اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْفَصْل على أقاويل
فَمنهمْ من قَالَ مَا كَانَ شَرِيعَة لنَبِيّ فَهُوَ بَاقٍ أبدا حَتَّى يقوم دَلِيل النّسخ فِيهِ وكل من يَأْتِي فَعَلَيهِ أَن يعْمل بِهِ على أَنه شَرِيعَة ذَلِك النَّبِي ﵇ مَا لم يظْهر ناسخه
وَقَالَ بَعضهم شَرِيعَة كل نَبِي تَنْتَهِي ببعث نَبِي آخر بعده حَتَّى لَا يعْمل بِهِ إِلَّا أَن يقوم الدَّلِيل على بَقَائِهِ وَذَلِكَ بِبَيَان من النَّبِي الْمَبْعُوث بعده
وَقَالَ بَعضهم شرائع من قبلنَا يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ على أَن ذَلِك شَرِيعَة لنبينا ﵇ فِيمَا لم يظْهر دَلِيل النّسخ فِيهِ وَلَا يفصلون بَين مَا يصير مَعْلُوما من شرائع من قبلنَا بِنَقْل أهل الْكتاب أَو بِرِوَايَة الْمُسلمين عَمَّا فِي أَيْديهم من الْكتاب وَبَين مَا ثَبت من ذَلِك بِبَيَان فِي الْقُرْآن أَو السّنة
وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَن مَا ثَبت بِكِتَاب الله أَنه كَانَ شَرِيعَة من قبلنَا أَو بِبَيَان من رَسُول الله ﷺ فَإِن علينا الْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة لنبينا ﵇ مَا لم يظْهر ناسخه فَأَما مَا علم بِنَقْل دَلِيل مُوجب للْعلم على أَنهم حرفوا الْكتب فَلَا يعْتَبر نقلهم فِي ذَلِك لتوهم أَن الْمَنْقُول من جملَة مَا حرفوا وَلَا يعْتَبر فهم الْمُسلمين ذَلِك مِمَّا فِي أَيْديهم من الْكتب لجَوَاز أَن يكون ذَلِك من جملَة مَا غيروا وبدلوا
وَالدَّلِيل على أَن الْمَذْهَب هَذَا أَن مُحَمَّدًا قد اسْتدلَّ فِي كتاب الشّرْب على جَوَاز الْقِسْمَة بطرِيق الْمُهَايَأَة فِي الشّرْب بقوله تَعَالَى ﴿ونبئهم أَن المَاء﴾ أهل الْكتاب أَو بفهم الْمُسلمين
[ ٢ / ٩٩ ]
من كتبهمْ فَإِنَّهُ لَا يجب اتِّبَاعه لقِيَام ﴿قسْمَة بَينهم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَذِه نَاقَة لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم﴾ وَإِنَّمَا أخبر الله تَعَالَى ذَلِك عَن صَالح ﵇ وَمَعْلُوم أَنه مَا اسْتدلَّ بِهِ إِلَّا بعد اعْتِقَاده بَقَاء ذَلِك الحكم شَرِيعَة لنبينا ﵇
وَاسْتدلَّ أَبُو يُوسُف على جَرَيَان الْقصاص بَين الذّكر وَالْأُنْثَى بقوله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ وَبِه كَانَ يسْتَدلّ الْكَرْخِي على جَرَيَان الْقصاص بَين الْحر وَالْعَبْد وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالشَّافِعِيّ فِي هَذَا لَا يخالفنا وَقد اسْتدلَّ برجم النَّبِي ﷺ الْيَهُودِيين بِحكم التَّوْرَاة كَمَا نَص عَلَيْهِ بقوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها على وجوب الرَّجْم على أهل الْكتاب وعَلى أَن ذَلِك صَار شَرِيعَة لنبينا
وَنحن لَا ننكر ذَلِك أَيْضا وَلَكنَّا ندعي انتساخ ذَلِك بطرِيق زِيَادَة شَرط الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم فِي شريعتنا ولمثل هَذِه الزِّيَادَة حكم النّسخ عندنَا
وَبَين الْمُتَكَلِّمين اخْتِلَاف فِي أَن النَّبِي ﵇ قبل نزُول الْوَحْي (عَلَيْهِ) هَل كَانَ متعبدا بشريعة من قبله فَمنهمْ من أَبى ذَلِك وَمِنْهُم من توقف فِيهِ وَمِنْهُم من قَالَ كَانَ متعبدا بذلك وَلَكِن مَوضِع بَيَان هَذَا الْفَصْل أصُول التَّوْحِيد فَإنَّا نذْكر هَهُنَا مَا يتَّصل بأصول الْفِقْه
فَأَما الْفَرِيق الأول قَالُوا صفة الْإِطْلَاق فِي الشَّيْء يَقْتَضِي التَّأْبِيد فِيهِ إِذا كَانَ مُحْتملا للتأبيد فالتوقيت يكون زِيَادَة فِيهِ لَا يجوز إثْبَاته إِلَّا بِالدَّلِيلِ ثمَّ الرَّسُول الَّذِي كَانَ الحكم شَرِيعَة لَهُ لم يخرج من أَن يكون رَسُولا برَسُول آخر بعث بعده فَكَذَلِك شَرِيعَته لَا تخرج من أَن تكون مَعْمُولا بهَا وَإِن بعث بعده رَسُول آخر مَا لم يقم دَلِيل النّسخ فِيهِ أَلا ترى أَن علينا الْإِقْرَار بالرسل كلهم وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله﴾
[ ٢ / ١٠٠ ]
