قَالَ ﵁ اعْلَم أَن الْعلمَاء يَخْتَلِفُونَ فيهمَا جَمِيعًا فنبين كل وَاحِد مِنْهُمَا على الِانْفِرَاد ليَكُون أوضح
أما بَيَان حكم الْأَمر فقد قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا حكم لِلْأَمْرِ فِي ضِدّه
وَقَالَ الْجَصَّاص ﵀ الْأَمر بالشَّيْء يُوجب النَّهْي عَن ضِدّه سَوَاء كَانَ لَهُ ضد وَاحِد أَو أضداد
وَقَالَ بَعضهم يُوجب كَرَاهَة ضِدّه وَالْمُخْتَار عندنَا أَنه يَقْتَضِي كَرَاهَة ضِدّه وَلَا نقُول إِنَّه يُوجِبهُ أَو يدل عَلَيْهِ مُطلقًا
وَحجَّة الْفَرِيق الأول أَن الضِّدّ مسكوت عَنهُ وَالسُّكُوت عَنهُ لَا يكون مُوجبا شَيْئا أَلا ترى أَن التَّعْلِيق بِشَرْط لَا يُوجب نفي الْمُعَلق قبل وجود الشَّرْط لِأَنَّهُ مسكوت عَنهُ فَيبقى على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيق فَهُنَا أَيْضا الضِّدّ مسكوت عَنهُ فَيبقى على مَا كَانَ قبل الْأَمر
يقرره أَن الْأَمر فِيمَا وضع لَهُ لَا يُوجب حكما فِيمَا لم يتَنَاوَلهُ النَّص إِلَّا بطرِيق التَّعْدِيَة إِلَيْهِ بعد التَّعْلِيل فَلِأَن لَا يُوجب حكما فِي ضد مَا وضع لَهُ كَانَ أولى وعَلى قَول هَؤُلَاءِ الذَّم وَالْإِثْم على من ترك الائتمار بِاعْتِبَار أَنه لم يَأْتِ بِمَا أَمر بِهِ
قَالَ الْجَصَّاص ﵀ وَهُوَ قَول قَبِيح فَإِن فِيهِ قولا بِاسْتِحْقَاق العَبْد الْعقُوبَة على مَا لم يَفْعَله وَاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار فعل فعله العَبْد ثمَّ إِنَّه بنى مذْهبه على أَن الْأَمر الْمُطلق يُوجب الائتمار على الْفَوْر فَقَالَ من ضَرُورَة وجوب الائتمار على الْفَوْر حُرْمَة التّرْك الَّذِي هُوَ ضِدّه وَالْحُرْمَة حكم النَّهْي فَكَانَ مُوجبا للنَّهْي عَن ضِدّه بِحكمِهِ
يُوضحهُ أَن الْأَمر طلب الإيجاد للْمَأْمُور بِهِ على
[ ١ / ٩٤ ]
أبلغ الْجِهَات والاشتغال بضده يعْدم مَا وَجب بِالْأَمر وَهُوَ الإيجاد فَكَانَ حَرَامًا مَنْهِيّا عَنهُ لمقْتَضى حكم الْأَمر وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ مَا يكون ضد وَاحِد أَو أضداد فَبِأَي ضد اشْتغل يَنْعَدِم مَا هُوَ الْمَطْلُوب أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ لغيره اخْرُج من هَذِه الدَّار سَوَاء اشْتغل بالقعود فِيهَا أَو الِاضْطِجَاع أَو الْقيام يَنْعَدِم مَا أَمر بِهِ وَهُوَ الْخُرُوج
وَهَذَا هُوَ الْحجَّة للفريق الثَّالِث إِلَّا أَنهم يَقُولُونَ حُرْمَة الضِّدّ بِهَذَا الطَّرِيق تثبت بِوَاسِطَة حكم الْأَمر فَإِنَّمَا ثَبت أدنى الْحُرْمَة فِيهِ لِأَن مَا ثَبت بطرِيق الدّلَالَة لَا يكون مثل الثَّابِت بِالنَّصِّ وَالثَّابِت بِالنَّصِّ ثَابت من كل وَجه وَهَذَا ثَابت من وَجه دون وَجه لتحقيق حكم الْأَمر وَيَكْفِي لذَلِك أدنى الْحُرْمَة بِمَنْزِلَة حُرْمَة تثبت بِالنَّهْي لِمَعْنى فِي غير الْمنْهِي عَنهُ غير مُتَّصِل بِالنَّهْي عَنهُ فَتثبت بِهِ الْكَرَاهَة فَقَط
