قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن لَا سلف لَهُم فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة حكمه الْوَقْف فِيهِ حَتَّى يتَبَيَّن المُرَاد مِنْهُ بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك أَو الْمُجْمل وَيُسمى هَؤُلَاءِ الواقفية إِلَّا أَن طَائِفَة مِنْهُم يَقُولُونَ يثبت بِهِ أخص الْخُصُوص وَفِيمَا وَرَاء ذَلِك الحكم هُوَ الْوَقْف حَتَّى يتَبَيَّن المُرَاد بِالدَّلِيلِ
وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ مجْرى على عُمُومه مُوجب للْحكم فِيمَا تنَاوله مَعَ ضرب شُبْهَة فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد بِهِ الْخُصُوص فَلَا يُوجب الحكم قطعا بل على تجوز أَن يظْهر معنى الْخُصُوص فِيهِ لقِيَام الدَّلِيل بِمَنْزِلَة الْقيَاس فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بِهِ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا على أَن يكون مَقْطُوعًا بِهِ بل مَعَ تجوز احْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ أَو الْغَلَط وَلِهَذَا جوز تَخْصِيص الْعَام بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاء وبخبر الْوَاحِد فقد جعل الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد الَّذِي لَا يُوجب الْعلم قطعا مقدما على مُوجب الْعَام حَتَّى جوز التَّخْصِيص بهما وَجعل الْخَاص أولى بالمصير إِلَيْهِ من الْعَام على هَذَا دلّت مسَائِله فَإِنَّهُ رجح خبر الْعَرَايَا على عُمُوم قَوْله ﵇ التَّمْر بِالتَّمْرِ كَيْلا بكيل فِي حكم الْعَمَل بِهِ وَجعل هَذَا قولا وَاحِدًا لَهُ فِيمَا يحْتَمل الْعُمُوم وَفِيمَا لَا يحْتَمل الْعُمُوم لِانْعِدَامِ مَحَله فَقَالَ يجب الْعَمَل فيهمَا بِقدر الْإِمْكَان حَتَّى يقوم دَلِيل التَّخْصِيص على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا
وَالْمذهب عندنَا أَن الْعَام مُوجب للْحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا بِمَنْزِلَة الْخَاص مُوجب للْحكم فِيمَا تنَاوله يَسْتَوِي فِي ذَلِك الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر إِلَّا فِيمَا لَا يُمكن اعْتِبَار الْعُمُوم فِيهِ لِانْعِدَامِ مَحَله فَحِينَئِذٍ يجب التَّوَقُّف إِلَى أَن يتَبَيَّن مَا هُوَ المُرَاد بِهِ بِبَيَان ظَاهر بِمَنْزِلَة الْمُجْمل فعلى هَذَا دلّت مسَائِل عُلَمَائِنَا ﵏
قَالَ مُحَمَّد ﵀ فِي الزِّيَادَات إِذا أوصى بِخَاتم لرجل ثمَّ أوصى بفصه لآخر بعد ذَلِك فِي كَلَام مَقْطُوع فالحلقة للْمُوصى لَهُ بالخاتم والفص بَينهمَا نِصْفَانِ لِأَن الْإِيجَاب الثَّانِي فِي عين مَا أوجبه للْأولِ لَا يكون رُجُوعا
[ ١ / ١٣٢ ]
عَن الأول فيجتمع فِي الفص وصيتان إِحْدَاهمَا بِإِيجَاب عَام وَالْأُخْرَى بِإِيجَاب خَاص ثمَّ إِذا ثَبت الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي الحكم يَجْعَل الفص بَينهمَا نِصْفَيْنِ
وَقَالَ فِي الْوَصَايَا لَو كَانَت الوصيتان بِهَذِهِ الصّفة فِي كَلَام مَوْصُول كَانَ الفص للْمُوصى لَهُ خَاصَّة لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْكَلَام مَوْصُولا كَانَ آخِره بَيَانا لأوله فَيظْهر بِهِ أَن مُرَاده بِالْإِيجَابِ الْعَام الْحلقَة دون الفص
وَقَالَ فِي الْمُضَاربَة إِذا اخْتلف الْمضَارب وَرب المَال فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْعُمُوم أَيهمَا كَانَ فلولا الْمُسَاوَاة بَين الْخَاص وَالْعَام حكما فِيمَا يتَنَاوَلهُ لم يصر إِلَى التَّرْجِيح بِمُقْتَضى العقد
قَالَ وَإِذا أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَة وأرخ كل مِنْهُمَا آخرهما تَارِيخا أولى سَوَاء كَانَ مُبينًا للْعُمُوم أَو الْخُصُوص فقد جعل الْعَام الْمُتَأَخر رَافعا للخاص الْمُتَقَدّم كَمَا جعل الْخَاص الْمُتَأَخر مُخَصّصا للعام الْمُتَقَدّم وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بعد الْمُسَاوَاة وَظهر من مَذْهَب أبي حنيفَة ﵀ تَرْجِيح الْعَام على الْخَاص فِي الْعَمَل بِهِ نَحْو حفر بِئْر الناضح فَإِنَّهُ رجح قَوْله ﵇ من حفر بِئْرا فَلهُ مِمَّا حولهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعا على الْخَاص الْوَارِد فِي بِئْر