قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْكتاب هُوَ الْقُرْآن الْمنزل على رَسُول الله ﷺ الْمَكْتُوب فِي دفات الْمَصَاحِف الْمَنْقُول إِلَيْنَا على الأحرف السَّبْعَة الْمَشْهُورَة نقلا متواترا لِأَن مَا دون الْمُتَوَاتر لَا يبلغ دَرَجَة العيان وَلَا يثبت بِمثلِهِ الْقُرْآن مُطلقًا وَلِهَذَا قَالَت الْأمة لَو صلى بِكَلِمَات تفرد بهَا ابْن مَسْعُود لم تجز صلَاته لِأَنَّهُ لم يُوجد
[ ١ / ٢٧٩ ]
فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر وَبَاب الْقُرْآن بَاب يَقِين وإحاطة فَلَا يثبت بِدُونِ النَّقْل الْمُتَوَاتر كَونه قُرْآنًا وَمَا لم يثبت أَنه قُرْآن فتلاوته فِي الصَّلَاة كتلاوة خبر فَيكون مُفْسِدا للصَّلَاة
فَإِن قيل بِكَوْنِهِ معجزا يثبت أَنه قُرْآن بِدُونِ النَّقْل الْمُتَوَاتر
قُلْنَا لَا خلاف أَن مَا دون الْآيَة غير معجز وَكَذَلِكَ الْآيَة القصيرة وَلِهَذَا لم يجوز أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله الصَّلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة ثَلَاث آيَات قصار أَو آيَة طَوِيلَة لِأَن المعجز السُّورَة وأقصر السُّور ثَلَاث آيَات يَعْنِي الْكَوْثَر
وَأَبُو حنيفَة ﵀ قَالَ الْوَاجِب بِالنَّصِّ قِرَاءَة مَا تيَسّر من الْقُرْآن وبالآية القصيرة يحصل ذَلِك فيتأدى فرض الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ يكره الِاكْتِفَاء بذلك وَجَاء فِيمَا ذكرنَا أَن مَا دون الْآيَة وَالْآيَة القصيرة لَيْسَ بمعجز وَهُوَ قُرْآن يثبت بِهِ الْعلم قطعا فَظهر أَن الطَّرِيق فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر مَعَ أَن كَونه معجزا دَلِيل على صدق الرَّسُول ﷺ فِيمَا يخبر بِهِ وَلَيْسَ بِدَلِيل فِي نَفسه على أَنه كَلَام الله لجَوَاز أَن يقدر الله تَعَالَى رَسُوله على كَلَام يعجز الْبشر عَن مثله كَمَا أقدر عِيسَى على إحْيَاء الْمَوْتَى وعَلى أَن يخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فينفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله
فَعرفنَا أَن الطَّرِيق فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر
وَإِنَّمَا اعْتبرنَا الْإِثْبَات فِي دفات الْمَصَاحِف لِأَن الصَّحَابَة ﵃ إِنَّمَا أثبتوا الْقُرْآن فِي دفات الْمَصَاحِف لتحقيق النَّقْل الْمُتَوَاتر فِيهِ وَلِهَذَا أمروا بتجريد الْقُرْآن فِي الْمَصَاحِف وكرهوا التعاشير وأثبتوا فِي الْمَصَاحِف مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ثمَّ نقل إِلَيْنَا نقلا متواترا فَثَبت بِهِ الْعلم قطعا وَلما ثَبت بِهَذَا الطَّرِيق أَنه كَلَام الله تَعَالَى ثَبت أَنه حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا لعلمنا يَقِينا أَن كَلَام الله لَا يكون إِلَّا حَقًا
فَإِن قيل فالتسمية نقلت إِلَيْنَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف بقلم الْوَحْي لمبدأ الْفَاتِحَة ومبدأ كل سُورَة سوى سُورَة بَرَاءَة ثمَّ لم تجعلوها آيَة من الْفَاتِحَة وَلَا من أول كل سُورَة مَعَ النَّقْل الْمُتَوَاتر من الْوَجْه الَّذِي قررتم قُلْنَا قد ذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ ﵀ أَن الصَّحِيح من الْمَذْهَب عندنَا أَن التَّسْمِيَة آيَة منزلَة من الْقُرْآن لَا من أول السُّورَة وَلَا من آخرهَا وَلِهَذَا كتبت للفصل بَين السُّور فِي الْمُصحف بِخَط على حِدة لتَكون
[ ١ / ٢٨٠ ]
الْكِتَابَة بقلم الْوَحْي دَلِيلا على أَنَّهَا منزلَة للفصل وَالْكِتَابَة بِخَط على حِدة دَلِيلا على أَنَّهَا لَيست من أول السُّورَة وَظَاهر مَا ذكر فِي الْكتاب عُلَمَاؤُنَا يشْهد بِهِ فَإِنَّهُم قَالُوا ثمَّ يفْتَتح الْقِرَاءَة ويخفي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد قطعُوا التَّسْمِيَة عَن التَّعَوُّذ وأدخلوها فِي الْقِرَاءَة وَلَكِن قَالُوا لَا يجْهر بهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن الْجَهْر بهَا بِمَنْزِلَة الْفَاتِحَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنَّمَا قَالُوا يخفي بهَا ليعلم أَنَّهَا لَيست بِآيَة من أول الْفَاتِحَة فَإِن الْمُتَعَيّن فِي حق الإِمَام الْجَهْر بِالْفَاتِحَةِ وَالسورَة فِي الْأَوليين وعَلى هَذَا نقُول يكره للْجنب وَالْحَائِض قِرَاءَة التَّسْمِيَة على قصد قِرَاءَة الْقُرْآن لِأَن من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن حُرْمَة الْقِرَاءَة على الْجنب وَالْحَائِض وَلَكِن لَا يتَأَدَّى بهَا فرض الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة عِنْد أبي حنيفَة ﵀ لاشتباه الْآثَار وَاخْتِلَاف الْعلمَاء وَأدنى دَرَجَات الِاخْتِلَاف الْمُعْتَبر إيراث الشُّبْهَة بِهِ وَمَا كَانَ فرضا مَقْطُوعًا بِهِ لَا يتَأَدَّى بِمَا فِيهِ شُبْهَة ولسنا نعني الشُّبْهَة فِي كَونهَا من الْقُرْآن بل فِي كَونهَا آيَة تَامَّة فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي أَنَّهَا من الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