وَوجه القَوْل الْمُخْتَار هَذَا الْكَلَام أَيْضا إِلَّا أَنا نقُول ثُبُوت الْحُرْمَة بطرِيق الِاقْتِضَاء هُنَا لِأَن طلب الْوُجُود بِالْأَمر يَقْتَضِي حُرْمَة الضِّدّ وَلَا يثبت بِدلَالَة النَّص إِلَّا مثل مَا هُوَ ثَابت بِالنَّصِّ أَو أقوى مِنْهُ كالتنصيص على حُرْمَة التأفيف بِدَلِيل حُرْمَة الشتم لِأَن فِيهِ ذَلِك الْأَذَى وَزِيَادَة فَأَما مَا ثَبت بطرِيق الِاقْتِضَاء فَهُوَ ثَابت لأجل الضَّرُورَة وَإِنَّمَا يثبت بِقدر مَا ترْتَفع بِهِ الضَّرُورَة وَوُجُود أحد الضدين يَقْتَضِي انْتِفَاء الضِّدّ الآخر كالليل مَعَ النَّهَار فَكَانَ وجوب الْأَدَاء بِالْأَمر مقتضيا نفي الضِّدّ وَإِنَّمَا حرم الضِّدّ بِهَذَا الِاقْتِضَاء فَلهَذَا قُلْنَا إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَرَاهَة ضِدّه لَا أَن يكون مُوجبا لَهُ أَو دَلِيلا عَلَيْهِ
وَمَا ذكره الْجَصَّاص أَن مُطلق الْأَمر يُوجب الائتمار على الْفَوْر دَعْوَى مِنْهُ وَقد ذكرنَا أَن الرِّوَايَة بِخِلَاف ذَلِك
وَالْجَوَاب عَمَّا قَالَه الْفَرِيق الأول أَن الضِّدّ مسكوت عَنهُ يَتَّضِح بالتقرير الَّذِي قُلْنَا فِي وَجه الْمُخْتَار وَهُوَ أَن ثُبُوت كَرَاهَة ضِدّه بطرِيق الِاقْتِضَاء والمقتضى مسكوت عَنهُ فَإِن مَا يكون مَنْصُوصا عَلَيْهِ لَا يكون ثُبُوته بطرِيق الِاقْتِضَاء وَلَا خلاف بَيْننَا وَبينهمْ أَن الِاقْتِضَاء طَرِيق صَحِيح لإِثْبَات الْمُقْتَضى وَإِن كَانَ مسكوتا عَنهُ بعد أَن يكون مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا نَظِير التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَإِن ذَلِك يُوجب وجود الحكم ابْتِدَاء عِنْد وجود الشَّرْط وَمن ضَرُورَة وجود الحكم عِنْد وجود الشَّرْط ابْتِدَاء أَن لَا يكون مَوْجُودا قبله وَلَكِن انعدامه قبل وجود الشَّرْط عدم أُصَلِّي فَلَا يصير مُضَافا إِلَى الْوُجُود عِنْد وجود الشَّرْط نصا وَلَا اقْتِضَاء لِأَن الْعَدَم الْأَصْلِيّ لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلا معدما يُضَاف إِلَيْهِ وَأما هَهُنَا وجوب الْإِقْدَام على الإيجاد
[ ١ / ٩٥ ]
يَقْتَضِي حُرْمَة التّرْك وَالْحُرْمَة الثَّابِتَة بِمُقْتَضى الشَّيْء تكون مُضَافا إِلَيْهِ فَجعلنَا قدر مَا يثبت من الْحُرْمَة وَهُوَ الْمُوجب للكراهة مُضَافا إِلَى الْأَمر اقْتِضَاء
وَإِذا تبين حكم الْأَمر فَكَذَلِك حكم النَّهْي فِي ضِدّه على هَذِه الْأَقَاوِيل الْأَرْبَعَة