الناضح أَنه سِتُّونَ ذِرَاعا فرجح قَوْله ﵇ مَا أخرجت الأَرْض فَفِيهِ الْعشْر على الْخَاص الْوَارِد بقوله ﵇ لَيْسَ فِي الخضراوات صَدَقَة وَلَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة وَنسخ الْخَاص بِالْعَام أَيْضا كَمَا فعله فِي بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه فَإِنَّهُ جعل الْخَاص من حَدِيث العرنيين فِيهِ مَنْسُوخا بِالْعَام وَهُوَ قَوْله ﵇ استنزهوا عَن الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ وَأكْثر مَشَايِخنَا ﵏ يَقُولُونَ أَيْضا إِن الْعَام الَّذِي لم يثبت خصوصه بِدَلِيل لَا يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا بِالْقِيَاسِ فزعموا أَن الْمَذْهَب هَذَا فَإِن قَوْله ﵊ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب لَا يكون مُوجبا تَخْصِيص الْعُمُوم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ حَتَّى لَا تتَعَيَّن قِرَاءَة الْفَاتِحَة فرضا
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ عَام لم تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَلَا يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا بِالْقِيَاسِ (وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ عَام لم يثبت تَخْصِيصه وَلَا يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد يثبت خصومه فَإِن النَّاسِي جعل
[ ١ / ١٣٣ ]
ذَاكِرًا حكما بطريقة إِقَامَة مِلَّته مقَام التَّسْمِيَة وَلَا بِالْقِيَاسِ) حَتَّى يثبت الْأَمْن بِسَبَب الْحرم الْمُبَاح الدَّم بِاعْتِبَار الْعُمُوم وَمَتى ثَبت التَّخْصِيص فِي الْعَام بدليله فَحِينَئِذٍ يجوز تَخْصِيصه بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
أما الواقفون استدلوا بالاشتراك فِي الِاسْتِعْمَال فقد يسْتَعْمل لفظ الْعَام وَالْمرَاد بِهِ الْخَاص قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ وَالْمرَاد بِهِ رجل وَاحِد وَقد يسْتَعْمل لَفْظَة الْجَمَاعَة للفرد قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَقَالَ ﴿رب ارْجِعُونِ﴾ وَهَذَا فِي كَلَام الخطباء ونظم الشُّعَرَاء مَعْرُوف فَعِنْدَ الْإِطْلَاق يشْتَرك فِيهِ احْتِمَال الْعُمُوم وَاحْتِمَال الْخُصُوص فَيكون بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك يجب الْوَقْف فِيهِ حَتَّى يتَبَيَّن المُرَاد أَو نقُول لفظ الْعَام مُجمل فِي معرفَة المُرَاد بِهِ حَقِيقَة لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد بعض مَا تنَاوله وَذَلِكَ الْبَعْض لَا يُمكن مَعْرفَته بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَة اللَّفْظ أَلا ترى أَنه يَسْتَقِيم أَن يقرن بِهِ على وَجه الْبَيَان وَالتَّفْسِير (مُطلق هَذَا اللَّفْظ) مَا هُوَ المُرَاد بِهِ من الْعُمُوم بِأَن نقُول جَاءَنِي الْقَوْم كلهم أَو أَجْمَعُونَ وَلَو كَانَ الْعُمُوم مُوجب مُطلق هَذَا اللَّفْظ لم يستقم تَفْسِيره بِلَفْظ آخر كالخاص فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم أَن يقرن بِهِ مَا يكون ثَابتا بِمُوجبِه بِأَن يَقُول جَاءَنِي زيد كُله أَو جَمِيعه وَلما استقام ذَلِك فِي الْعَام عرفنَا أَنه غير مُوجب للإحاطة بِنَفسِهِ وَالْبَعْض الَّذِي هُوَ مُرَاد مِنْهُ غير مَعْلُوم فَيكون بِمَنْزِلَة الْمُجْمل
وَالَّذين قَالُوا بأخص الْخُصُوص قَالُوا ذَلِك الْقدر يتَيَقَّن بِأَنَّهُ مُرَاد سَوَاء كَانَ المُرَاد الْخُصُوص أَو الْعُمُوم فللتيقن بِهِ جَعَلْنَاهُ مرَادا وَإِنَّمَا الْوَقْف فِيمَا وَرَاء ذَلِك وَبَيَانه أَن إِرَادَة الثَّلَاث من لفظ الْجَمَاعَة وَإِرَادَة الْوَاحِد من لفظ الْجِنْس مُتَيَقن بِهِ فمطلق اللَّفْظ فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْإِحَاطَة عِنْد اقتران الْبَيَان بِاللَّفْظِ وَذَلِكَ مُوجب الْكَلَام فَكَذَلِك أخص الْخُصُوص مُوجب مُطلق لفظ الْعَام
﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ والاتباع لفظ خَاص فِي اللُّغَة بِمَعْنى
[ ١ / ١٣٤ ]