فَكَذَلِك مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فَمَا لم يظْهر ناسخه فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النّسخ فِي كَونه بَاقِيا مَعْمُولا بِهِ يُوضحهُ أَن مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فقد ثبتَتْ الحقية فِيهِ وَكَونه مرضيا عِنْد الله وَبعث الرُّسُل لبَيَان مَا هُوَ مرضِي عِنْد الله فَمَا علم كَونه مرضيا قبل بعث رَسُول آخر لَا يخرج من أَن يكون مرضيا ببعث رَسُول آخر وَإِذا بَقِي مرضيا كَانَ مَعْمُولا بِهِ كَمَا كَانَ قبل بعث الرَّسُول الثَّانِي وَبِهَذَا تبين الْفرق أَن الأَصْل هُوَ الْمُوَافقَة فِي شرائع الرُّسُل إِلَّا أذا تبين تَغْيِير حكم بِدَلِيل النّسخ
فَأَما الْفَرِيق الثَّانِي فقد استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ فتخصيص بني إِسْرَائِيل يكون التَّوْرَاة هدى لَهُم يكون دَلِيلا على أَنه لَا يلْزمنَا الْعَمَل بِمَا فِيهِ إِلَّا أَن يقوم دَلِيل يُوجب الْعَمَل بِهِ فِي شريعتنا وَلِأَن بعث الرُّسُل لبَيَان مَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى بَيَانه وَإِذا لم تجْعَل شَرِيعَة رَسُول منتهية ببعث رَسُول آخر لم يكن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى الْبَيَان عِنْد بعث الثَّانِي لِأَن ذَلِك مُبين عِنْدهم بِالطَّرِيقِ الْمُوجب للْعلم فَمن هَذَا الْوَجْه يتَبَيَّن أَن بعث رَسُول آخر دَلِيل النّسخ لشريعة كَانَت قبله وَلِهَذَا جعلنَا هَذَا كالنسخ فِيمَا يحْتَمل النّسخ دون مَا لَا يحْتَمل النّسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدّين أَلا ترى أَن الرُّسُل ﵈ مَا اخْتلفُوا فِي شَيْء من ذَلِك أصلا وَلَا وَصفا وَلَا يجوز أَن يكون بَينهم فِيهِ خلاف وَلِهَذَا انْقَطع القَوْل بِبَقَاء شَرِيعَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِلَى قيام السَّاعَة لعلمنا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ أَنه لَا نَبِي بعده حَتَّى يكون نَاسِخا لشريعته يُوضحهُ أَن الْأَنْبِيَاء ﵈ قبل نَبينَا أَكْثَرهم إِنَّمَا بعثوا إِلَى قوم مخصوصين ورسولنا هُوَ الْمَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة على مَا قَالَ ﵇ أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَقد كَانَ النَّبِي قبلي يبْعَث إِلَى قومه الحَدِيث فَإِذا ثَبت أَنه قد كَانَ فِي الْمُرْسلين من يكون وجوب الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ على أهل مَكَان دون أهل مَكَان آخر وَإِن كَانَ ذَلِك مرضيا عِنْد الله تَعَالَى علمنَا أَنه يجوز أَن يكون وجوب الْعَمَل بِهِ على أهل زمَان دون أهل نبيين فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مكانين على أَن يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا أَنه يجوز مثل ذَلِك فِي زمانين وَأَن الْمَبْعُوث آخرا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَيَأْمُر النَّاس باتباعه وَلَا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بشريعة من قبله فَتعين الْكَلَام فِي نَبينَا فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى اتِّبَاعه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَإِنَّمَا يَأْمر بِالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ فَلَو بقيت زمَان آخر
[ ٢ / ١٠١ ]
وَإِن كَانَ (ذَلِك) منتهيا ببعث نَبِي آخر وَقد كَانَ يجوز اجْتِمَاع شرائع من قبلنَا مَعْمُولا بهَا بعد مبعثه لدعا النَّاس إِلَى الْعَمَل بذلك ولكان يجب عَلَيْهِ أَن يعلم ذَلِك أَصْحَابه ليتمكنوا من الْعَمَل بِهِ وَلَو فعل ذَلِك لنقل إِلَيْنَا نقلا مستفيضا وَالْمَنْقُول إِلَيْنَا مَنعه إيَّاهُم عَن ذَلِك فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه (﵊ (لما رأى صحيفَة فِي يَد عمر سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ التَّوْرَاة
فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه وَقَالَ أمتهوكون كَمَا تهوكت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالله لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَبِهَذَا اللَّفْظ يتَبَيَّن أَن الرَّسُول الْمُتَقَدّم ببعث رَسُول آخر يكون كالواحد من أمته فِي لُزُوم اتِّبَاع شَرِيعَته لَو كَانَ حَيا وَعَلِيهِ دلّ كتاب الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ﴾ فَأخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم بذلك من أبين الدَّلَائِل على أَنهم بِمَنْزِلَة أمة من بعث آخرا فِي وجوب اتِّبَاعه وَبِهَذَا ظهر شرف نَبينَا ﵇ فَإِنَّهُ لَا نَبِي بعده فَكَانَ الْكل مِمَّن تقدم وَمِمَّنْ تَأَخّر فِي حكم المتبع لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقلب يطيعه الرَّأْس ويتبعه الرجل
والفريق الثَّالِث استدلوا بِهَذَا الْكَلَام أَيْضا وَلَكِن بطرِيق أَن مَا كَانَ شَرِيعَة لمن قبلنَا يصير شَرِيعَة لنبينا ﷺ وَمن تقدم فِي الْعَمَل بِهِ يكون مُتبعا لَهُ وَفِي حكم الْعَامِل بِشَرِيعَتِهِ من هَذَا الْوَجْه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَمَا يكون منتهيا مَنْسُوخا لَا يكون مُتبعا فبهذه النُّصُوص يتَبَيَّن أَنه مُتبع ﵇ وَيجب على النَّاس الْعَمَل بِهِ بطرِيق أَنه شَرِيعَة لَهُ حَتَّى يقوم دَلِيل نسخه فِي شَرِيعَته أَلا ترى أَنه قد اجْتمع نبيان فِي وَقت وَاحِد وَفِي مَكَان وَاحِد فِيمَن قبلنَا على أَن كَانَ أَحدهمَا تبعا للْآخر نَحْو هَارُون مَعَ مُوسَى وَلُوط مَعَ إِبْرَاهِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَآمن لَهُ لوط﴾ فَكَانَت الشَّرِيعَة وَأَنه مِلَّة إِبْرَاهِيم فَلم يبْق
[ ٢ / ١٠٢ ]
طَرِيق سوى أَن نقُول قد صَار ذَلِك شَرِيعَة لنبينا لأَحَدهمَا وَالْآخر نَبِي مُرْسل وَهُوَ مَأْمُور باتباعه وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَلَا يجوز القَوْل باجتماع نبيين فِي وَقت وَاحِد وَمَكَان وَاحِد على أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا شَرِيعَة تخَالف شَرِيعَة الآخر فِي وَقت من الْأَوْقَات
وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وَمَعْلُوم أَن الْهدى فِي أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع جَمِيعًا
فَإِن قيل المُرَاد بِهِ الْأَمر بالاقتداء بهم فِي أصل الدّين فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على مَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد كَانَ فِي الْمَذْكُورين من لم يكن نَبيا فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم﴾ وَمَعْلُوم أَن الْأَمر بالاقتداء فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون فِي غير الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي أصل الدّين وَلِأَنَّهُ قد كَانَ فِي شرائعهم النَّاسِخ والمنسوخ فَالْأَمْر باللاقتداء بهم فِي الْأَحْكَام على الْإِطْلَاق يكون آمرا بِالْعَمَلِ بشيئين مُخْتَلفين متضادين وَذَلِكَ غير جَائِز
قُلْنَا فِي الْآيَة تنصيص على الِاقْتِدَاء بهداهم وَذَلِكَ يعم أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين﴾ أَنه يدلنا على أَن الْهدى كل مَا يجب الاتقاء فِيهِ وَمَا يكون الْمُهْتَدي فِيهِ متقيا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ﴾ وَالْحكم إِنَّمَا يكون بالشرائع وَلما سُئِلَ مُجَاهِد عَن سَجْدَة ص قَالَ سجدها دَاوُد وَهُوَ مِمَّن أَمر نَبِيكُم بِأَن يَقْتَدِي بِهِ وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿فبهداهم اقتده﴾ فَبِهَذَا تبين أَن هَذَا أَمر مُبْتَدأ غير مَبْنِيّ على مَا سبق فعمومه يتَنَاوَل أصل الدّين والشرائع جَمِيعًا
وَقَوله فِيهَا نَاسخ ومنسوخ قُلْنَا وَفِي شريعتنا أَيْضا نَاسخ ومنسوخ ثمَّ لم يمْنَع ذَلِك إِطْلَاق القَوْل بِوُجُوب الِاقْتِدَاء علينا برَسُول الله صلى الله