فالفريق الأول يَقُولُونَ لَا حكم لَهُ فِي ضِدّه لِأَنَّهُ مسكوت عَنهُ ويستدلون على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ فَإِنَّهُ لَا يكون أمرا بضده وَهُوَ ترك قتل النَّفس إِذْ لَو كَانَ أمرا بِهِ لَكَانَ تَارِك قتل النَّفس مباشرا لفعل الطَّاعَة وَهُوَ الائتمار بِالْأَمر فَإِنَّهُ يكون مُسْتَحقّ الثَّوَاب الْمَوْعُود للمطيعين وَهَذَا فَاسد
وَقَالَ الْجَصَّاص ﵀ النَّهْي عَن الشَّيْء يُوجب ضِدّه إِن كَانَ لَهُ ضد وَاحِد وَإِن كَانَ لَهُ أضداد فَلَا مُوجب لَهُ فِي شَيْء من أضداده وَبَين ذَلِك فِي الْحَرَكَة والسكون فَإِن قَول الْقَائِل لَا تتحرك يكون أمرا بضده وَهُوَ السّكُون لِأَن للمنهي عَنهُ ضدا وَاحِدًا وَقَوله لَا تسكن لَا مُوجب لَهُ فِي ضِدّه لِأَن لَهُ أضدادا وَهِي الْحَرَكَة من الْجِهَات السِّت فَإِن السّكُون يَنْعَدِم من أَي جَانب كَانَت الْحَرَكَة فَلَا يتَعَيَّن وَاحِد من الأضداد مَأْمُورا بِهِ بِمُوجب النَّهْي وَإِذا قَالَ لغيره لَا تقم فللمنهي عَنهُ أضداد من الْقعُود والاضطجاع فَلَا مُوجب لهَذَا النَّهْي فِي شَيْء من أضداده
قَالَ لِأَن مُوجب النَّهْي إعدام الْمنْهِي عَنهُ بأبلغ الْوُجُوه وَإِذا كَانَ لَهُ ضد وَاحِد فَمن ضَرُورَة وجوب الإعدام الْكَفّ عَن الإيجاد فَيكون النَّهْي مُوجبا الْأَمر بالضد بِحكمِهِ
وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ فَإِنَّهُ نهى عَن الكتمان وَهُوَ مُوجب الْأَمر بالإظهار وَلِهَذَا وَجب قبُول قَوْلهَا فِيمَا تخبره لِأَنَّهَا مأمورة بالإظهار وَنهى الْمحرم عَن لبس الْمخيط لَا يكون أمرا بِلبْس شَيْء عين من غير الْمخيط لِأَن للمنهي عَنهُ أضدادا هُنَا وبحكم النَّهْي لَا يثبت الْأَمر بِجَمِيعِ الأضداد وَلَيْسَ بَعْضهَا بِأولى من الْبَعْض
يُوضح الْفرق بَينهمَا أَن مَعَ التَّصْرِيح بِالنَّهْي فِيمَا لَهُ ضد وَاحِد لَا يَسْتَقِيم التَّصْرِيح بِالْإِبَاحَةِ فِي الضِّدّ فَإِنَّهُ لَو قَالَ نهيتك عَن التحرك وأبحت لَك السّكُون أَو أَنْت بِالْخِيَارِ فِي السّكُون كَانَ كلَاما مختلا لِأَن مُوجب النَّهْي تَحْرِيم الْمنْهِي عَنهُ وَمَعَ تَحْرِيمه لَا يتَصَوَّر التَّخْيِير فِي ضِدّه لِاسْتِحَالَة انعدامهما جَمِيعًا وَصفَة الْإِبَاحَة تَقْتَضِي
[ ١ / ٩٦ ]
التَّخْيِير وَبِهَذَا يتَبَيَّن فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ الْفَرِيق الأول من أَن الضِّدّ مسكوت عَنهُ وَلَا تعويل على استدلالهم بِالنَّهْي عَن قتل النَّفس لأَنا نجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح بالكف عَن قتل النَّفس لتحقيق مُوجب النَّهْي وَالنَّاس تكلمُوا فِي أَن الْأَمر بالكف عَن قتل النَّفس مَا حكمه مِنْهُم من قَالَ معنى الِابْتِلَاء لَا يتَحَقَّق فِي مثل هَذَا لِأَن طبع كل وَاحِد يحملهُ على ذَلِك ونيل الثَّوَاب فِي الْعَمَل بِخِلَاف هوى النَّفس ليتَحَقَّق فِيهِ الِابْتِلَاء
قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه ينَال بِهِ ثَوَاب المطيعين عِنْد قصد امْتِثَال الْأَمر وَإِظْهَار الطَّاعَة وَهَكَذَا نقُول إِذا ثَبت ذَلِك بِحكم النَّهْي فَأَما إِذا كَانَ للمنهي عَنهُ أضداد يَسْتَقِيم التَّصْرِيح بِالْإِبَاحَةِ فِي جَمِيع الأضداد بِأَن تَقول لَا تسكن وأبحت لَك التحرك من أَي جِهَة شِئْت فَعرفنَا أَنه لَا مُوجب لهَذَا النَّهْي فِي شَيْء من الأضداد وَقَول من يَقُول بِأَن مثل هَذَا النَّهْي يكون أمرا بأضداده يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر من العَبْد فعل مُبَاح أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ فَإِن الْمنْهِي عَنهُ محرم وأضداده وَاجِب بِالْأَمر الثَّابِت بِمُقْتَضى النَّهْي فَكيف يتَصَوَّر مِنْهُ فعل مُبَاح أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ وَفِي اتِّفَاق الْعلمَاء على أَن أَقسَام الْأَفْعَال الَّتِي يَأْتِي بهَا العَبْد عَن قصد أَرْبَعَة وَاجِب ومندوب إِلَيْهِ ومباح ومحظور دَلِيل على فَسَاد قَول هَذَا الْقَائِل
وَأما الْفَرِيق الثَّالِث فَيَقُولُونَ مُوجب النَّهْي فِي ضِدّه إِثْبَات سنة تكون فِي الْقُوَّة كالواجب لِأَن هَذَا أَمر ثَبت بطرِيق الدّلَالَة فَيكون مُوجبه دون مُوجب الثَّابِت بِالنَّصِّ وعَلى القَوْل الْمُخْتَار يحْتَمل أَن يكون مقتضيا هَذَا الْمِقْدَار على قِيَاس مَا بَينا فِي الْأَمر وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ للمنهي عَنهُ أضداد فَإِنَّهُ يثبت هَذَا الْقدر من الْمُقْتَضِي فِي أَي أضداده يَأْتِي بِهِ الْمُخَاطب وَلِهَذَا قُلْنَا بِأَن النَّهْي عَن لبس الْمخيط فِي حَالَة الْإِحْرَام يثبت أَن السّنة لبس الْإِزَار والرداء وَذَلِكَ أدنى مَا يَقع بِهِ الْكِفَايَة من غير الْمخيط
فَأَما قَوْله ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ فَهُوَ نسخ وَلَيْسَ بنهي بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أمرا بالإظهار بِوَاسِطَة أَن الكتمان لم يبْق مَشْرُوعا وَهُوَ نَظِير قَوْله لَا نِكَاح إِلَّا بِشُهُود وَقد
[ ١ / ٩٧ ]
بَينا تَحْقِيق هَذَا الْمَعْنى فِيمَا سبق فَأَما بَيَان فَائِدَة الأَصْل الْمَذْكُور فِي هَذَا الْفَصْل من مسَائِل الْفِقْه أَن نقُول لما كَانَ الْأَمر مقتضيا كَرَاهَة الضِّدّ لم يكن ضِدّه مُفْسِدا لِلْعِبَادَةِ إِلَّا أَن يكون مفوتا لما هُوَ وَاجِب بِصِيغَة الْأَمر وَلَكِن يكون مَكْرُوها فِي نَفسه فَإِن الْمَأْمُور بِالْقيامِ فِي الصَّلَاة إِذا قعد لَا تفْسد صلَاته لِأَنَّهُ لم يفت بِهَذَا الضِّدّ مَا هُوَ الْوَاجِب بِالْأَمر