وَالدَّلِيل لعامة الْفُقَهَاء على أَن الْعَام مُوجب الْعَمَل بِعُمُومِهِ قَوْله تَعَالَى مَعْلُوم وَفِي الْمنزل عَام وخاص فَيجب بِهَذَا الْخَاص اتِّبَاع جَمِيع الْمنزل والاتباع إِنَّمَا يكون بالاعتقاد وَالْعَمَل بِهِ وَلَيْسَ فِي التَّوَقُّف اتِّبَاع للمنزل فَعرفنَا أَن الْعَمَل وَاجِب بِجَمِيعِ مَا أنزل على مَا أوجبه صِيغَة الْكَلَام إِلَّا مَا يظْهر نسخه بِدَلِيل فقد ظهر الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومِ عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ على وَجه لَا يُمكن إِنْكَاره فَإِن النَّبِي ﵇ حِين دَعَا أبي بن كَعْب ﵁ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلم يجبهُ بَين لَهُ خطأه فِيمَا صنع بالاستدلال بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ﴾ وَهَذَا عَام فَلَو كَانَ مُوجبه التَّوَقُّف على مَا زَعَمُوا لم يكن لاستدلاله عَلَيْهِ بِهِ معنى وَالصَّحَابَة ﵃ فِي زمن الصّديق حِين خالفوه فِي الِابْتِدَاء فِي قتال مانعي الزَّكَاة استدلوا عَلَيْهِ بقوله ﵇ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَهُوَ عَام ثمَّ اسْتدلَّ عَلَيْهِم بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم﴾ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْله وَهَذَا عَام
وَحين أَرَادَ عمر ﵁ أَن يوظف الْجِزْيَة وَالْخَرَاج على أهل السوَاد اسْتدلَّ على من خَالفه فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ﴾ وَقَالَ أرى لمن بعدكم فِي هَذَا الْفَيْء نَصِيبا وَلَو قسمته بَيْنكُم لم يبْق لمن بعدكم فِيهِ نصيب وَهَذِه الْآيَة فِي هَذَا الحكم نِهَايَة فِي الْعُمُوم
وَلما هم عُثْمَان ﵁ برجم الْمَرْأَة الَّتِي ولدت لسِتَّة أشهر اسْتدلَّ عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس فَقَالَ أما إِنَّهَا لَو خاصمتكم بِكِتَاب الله لخصمتكم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ وَقَالَ ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾ فَإِذا ذهب للفصال عامان بَقِي للْحَمْل سِتَّة أشهر وَهَذَا اسْتِدْلَال بِالْعَام
وَحين اخْتلف عُثْمَان وَعلي ﵄ فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وطئا بِملك الْيَمين قَالَ عَليّ ﵁ أَحَلَّتْهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ وحرمتهما قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ فالأخذ بِمَا يحرم أولى احْتِيَاطًا فوافقه عُثْمَان فِي هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ عِنْد تعَارض الدَّلِيلَيْنِ أرجح الْمُوجب للْحلّ بِاعْتِبَار الأَصْل
وَحين اخْتلف عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄ فِي الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَقَالَ عَليّ ﵁ تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ وَاسْتدلَّ بالآيتين قَوْله تَعَالَى ﴿أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾
[ ١ / ١٣٥ ]
قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ من شَاءَ باهلته أَن سُورَة النِّسَاء الْقصرى نزلت بعد سُورَة النِّسَاء الطُّولى يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ نزلت بعد قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ فاستدل بِهَذَا الْعَام على أَن عدتهَا بِوَضْع الْحمل لَا غير وَجعل الْخَاص فِي عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا مَنْسُوخا بِهَذَا الْعَام فِي حق الْحَامِل
وَاحْتج ابْن عمر على ابْن الزبير فِي التَّحْرِيم بالمصة والمصتين بقوله تَعَالَى ﴿وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ وَاحْتج ابْن عَبَّاس على الصَّحَابَة ﵃ فِي الصّرْف بِعُمُوم قَوْله ﷺ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْعُمُومِ الْمُوجب لحُرْمَة الرِّبَا من الْكتاب وَالسّنة فَرجع إِلَى قَوْلهم
فَبِهَذَا تبين أَنهم اعتقدوا وجوب الْعَمَل بِالْعَام وإجراءه على عُمُومه
وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِنَّهُم عرفُوا ذَلِك بِدَلِيل آخر من حَال شاهدوه أَو بِبَيَان سَمِعُوهُ لِأَن الْمَنْقُول احتجاج بَعضهم على بعض بِصِيغَة الْعُمُوم فَقَط وَفِي القَوْل بِمَا قَالَ هَذَا الْقَائِل تَعْطِيل الْمَنْقُول والإحالة على سَبَب آخر لم يعرف
