح عِنْد عَامَّة الْفُقَهَاء أَن هَذَا النَّوْع من الِانْقِطَاع لِأَنَّهُ رام إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى فانتقاله عَنْهَا إِلَى عِلّة أُخْرَى قبل أَن يثبت الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى لَا يكون إِلَّا لعجز عَن إثْبَاته بِالْعِلَّةِ الأولى وَهَذَا انْقِطَاع على مَا نبينه فِي فَصله
ثمَّ مجَالِس النّظر للإبانة فَلَو جَوَّزنَا الِانْتِقَال فِيهَا من عِلّة إِلَى عِلّة أدّى ذَلِك إِلَى أَن يَتَطَاوَل الْمجْلس وَلَا يحصل مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْإِبَانَة وَكَانَ هَذَا نَظِير نقض يتَوَجَّه على الْعلَّة فَإِنَّهُ لَا يشْتَغل بالاحتراز عَنهُ وَلَكِن إِذا تعذر دَفعه بِمَا ذكره الْمُعَلل فِي الِابْتِدَاء يظْهر بِهِ انْقِطَاعه فِي ذَلِك الْمجْلس فَهَذَا مثله
فَأَما قصَّة الْخَلِيل ﵊ فَهُوَ مَا انْتقل قبل ظُهُور الْحجَّة الأولى لَهُ وَلَكِن الأولى كَانَت حجَّة ظَاهِرَة لم يطعن خَصمه فِيهَا إِنَّمَا ادّعى دَعْوَى مُبتَدأَة بقوله ﴿أَنا أحيي وأميت﴾ وكل مَا صنعه مَعْلُوم الْفساد عِنْد المتأملين إِلَّا أَنه كَانَ فِي الْقَوْم من يتبع الظَّاهِر وَلَا يتَأَمَّل فِي حَقِيقَة الْمَعْنى فخاف الْخَلِيل ﵊ الِاشْتِبَاه على أمثالهم فضم إِلَى الْحجَّة الأولى حجَّة ظَاهِرَة لَا يكَاد يَقع فِيهَا الِاشْتِبَاه فبهت الَّذِي كفر
وَهَذَا مستحسن فِي طَرِيق النّظر لَا يشك فِيهِ فَإِن الْمُعَلل إِذا أثبت علته يَقُول وَالَّذِي يُوضح مَا ذكرت
فَيَأْتِي بِكَلَام آخر هُوَ أوضح من الأول فِي إِثْبَات مَا رام إثْبَاته وَهَذَا لِأَن حجج الشَّرْع أنوار فضم حجَّة إِلَى حجَّة كضم سراج إِلَى سراج وَذَلِكَ لَا يكون دَلِيلا على ضعف أَحدهمَا أَو بطلَان أَثَره فَكَذَلِك ضم حجَّة إِلَى حجَّة وَإِنَّمَا جعلنَا هَذَا انْقِطَاعًا فِي مَوضِع يكون الِانْتِقَال للعجز عَن إِثْبَات الحكم بِالْعِلَّةِ الأولى
ثمَّ كل هَذِه التَّصَرُّفَات للمجيب لَا للسَّائِل فَإِن الْمُجيب بَان والسائل هَادِم مَانع وَالْحَاجة إِلَى هَذِه الِانْتِقَالَات للباني الْمُثبت لَا للمانع الدَّافِع
على مَا أخبر الله بِهِ عَن اللعين عِنْد إِظْهَار الْخَلِيل ﷺ حجَّته بقوله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾
[ ٢ / ٢٨٨ ]