وَهُوَ الْقيام إِذا أَتَى بِهِ بعد الْقعُود وَلَكِن الْقعُود مَكْرُوه فِي نَفسه وَلكَون النَّهْي مقتضيا فِي ضِدّه مَا بَينا من صفة السّنة قُلْنَا لَا يَنْعَدِم بالضد مَا هُوَ مُوجب صِيغَة النَّهْي فَإِن ركن الْعدة الِامْتِنَاع من الْخُرُوج والتزوج ثَبت ذَلِك بِصِيغَة النَّهْي قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يخْرجن﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ فَإِن فعلت ذَلِك لم يَنْعَدِم بِهِ مَأْمُور مَا هُوَ ركن الِاعْتِدَاد حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِخِلَاف الْكَفّ فِي بَاب الصَّوْم فَإِنَّهُ وَاجِب بِصِيغَة الْأَمر نصا قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فينعدم الْأَدَاء بِمُبَاشَرَة الضِّدّ وَهُوَ الْأكل وعَلى هَذَا قُلْنَا العدتان تنقضيان بِمُضِيِّ مُدَّة وَاحِدَة لِأَن الْكَفّ فِي الْعدة ثَابت بِمُقْتَضى النَّهْي وَلَا تضايق فِيمَا هُوَ مُوجب النَّهْي نصا وَهُوَ التَّحْرِيم وَلَا يتَحَقَّق أَدَاء الصومين فِي يَوْم وَاحِد لتضايق الْوَقْت فِي ركن كل صَوْم وَهُوَ الْكَفّ إِلَى وَقت فَإِنَّهُ ثَابت بِالْأَمر نصا وَلَا يتَحَقَّق اجْتِمَاع الْكَفَّيْنِ فِي وَقت وَاحِد وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ من سجد فِي صلَاته على مَكَان نجس ثمَّ سجد على مَكَان طَاهِر جَازَت صلَاته لِأَن الْمَأْمُور بِهِ السُّجُود على مَكَان طَاهِر ومباشرة الضِّدّ بِالسُّجُود على مَكَان نجس لَا يفوت الْمَأْمُور بِهِ فَيكون مَكْرُوها فِي نَفسه وَلَا يكون مُفْسِدا للصَّلَاة وعَلى قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تفْسد بِهِ الصَّلَاة لِأَن تأدي الْمَأْمُور بِهِ لما كَانَ بِاعْتِبَار الْمَكَان فَمَا يكون صفة للمكان الَّذِي يُؤدى الْفَرْض عَلَيْهِ يَجْعَل بِمَنْزِلَة الصّفة لَهُ حكما فَيصير هُوَ كالحامل للنَّجَاسَة إِذا سجد على مَكَان نجس والكف عَن حمل النَّجَاسَة مَأْمُور بِهِ فِي جَمِيع الصَّلَاة فَيفوت ذَلِك بِالسُّجُود على مَكَان نجس كَمَا أَن الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشَّهْوَة لما كَانَ مَأْمُورا بِهِ فِي جَمِيع وَقت الصَّوْم يتَحَقَّق الْفَوات بِالْأَكْلِ فِي جُزْء من الْوَقْت فِيهِ وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف بترك الْقِرَاءَة فِي شفع من التَّطَوُّع لَا يخرج عَن حُرْمَة الصَّلَاة لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة وَذَلِكَ نهي عَن ضِدّه اقْتِضَاء فَترك الْقِرَاءَة مَا لم يكن مفوتا للْفَرض لَا
[ ١ / ٩٨ ]