ثمَّ لُزُوم الْعَمَل بالمنزل حكم ثَابت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَو كَانَ ذَلِك فِي حَقهم بِاعْتِبَار دَلِيل آخر مَا وسعهم ترك النَّقْل فِيهِ وَلَو نقلوا ذَلِك لظهر وانتشر
يُؤَيّد مَا قُلْنَا حَدِيث أبي بكر ﵁ حِين بلغه اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي نقل الْأَخْبَار جمعهم فَقَالَ إِنَّكُم إِذا اختلفتم فَمن بعدكم يكون أَشد اخْتِلَافا الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيكُم كتاب الله تَعَالَى فأحلوا حَلَاله وحرموا حرَامه
وَلم يُخَالف أحد مِنْهُم فِي ذَلِك فَعرفنَا أَنهم عرفُوا المُرَاد بِعَين مَا هُوَ الْمَنْقُول إِلَيْنَا لَا بِدَلِيل آخر غير مَنْقُول إِلَيْنَا
ثمَّ الْعُمُوم معنى مَقْصُود من الْكَلَام عَام بِمَنْزِلَة الْخُصُوص فَلَا بُد أَن يكون لَهُ لفظ مَوْضُوع يعرف الْمَقْصُود بذلك اللَّفْظ لِأَن الْأَلْفَاظ لَا تقصر عَن الْمعَانِي وَبَيَان هَذَا أَن الْمُتَكَلّم بِاللَّفْظِ الْخَاص لَهُ فِي ذَلِك مُرَاد لَا يحصل بِاللَّفْظِ الْعَام وَهُوَ تَخْصِيص الْفَرد بِشَيْء فَكَانَ لتَحْصِيل مُرَاده لفظ مَوْضُوع وَهُوَ الْخَاص والمتكلم بِاللَّفْظِ الْعَام بِمَعْنى الْعَام لَهُ مُرَاد فِي الْعُمُوم لَا يحصل ذَلِك بِاللَّفْظِ الْخَاص وَلَا يَتَيَسَّر عَلَيْهِ التَّنْصِيص على كل فَرد بِمَا هُوَ مُرَاد بِاللَّفْظِ فَإِن من أَرَادَ عتق جَمِيع عبيده فَإِنَّمَا يتَمَكَّن من تَحْصِيل هَذَا الْمَقْصُود بقوله عَبِيدِي أَحْرَار وَهَذَا لفظ عَام فَمن جعل مُوجبه الْوَقْف فَإِنَّهُ يشق على الْمُتَكَلّم بِأَن يحصل مَقْصُوده فِي الْعُمُوم بِاسْتِعْمَال صيغته وَمَا قَالُوا إِنَّه قد اسْتعْمل الْعَام بِمَعْنى الْخَاص قُلْنَا وَيسْتَعْمل أَيْضا بِمَعْنى الْإِحَاطَة على وَجه لَا يحْتَمل غَيره قَالَ تَعَالَى ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله﴾ الْعَام فَلَا بُد من أَن يكون
[ ١ / ١٣٦ ]
لمراده لفظ مَوْضُوع لُغَة وَذَلِكَ صِيغَة الْعُمُوم ﴿لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ فَهَذَا الِاسْتِعْمَال يمنعهُم عَن القَوْل بالتوقف فِي مُوجب الْعُمُوم
ثمَّ الْعُمُوم بِهَذِهِ الصِّيغَة حَقِيقَة وَاحْتِمَال إِرَادَة الْمجَاز لَا يخرج الْحَقِيقَة من أَن تكون مُوجب مُطلق الْكَلَام أَلا ترى أَن بعد تعين الْإِحَاطَة فِيهِ بقوله تَعَالَى أَجْمَعُونَ أَو كلهم لَا يَنْتَفِي هَذَا الِاحْتِمَال من كل وَجه حَتَّى يَسْتَقِيم أَن يقرن بِهِ الِاسْتِثْنَاء قَالَ تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ وَيَقُول الرجل جَاءَنِي الْقَوْم كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا فلَانا وَفُلَانًا
ثمَّ هَذَا لَا يمْنَع القَوْل بِأَن مُوجبه الْإِحَاطَة فِيمَا تنَاوله فَكَذَلِك فِي مُطلق اللَّفْظ مَعَ أَنا لَا نقُول إِن مَا يقرن بِهِ يكون تَفْسِيرا وَلَكِن نقُول وَإِن كَانَ مُوجبه الْعُمُوم قطعا فَهُوَ غير مُحكم لاحْتِمَال إِرَادَة الْخُصُوص فِيهِ فَيصير بِمَا يقرن بِهِ محكما إِذا أطلق ذَلِك كَمَا فِي قَوْله جَاءَنِي الْقَوْم كلهم فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي احْتِمَال الْخُصُوص بعد هَذَا إِذا لم يقرن بِهِ اسْتثِْنَاء يكون مغيرا لَهُ وَمثله فِي الْخَاص مَوْجُود فَإِن قَوْله جَاءَنِي فلَان خَاص مُوجب لما تنَاوله وَلكنه غير مُحكم فِيهِ لاحْتِمَال الْمجَاز فَإِذا قَالَ جَاءَنِي فلَان نَفسه يصير محكما وينتفي احْتِمَال الْمجَاز فِي أَن الَّذِي جَاءَهُ رَسُوله أَو عَبده أَو كِتَابه
ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي ﵀ أجعَل مُطلق الْعَام مُوجبا للْعَمَل فِيمَا تنَاوله وَلَكِن احْتِمَال الْخُصُوص فِيهِ قَائِم وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يصير مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا أجعله مُوجبا للْعَمَل فِيمَا تنَاوله قطعا
وَلَكنَّا نقُول المُرَاد بِمُطلق الْكَلَام مَا هُوَ الْحَقِيقَة فِيهِ والحقيقة مَا كَانَت الصِّيغَة مَوْضُوعَة لَهُ لُغَة وَهَذِه الصِّيغَة مَوْضُوعَة لمقصود الْعُمُوم فَكَانَت حَقِيقَة فِيهَا وَحَقِيقَة الشَّيْء ثَابت بِثُبُوتِهِ قطعا مَا لم يقم الدَّلِيل على مجازه كَمَا فِي لفظ الْخَاص فَإِن مَا هُوَ حَقِيقَة فِيهِ يكون ثَابتا بِهِ قطعا حَتَّى يقوم الدَّلِيل على صرفه إِلَى الْمجَاز