وَقَوله قد كَانَ فيهم من لَيْسَ بِنَبِي لَا كَذَلِك فقد ألحق بِهِ من الْبَيَان مَا يعلم بِهِ أَن المُرَاد الْأَنْبِيَاء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿واجتبيناهم وهديناهم﴾
[ ٢ / ١٠٣ ]
عَلَيْهِ وَسلم فِي شَرِيعَته ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ مَعَ أَن الْأَمر بالاقتداء يعلم أَنه لَا يتَنَاوَل إِلَّا من يعلم أَنه مرضِي الطَّرِيقَة مقتدي بِهِ من نَبِي أَو ولي والأولياء على طَريقَة الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْعَمَل بشرائعهم فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن المُرَاد هُوَ الْأَمر بالاقتداء بالأنبياء ﵈ وَمَعْلُوم أَنه مَا أَمر بالاقتداء بهم فِي دُعَاء النَّاس إِلَى شريعتهم وَإِنَّمَا أَمر بذلك على أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا بِهَذَا أَن ذَلِك كُله صَار شَرِيعَة لَهُ بِمَنْزِلَة الْملك ينْتَقل من الْمُورث إِلَى الْوَارِث فَيكون ذَلِك الْملك بِعَيْنِه مُضَافا إِلَى الْوَارِث بَعْدَمَا كَانَ مُضَافا إِلَى الْمُورث فِي حَيَاته وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا﴾ فَأَما قَوْله ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ قد عرفنَا يَقِينا أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمُخَالفَة فِي الْمِنْهَاج فِي الْكل بل ذَلِك مُرَاد فِي الْبَعْض وَهُوَ مَا قَامَ الدَّلِيل فِيهِ على انتساخه
وَقَوله ﴿هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ لَا يدل على أَنه لَيْسَ بهدى لغَيرهم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ وَالْقُرْآن هدى للنَّاس أجمع وأيد هَذَا دُعَاء رَسُول الله ﵊ بِالتَّوْرَاةِ وَطلب حكم الرَّجْم مِنْهُ للْعَمَل بِهِ وَقَوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها فَإِن إحْيَاء سنة أميتت إِنَّمَا يكون بِالْعَمَلِ بهَا فَعرفنَا أَن التَّوْرَاة هدى لبني إِسْرَائِيل ولغيرهم وأيد جَمِيع مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ وَلَا معنى لذَلِك سوى أَن مَا فِيهِ يصير شَرِيعَة لنبينا بِمَا أنزل عَلَيْهِ من الْكتاب إِلَّا مَا ثَبت نسخه وَهَذَا هُوَ القَوْل الصَّحِيح عندنَا إِلَّا أَنه قد ظهر من أهل الْكتاب الْحَسَد وَإِظْهَار الْعَدَاوَة مَعَ الْمُسلمين فَلَا يعْتَمد قَوْلهم فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه من شريعتهم وَأَن ذَلِك قد انْتقل إِلَيْهِم بالتواتر وَلَا تقبل شَهَادَتهم فِي ذَلِك لثُبُوت كفرهم وضلالهم فَلم يبْق لثُبُوت ذَلِك طَرِيق سوى نزُول الْقُرْآن بِهِ أَو بَيَان الرَّسُول لَهُ فَمَا وجد فِيهِ هَذَا الطَّرِيق فعلينا تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ الِاتِّبَاع وَالْعَمَل بِهِ حَتَّى يقوم دَلِيل
[ ٢ / ١٠٤ ]
النّسخ وأيد مَا ذكرنَا قَوْله
﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِأَحْكَام التَّوْرَاة وَإِنَّمَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِهِ على طَرِيق أَنه شَرِيعَة رَسُولنَا فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يقرونَ برسالته وَقد سماهم الله كَافِرين ظالمين ممتنعين من الحكم بِمَا أنزل الله
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَإِنَّمَا سماهم فاسقين لتركهم الْعَمَل بِمَا فِي الْإِنْجِيل على أَنه شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا ﵇ وَأَنه يجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة نَبينَا
وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ تنصيص على أَنه مَعْمُول بِهِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَن أقِيمُوا الدّين﴾ وَالدّين اسْم لكل مَا يدان الله بِهِ فَتدخل الْأَحْكَام فِي ذَلِك وَيظْهر أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا فَيجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا قَامَ دَلِيل النّسخ فِيهِ