يكون مُفْسِدا وَمَعَ احْتِمَال أَدَاء شفع آخر بِهَذِهِ التَّحْرِيمَة لَا يتَحَقَّق فَوَات هَذَا الْفَرْض فَتبقى التَّحْرِيمَة صَحِيحَة قَابِلَة لبِنَاء شفع آخر عَلَيْهَا وَإِن فسد أَدَاء الشفع الأول بترك الْقِرَاءَة
وَقَالَ مُحَمَّد ﵀ الْقِرَاءَة فرض من أول الصَّلَاة إِلَى آخرهَا حكما وَلِهَذَا لَا يصلح الْأُمِّي خَليفَة للقارىء وَإِن كَانَ قد رفع رَأسه من السَّجْدَة الْأَخِيرَة وأتى بِفَرْض الْقِرَاءَة فِي محلهَا وَإِذا كَانَ مستديما حكما يتَحَقَّق فَوَات مَا هُوَ الْفَرْض بترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة فَيخرج بِهِ من تحريمة الصَّلَاة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ كل شفع من التَّطَوُّع صَلَاة على حِدة وَلِهَذَا تفترض الْقِرَاءَة فِي كل رَكْعَة من الشفع عندنَا كَمَا تفترض فِي كل رَكْعَة من الْفجْر إِلَّا أَن بترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة من التَّطَوُّع لَا يفوت مَا هُوَ الْمَأْمُور بِهِ من الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة نصا فَلَا تَنْقَطِع التَّحْرِيمَة وبترك الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ يفوت مَا هُوَ الْفَرْض قطعا فَيكون ذَلِك قطعا للتحريمة وَهَكَذَا نقُول فِي الْفجْر فَإِن بترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة يفْسد الْفَرْض وَلَكِن لَا تنْحَل التَّحْرِيمَة بل تنْقَلب تَطَوّعا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة ﵀ وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَقُول فِي التَّطَوُّع احْتِمَال بِنَاء شفع آخر عَلَيْهِ قَائِم فَإِذا فعل ذَلِك كَانَ الْكل فِي حكم صَلَاة وَاحِدَة وَلَا تَنْقَطِع التَّحْرِيمَة بترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة مِنْهَا وَمثل هَذَا الِاحْتِمَال غير مَوْجُود فِي الْفجْر حَتَّى إِن فِي ظهر الْمُسَافِر لبَقَاء هَذَا الِاحْتِمَال بنية الْإِقَامَة قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله لَا تفْسد بترك الْقِرَاءَة فِي رَكْعَة مِنْهَا حَتَّى إِذا نوى الْإِقَامَة أتم صلَاته وَقضى مَا ترك من الْقِرَاءَة فِي الشفع الثَّانِي فيجزيه ذَلِك وعَلى هَذَا نقُول إِن بترك الْقِرَاءَة فِي التَّطَوُّع فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا لَا تنْحَل التَّحْرِيمَة عِنْده لاحْتِمَال بِنَاء شفع آخر عَلَيْهِ كَمَا فِي فصل الْمُسَافِر وَلكنه يفْسد لتحَقّق فَوَات مَا هُوَ فرض فِي هَذِه الصَّلَاة فَإِنَّهُ وَإِن بنى الشفع الثَّانِي على تحريمته لَا يخرج بِهِ من أَن يكون الشفع الأول صَلَاة على حِدة حَقِيقَة وَحكما وَلِهَذَا لَا يفْسد الشفع الأول بمفسد يعْتَرض فِي الشفع الثَّانِي والمسائل الَّتِي تخرج على هَذَا الأَصْل يكثر تعدادها وَالله أعلم
[ ١ / ٩٩ ]