[ ١ / ١٣٧ ]
فَإِن قَالَ قَائِل إِن الْخَاص أَيْضا لَا يُوجب مُوجبه قطعا لاحْتِمَال إِرَادَة الْمجَاز مِنْهُ وَإِنَّمَا يُوجب مُوجبه ظَاهرا مَا لم يتَبَيَّن أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمجَاز بِدَلِيل آخر بِمَنْزِلَة النَّص فِي زمن رَسُول الله ﷺ فَإِن بَقَاء الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ يكون ظَاهرا لَا مَقْطُوعًا بِهِ لاحْتِمَال النّسخ وَإِن لم يظْهر النَّاسِخ بعد
قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن مُرَاد الْمُتَكَلّم بالْكلَام مَا هُوَ مَوْضُوع لَهُ حَقِيقَة هَذَا مَعْلُوم وَإِرَادَة الْمجَاز موهوم والموهوم لَا يُعَارض الْمَعْلُوم وَلَا يُؤثر فِي حكمه وَكَذَلِكَ الْمجَاز لَا يُعَارض الْحَقِيقَة بل ثُبُوت الْمجَاز بِإِرَادَة الْمُتَكَلّم لَا بِصِيغَة الْكَلَام وَهِي إِرَادَة ناقلة للْكَلَام عَن حَقِيقَته فَمَا لم يظْهر النَّاقِل بدليله يثبت حكم الْكَلَام مَقْطُوعًا بِهِ بِمَنْزِلَة النَّص الْمُطلق يُوجب الحكم قطعا وَإِن احْتمل التَّغْيِير بِشَرْط تعلقه بِهِ أَو قيد بقيده وَلَكِن ذَلِك ناقل للْكَلَام عَن حَقِيقَته فَمَا لم يظْهر كَانَ حكم الْكَلَام ثَابتا قطعا بِخِلَاف النَّص فِي زمن رَسُول الله ﷺ فَإِن النَّص يُوجب الحكم فَأَما بَقَاء الحكم لَيْسَ من مُوجبَات النَّص وَلَكِن مَا ثَبت فَالْأَصْل فِيهِ الْبَقَاء حَتَّى يظْهر الدَّلِيل المزيل فَكَانَ بَقَاؤُهُ لنَوْع من اسْتِصْحَاب الْحَال وَعدم النَّاسِخ وَهَذَا الْمَعْدُوم غير مَقْطُوع بِهِ فَلهَذَا لَا يكون بَقَاء الحكم مَقْطُوعًا بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت حَتَّى إِن بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ لما انْقَطع احْتِمَال النّسخ كَانَ الحكم الَّذِي لم يظْهر ناسخه بَاقِيا قطعا
فَإِن قيل فَكَذَلِك عدم إِرَادَة الْمُتَكَلّم للمجاز لَيْسَ بِمَعْلُوم قطعا بل هُوَ ثَابت بِنَوْع من الظَّاهِر بِمَنْزِلَة عدم النَّاسِخ فِي ذَلِك الْوَقْت بِخِلَاف الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء فانعدامهما ثَابت بِالنَّصِّ لِأَن الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء يكون مُقَارنًا للنَّص فالإطلاق فِيهِ على وَجه يكون ساكتا عَن ذكر الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء تنصيص على عدم الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء قُلْنَا نعم وَلَكِن الْإِرَادَة الْمُغيرَة للخاص عَن حَقِيقَته يكون فِي بَاطِن الْمُتَكَلّم وَهُوَ غيب عَنَّا وَلَيْسَ فِي وسعنا الْوُقُوف على ذَلِك وَإِنَّمَا يثبت التَّكْلِيف شرعا بِحَسب الوسع فَمَا لَيْسَ فِي وسعنا الْوُقُوف عَلَيْهِ لَا يكون مُعْتَبرا أصلا إِلَى أَن يظْهر بدليله وَعند ظُهُوره بدليله يَجْعَل ثَابتا ابْتِدَاء فَقبل الظُّهُور يكون حكم الْخَاص ثَابتا قطعا وَهُوَ بِمَنْزِلَة خطاب الشَّرْع لَا يُوجب الحكم فِي حق الْمُخَاطب مَا لم يسمع بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَسعه الْعَمَل بِهِ قبل
[ ١ / ١٣٨ ]
السماع وَعند السماع يثبت الحكم فِي حَقه ابْتِدَاء كَأَن الْخطاب نزل الْآن وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن كنت تحبينني فَأَنت طَالِق أَو قَالَ إِن كنت تحبين النَّار فَأَنت طَالِق فَقَالَت أَنا أحب ذَلِك يَقع الطَّلَاق لِأَن حَقِيقَة الْمحبَّة والبغض فِي بَاطِنهَا وَلَا طَرِيق لنا إِلَى مَعْرفَته فَلَا يتَعَلَّق الطَّلَاق بحقيقته وَلَكِن طَرِيق معرفتنا فِي الظَّاهِر إخبارها فَيجْعَل الزَّوْج مُعَلّقا الطَّلَاق بإخبارها حكما فَإِذا قَالَت أحب يَقع الطَّلَاق لوُجُود مَا هُوَ الشَّرْط حَقِيقَة وَهُوَ الْخَبَر فَإِن الْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وَإِذا ثَبت هَذَا فِي الْخَاص فَكَذَلِك فِي الْعَام فَإِن احْتِمَال الْخُصُوص بَاطِن وَهُوَ غيب عَنَّا مَا لم يظْهر بدليله فَقبل ظُهُوره يكون مُوجبا الحكم فِيمَا تنَاوله قطعا إِلَّا أَن الشَّافِعِي يَقُول مَعَ هَذَا احْتِمَال إِرَادَة الْخُصُوص لم يَنْعَدِم وَلَكِن لَيْسَ فِي وسعنا الْوُقُوف عَلَيْهِ عِنْد الْخطاب فَنَجْعَل الْعَام مُوجبا الحكم فِيمَا تنَاوله عملا وَلَا نجعله مُوجبا للْحكم قطعا فِيمَا يرجع إِلَى الْعلم بِهِ لبَقَاء احْتِمَال الْخُصُوص