فَإِن قيل فقد أثبتم بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﵁ فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات كَونه قُرْآنًا فِي حق الْعَمَل بِهِ وَلم يُوجد فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر وَلم تثبتوا فِي التَّسْمِيَة مَعَ النَّقْل الْمُتَوَاتر كَونهَا آيَة من الْقُرْآن فِي حكم الْعَمَل وَهُوَ وجوب الْجَهْر بهَا فِي الصَّلَاة وتأدي الْقِرَاءَة بهَا
قُلْنَا نَحن مَا أثبتنا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود كَون تِلْكَ الزِّيَادَة قُرْآنًا وَإِنَّمَا جعلنَا ذَلِك بِمَنْزِلَة خبر رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ لعلمنا أَنه مَا قَرَأَ بهَا إِلَّا سَمَاعا من رَسُول الله ﷺ وَخَبره مَقْبُول فِي وجوب الْعَمَل بِهِ وبمثل هَذَا الطَّرِيق لَا يُمكن إِثْبَات هَذَا الحكم فِي التَّسْمِيَة لِأَن بِرِوَايَة الْخَبَر وَإِن علم صِحَّته لَا يثبت حكم جَوَاز الصَّلَاة وَلِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن وجوب الْجَهْر بهَا على مَا بَينا أَن الْفَاتِحَة لَا يجْهر بهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَمَا كَانَ ثُبُوته بطرِيق الِاقْتِضَاء يتَقَدَّر الحكم فِيهِ بِقدر الضَّرُورَة لِأَنَّهُ لَا عُمُوم للمقتضى
ثمَّ قَالَ كثير من مَشَايِخنَا إِن إعجاز الْقُرْآن فِي النّظم وَفِي الْمَعْنى جَمِيعًا خُصُوصا على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله حَيْثُ قَالَا بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة لَا يتَأَدَّى فرض الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ أَنه هُوَ المُرَاد لِأَن الْفَرْض قِرَاءَة المعجز وَذَلِكَ فِي النّظم وَالْمعْنَى جَمِيعًا
قَالَ ﵁ وَالَّذِي يَتَّضِح لي أَنه لَيْسَ مُرَادهم من هَذَا أَن
[ ١ / ٢٨١ ]
الْمَعْنى بِدُونِ النّظم غير معجز فالأدلة على كَون الْمَعْنى معجزا ظَاهِرَة مِنْهَا أَن المعجز كَلَام الله (وَكَلَام الله تَعَالَى) غير مُحدث وَلَا مَخْلُوق والألسنة كلهَا محدثة الْعَرَبيَّة والفارسية وَغَيرهمَا فَمن يَقُول الإعجاز لَا يتَحَقَّق إِلَّا بالنظم فَهُوَ لَا يجد بدا من أَن يَقُول بِأَن المعجز مُحدث وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز القَوْل بِهِ وَالثَّانِي أَن النَّبِي ﵇ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة (وَآيَة نبوته الْقُرْآن الَّذِي هُوَ معجز فَلَا بُد من القَوْل بِأَنَّهُ حجَّة لَهُ على النَّاس كَافَّة) وَمَعْلُوم أَن عجز العجمي عَن الْإِتْيَان بِمثل الْقُرْآن بلغَة الْعَرَب لَا يكون حجَّة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعجز أَيْضا عَن الْإِتْيَان بِمثل شعر امرىء الْقَيْس وَغَيره بلغَة الْعَرَب وَإِنَّمَا يتَحَقَّق عَجزه عَن الْإِتْيَان بِمثل الْقُرْآن بلغته فَهَذَا دَلِيل وَاضح على أَن معنى الإعجاز فِي الْمَعْنى تَامّ وَلِهَذَا جوز أَبُو حنيفَة ﵀ الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة ولكنهما قَالَا فِي حق من لَا يقدر على الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ الْجَواب هَكَذَا وَهُوَ دَلِيل على أَن الْمَعْنى عِنْدهمَا معجز فَإِن فرض الْقِرَاءَة سَاقِط عَمَّن لَا يقدر على قِرَاءَة المعجز أصلا وَلم يسْقط عَنهُ الْفَرْض أصلا بل يتَأَدَّى بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَما إِذا كَانَ قَادِرًا على الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ لم يتأد الْفَرْض فِي حَقه بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدهمَا لَا لِأَنَّهُ غير معجز وَلَكِن لِأَن مُتَابعَة رَسُول الله ﷺ وَالسَّلَف فِي أَدَاء هَذَا الرُّكْن فرض فِي حق من يقدر عَلَيْهِ وَهَذِه الْمُتَابَعَة فِي الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة اعْتبر هَذَا فِي كَرَاهَة الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَما فِي تأدي أصل الرُّكْن بِقِرَاءَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ اعْتبر مَا قَرَّرْنَاهُ