وَهَكَذَا أَقُول فِي الْخَاص الْإِرَادَة الْمُغيرَة فِيهَا احْتِمَال إِلَّا أَن ذَلِك مَانع عَن ثُبُوت حكم الْحَقِيقَة عملا بِهِ فَيكون فِي معنى النَّاسِخ الَّذِي هُوَ مبدل للْحكم أصلا والناسخ لَا يكون مقترنا بِالنَّصِّ الْمُوجب للْحكم بل إِنَّمَا يرد النّسخ على الْبَقَاء فَكَذَلِك فِي الْخَاص أجعَل ظُهُور إِرَادَة الْمجَاز بدليله عَاملا ابْتِدَاء فَقبل ظُهُوره يكون حكم الْخَاص ثَابتا قطعا وَأما إِرَادَة الْخُصُوص لَا يكون رَافعا للْحكم أصلا فَيبقى مُعْتَبرا مَعَ وجود الْعَمَل بِالْعَام فَلَا يثبت الْعلم بِمُوجبِه قطعا وعَلى هَذَا نقُول فِي قَوْله إِن كنت تحبينني إِنَّه يَقع الطَّلَاق إِذا أخْبرت بِهِ لِأَن مَا لَيْسَ فِي وَسعه الْوُقُوف عَلَيْهِ وَهُوَ حَقِيقَة الْمحبَّة والبغض بِحَال فَيسْقط اعْتِبَاره فِي حكم الْعَمَل وَلَو قَالَ إِن كنت تحبين النَّار فَأَنت طَالِق فَقَالَت أحب لَا يَقع الطَّلَاق لِأَن كذبهَا هَهُنَا مَعْلُوم قطعا فَإِن أحدا مِمَّن لَهُ طبع سليم لَا يحب النَّار وَيكون هَذَا بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الْخُصُوص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن حَقِيقَة الْمُوجب بِمثل هَذَا الْعَام مَعْلُوم قطعا بِخِلَاف الْعَام الَّذِي هُوَ مُحْتَمل الْخُصُوص
وَلَكِن الْجَواب عَنهُ أَن نقُول كَمَا أَن الله تَعَالَى لم يكلفنا مَا لَيْسَ فِي وسعنا فقد أسقط عَنَّا مَا فِيهِ حرج علينا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج﴾ وَفِي اعْتِبَار الْإِرَادَة الْبَاطِنَة فِي الْعَام الَّذِي هُوَ مُحْتَمل لَهَا نوع حرج
[ ١ / ١٣٩ ]
فالتمييز بَين مَا هُوَ مُرَاد الْمُتَكَلّم وَبَين مَا لَيْسَ بِمُرَاد لَهُ قبل أَن يظْهر دَلِيله فِيهِ حرج عَظِيم وَسقط اعْتِبَاره شرعا ويقام السَّبَب الظَّاهِر الدَّال على مُرَاده وَهُوَ صِيغَة الْعُمُوم مقَام حَقِيقَة الْبَاطِن الَّذِي لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بحرج أَلا ترى أَن خطاب الشَّرْع يتَوَجَّه على الْمَرْء إِذا اعتدل حَاله وَلَكِن اعْتِدَال الْحَال أَمر بَاطِن وَله سَبَب ظَاهر من حَيْثُ الْعَادة وَهُوَ الْبلُوغ عَن عقل فَأَقَامَ الشَّرْع هَذَا السَّبَب الظَّاهِر مقَام ذَلِك الْمَعْنى الْبَاطِن للتيسير ثمَّ دَار الحكم مَعَه وجودا وعدما حَتَّى إِنَّه وَإِن اعتدل حَاله قبل الْبلُوغ يَجْعَل ذَلِك كَالْمَعْدُومِ حكما فِي (حق) توجه الْخطاب عَلَيْهِ وَلَو لم يعتدل حَاله بعد الْبلُوغ عَن عقل كَانَ الْخطاب مُتَوَجها أَيْضا لهَذَا الْمَعْنى وَمن نظر عَن إنصاف لَا يشكل عَلَيْهِ أَن الْحَرج فِي التَّأَمُّل فِي إِرَادَة الْمُتَكَلّم ليتميز بِهِ مَا هُوَ مُرَاد لَهُ مِمَّا لَيْسَ بِمُرَاد فَوق الْحَرج بِالتَّأَمُّلِ فِي أَحْوَال الصّبيان ليتوقف على اعْتِدَال حَالهم وَهَذَا أصل كَبِير فِي الْفِقْه فَإِن الرُّخْصَة بِسَبَب السّفر تثبت لدفع الْمَشَقَّة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ ثمَّ حَقِيقَة الْمَشَقَّة بَاطِن تخْتَلف فِيهِ أَحْوَال النَّاس وَله سَبَب ظَاهر وَهُوَ السّير المديد فَأَقَامَ الشَّرْع هَذَا السَّبَب مقَام حَقِيقَة ذَلِك الْمَعْنى وَأسْقط وجود حَقِيقَة الْمَشَقَّة فِي حق الْمُقِيم لِانْعِدَامِ السَّبَب الظَّاهِر إِلَّا إِذا تحققت الضَّرُورَة عِنْد خوف الْهَلَاك على نَفسه فَذَلِك أَمر وَرَاء الْمَشَقَّة وَأثبت الحكم عِنْد وجود السَّبَب الظَّاهِر وَإِن لم تلْحقهُ الْمَشَقَّة حَقِيقَة
وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْرَاء فَإِنَّهُ يجب التَّحَرُّز عَن خلط الْمِيَاه المحترمة إِلَّا أَن ذَلِك بَاطِن وَله سَبَب ظَاهر وَهُوَ استحداث ملك الْوَطْء بِملك الْيَمين لِأَن زَوَال ملك الْيَمين لَا يُوجب مَا يسْتَدلّ بِهِ على بَرَاءَة الرَّحِم من عدَّة أَو اسْتِبْرَاء فَأَقَامَ الشَّرْع استحداث ملك الْوَطْء بِملك الْيَمين مقَام الْمَعْنى الْبَاطِن وَهُوَ اشْتِغَال الرَّحِم بِالْمَاءِ فِي حق وجوب التَّحَرُّز عَن الْخَلْط بالاستبراء وَلِهَذَا قُلْنَا لَو اشْتَرَاهَا من صبي أَو امْرَأَة أَو اشْتَرَاهَا وَهِي بكر أَو حَاضَت عِنْد البَائِع بعد الْوَطْء قبل أَن يَبِيعهَا يجب الِاسْتِبْرَاء لاعْتِبَار السَّبَب الظَّاهِر وَلِهَذَا قُلْنَا فِي النِّكَاح لَا يجب الِاسْتِبْرَاء وَإِن علم أَنَّهَا وطِئت قبل أَن يَتَزَوَّجهَا وطئا محرما بِأَن تزوج أمة كَانَ قد وَطئهَا قبل أَن يَتَزَوَّجهَا لِأَن الأَصْل فِي النِّكَاح الْحرَّة فَإِن الرّقّ عَارض والازدواج بَين الشخصين
[ ١ / ١٤٠ ]
بِاعْتِبَار الأَصْل وَبِاعْتِبَار صفة الْحُرْمَة زَوَال ملك الْوَطْء عَن الْحرَّة يعقب عدَّة مُوجبَة بَرَاءَة الرَّحِم فَلَا تقع الْحَاجة إِلَى إِقَامَة استحداث ملك الْوَطْء بِالنِّكَاحِ مقَام حَقِيقَة اشْتِغَال الرَّحِم فِي إِيجَاب الِاسْتِبْرَاء للتحرز عَن الْخَلْط وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق السَّاعَة إِن كَانَ فِي علم الله أَن فلَانا يقدم إِلَى شهر فَقدم فلَان بعد تَمام الشَّهْر يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا عِنْد الْقدوم ابْتِدَاء بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق السَّاعَة إِن قدم فلَان إِلَى شهر وَمَعْلُوم أَن بعد قدومه قد تبين أَنه كَانَ فِي علم الله قدومه إِلَى شهر وَأَن التَّعْلِيق كَانَ بِشَرْط مَوْجُود حَقِيقَة وَلَكِن لما لم يكن لنا طَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ إِلَّا بعد الْقدوم صَار الْقدوم الَّذِي بِهِ يتَبَيَّن لنا شرطا لوُقُوع الطَّلَاق (فَيَقَع الطَّلَاق) عِنْده ابْتِدَاء بِخِلَاف مَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق السَّاعَة إِن كَانَ زيد فِي الدَّار ثمَّ علم بعد شهر أَن زيدا فِي الدَّار يَوْمئِذٍ فَإِنَّهُ يكون الطَّلَاق وَاقعا من حِين تكلم بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لنا طَرِيق إِلَى الْوُقُوف على مَا جعله شرطا حَقِيقَة فَلَا يُقَام ظُهُوره عندنَا مقَام حَقِيقَته وَلَكِن تبين عِنْد ظُهُوره أَن الطَّلَاق كَانَ وَاقعا لِأَنَّهُ علقه بِشَرْط مَوْجُود وَالَّذِي تحقق مَا ذكرنَا أَن صَاحب الشَّرْع خاطبنا بِلِسَان الْعَرَب فَإِنَّمَا يفهم من خطاب الشَّرْع مَا يفهم من مخاطبات النَّاس فِيمَا بَينهم وَمن يَقُول لعَبْدِهِ أعْط هَذِه الْمِائَة الدِّرْهَم هَؤُلَاءِ بِالسَّوِيَّةِ وهم مائَة نفر نعلم قطعا أَن مُرَاده إِعْطَاء كل وَاحِد مِنْهُم درهما بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ أعْط كل وَاحِد مِنْهُم درهما وَكَذَلِكَ يفهم من الْخَاص وَالْعَام فِي مخاطبات الشَّرْع الحكم قطعا فِيمَا تنَاوله كل وَاحِد مِنْهُمَا
وَمن قَالَ لغيره لَا تعْتق عَبدِي سالما ثمَّ قَالَ أعتق الْبيض من عَبِيدِي وَسَالم بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ يكون لَهُ أَن يعتقهُ وبإعتاقه يكون ممتثلا لِلْأَمْرِ لَا مرتكبا للنَّهْي فَكَذَلِك نقُول فِي الْعَام الْمُتَأَخر فِي خطاب الشَّرْع إِنَّه يكون قَاضِيا فِيمَا تنَاوله على الْخَاص فَإِذا كَانَ حكم الْخَاص ثَابتا قطعا فِيمَا تنَاوله فَلَا بُد من أَن يكون الْعَام كَذَلِك ليَكُون قَاضِيا عَلَيْهِ
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن تَخْصِيص الْعَام بِالْقِيَاسِ وَخبر الْوَاحِد جَائِز وَمَعْلُوم أَن الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم قطعا فَكيف يكون رَافعا للْحكم الثَّابِت قطعا بِصِيغَة
[ ١ / ١٤١ ]
الْعُمُوم إِذا كَانَت هَذِه الصِّيغَة توجب مُوجبهَا قطعا قُلْنَا مثل هَذَا يلزمك فِي الْخَاص فَإِن صرفه عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز بِالْقِيَاسِ وَخبر الْوَاحِد جَائِز
ثمَّ الْجَواب على مَا اخْتَارَهُ أَكثر مَشَايِخنَا ﵏ أَن تَخْصِيص الْعَام الَّذِي لم يثبت خصوصه ابْتِدَاء لَا يجوز بِالْقِيَاسِ (وَخبر الْوَاحِد) وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك فِي الْعَام الَّذِي ثَبت خصوصه بِدَلِيل مُوجب من الحكم مثل مَا يُوجِبهُ الْعَام وَهُوَ خبر متأيد بالاستفاضة أَو مَشْهُور فِيمَا بَين السّلف أَو إِجْمَاع فَعِنْدَ وجود ذَلِك يتَبَيَّن بِالْقِيَاسِ وَخبر الْوَاحِد مَا هُوَ المُرَاد بِصِيغَة الْعَام بعد أَن خرج من أَن يكون مُوجبا للْحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا على مَا نبينه فِي فصل الْعَام إِذا دخله خُصُوص وَهَذَا لِأَن مَا أوجبه الْقيَاس أَو خبر الْوَاحِد يحْتَمل أَن يكون فِي جملَة مَا تنَاوله دَلِيل الْخُصُوص وَيحْتَمل أَن يكون فِي جملَة مَا تنَاوله صِيغَة الْعَام فَإِنَّمَا يرجح بِالْقِيَاسِ وَخبر الْوَاحِد أحد الِاحْتِمَالَيْنِ
فَإِن قيل مَا ذهبت إِلَيْهِ أولى فَإِن الأَصْل هُوَ وجوب الْعَمَل بالأدلة الشَّرْعِيَّة مَا أمكن وَذَلِكَ فِي تَرْتِيب الْعَام على الْخَاص كَمَا قلت لَا فِي رفع الْخَاص بِالْعَام كَمَا قُلْتُمْ فَإِن من أثبت التَّعَارُض بَين الْخَاص وَالْعَام ترك الْعَمَل بالخاص أصلا وببعض مَا تنَاوله الْعَام وَمن قَالَ بترتيب الْعَام على الْخَاص هُوَ عَامل بِحَقِيقَة الْخَاص وبالعام أَيْضا فِيمَا تنَاوله بِحَسب الْإِمْكَان فَيكون هَذَا أولى بالمصير إِلَيْهِ
قُلْنَا هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم بعد ثُبُوت الْإِمْكَان وَبعد مَا قَررنَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجب فِيمَا تنَاوله الحكم قطعا لَا إِمْكَان أَرَأَيْت لَو قَالَ قَائِل أَنا أعمل بِالْعَام فِي كل مَا تنَاوله وأحمل الْخَاص على الْمجَاز فأعمل بِهِ وَبِهَذَا الطَّرِيق يكون هَذَا عملا مِنْهُ بالدليلين لَا فَكَذَلِك قَوْلك أَنا أعمل بالخاص وأترك مُوجب الْعَام فِيمَا تنَاوله (لَا يكون) عملا بهما مَعَ أَن مُوجب الدَّلِيل لَيْسَ كُله الْعَمَل بِهِ بل الْعَمَل بِهِ والمدافعة بِهِ عِنْد
[ ١ / ١٤٢ ]
التَّعَارُض بِمَنْزِلَة الشَّهَادَات فِي الْخُصُومَات بَين الْعباد فإثبات المدافعة عِنْد الْمُعَارضَة بَين الْخَاص وَالْعَام على مَا اقْتَضَاهُ مُوجب كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يكون تركا للْعَمَل بِأَحَدِهِمَا ثمَّ سوى الشَّافِعِي ﵀ فِيمَا أثْبته من حكم الْعُمُوم بَين مَا يحْتَمل الْعُمُوم وَبَين مَا لَا يحْتَملهُ لعدم مَحَله فِيمَا هُوَ الْمُحْتَمل فَجعل كل وَاحِد مِنْهُمَا حجَّة لإِثْبَات الحكم مَعَ ضرب شُبْهَة
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ فَإِن نفي الْمُسَاوَاة بَينهمَا على الْعُمُوم غير مُحْتَمل لعلمنا بالمساواة بَينهمَا فِي حكم الْوُجُود والإنسانية والبشرية وَالصُّورَة فَقَالَ مَعَ هَذَا الْعلم يكون هَذَا الْعَام حجَّة فِيمَا هُوَ الْمُمكن حَتَّى لَا يسوى بَين الْكَافِر وَالْمُؤمن فِي حكم الْقصاص وَفِي حكم شِرَاء العَبْد الْمُسلم وَلَا يشاكله لِأَن الْعَمَل بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ وَاجِب بِحَسب الْإِمْكَان وانعدام الْإِمْكَان فِيمَا لَا يحْتَملهُ بِمَنْزِلَة دَلِيل الْخُصُوص شرعا فَكَمَا أَن دَلِيل الْخُصُوص فِيمَا يحْتَمل الْعُمُوم لَا يخرج الْعَام بِصِيغَة الْعَام من الحكم فِيمَا يثبت من أَن يكون حجَّة فِيمَا وَرَاء ذَلِك فَكَذَلِك عدم احْتِمَال الْعُمُوم حسا لَا يخرج الْعَام من أَن يكون حجَّة فِيمَا يحْتَملهُ
وَحَاصِل مذْهبه أَنه يُسَوِّي بَين مُحْتَمل الْحَال وَبَين مُحْتَمل اللَّفْظ فِيمَا يثبت بِصِيغَة الْعَام من الحكم وَفِيمَا يثبت من الشُّبْهَة الْمَانِعَة من الْعلم بِهِ قطعا وَنحن نقُول فِيمَا ذهب إِلَيْهِ تحقق الْحَرج الَّذِي هُوَ مَدْفُوع وَهُوَ الْوُقُوف على مُرَاد الْمُتَكَلّم ليعْمَل بِهِ فِيمَا يحْتَمل الْعُمُوم وَاعْتِبَار الْإِرَادَة الْمُغيرَة للْعُمُوم عَن حَقِيقَتهَا فِيمَا يحْتَمل الْعُمُوم حَتَّى لَا يكون مُوجبا قطعا فِيمَا تنَاوله وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يجوز شرعا وَبِه تبين فَسَاد التَّسْوِيَة بَين مُحْتَمل الْحَال وَبَين مُحْتَمل اللَّفْظ وَتبين أَن مُوجب الْعُمُوم لَا يثبت فِيمَا لَا يُمكن الْعَمَل بِعُمُومِهِ لِانْعِدَامِ مَحل الْعُمُوم وسنقرر هَذَا فِي الْفَصْل الَّذِي يَأْتِي وَهُوَ الْعَام إِذا خصص مِنْهُ شَيْء وَإِنَّمَا سوينا فِي مُوجب الْعَام بَين الْخَبَر وَالْأَمر وَالنَّهْي لِأَن ذَلِك حكم صِيغَة الْعُمُوم وَهَذِه الصِّيغَة متحققة فِي الْأَخْبَار كَمَا فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
[ ١ / ١٤٣ ]