قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن شَرط جَوَاز النّسخ عندنَا هُوَ التَّمَكُّن من عقد الْقلب فَأَما الْفِعْل أَو التَّمَكُّن من الْفِعْل فَلَيْسَ بِشَرْط وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة التَّمَكُّن من الْفِعْل شَرط
وَحَاصِل الْمَسْأَلَة أَن النّسخ بَيَان لمُدَّة عقد الْقلب وَالْعَمَل بِالْبدنِ تَارَة ولأحدهما وَهُوَ عقد الْقلب على الحكم تَارَة فَكَانَ عقد الْقلب هُوَ الحكم الْأَصْلِيّ فِيهِ وَالْعَمَل بِالْبدنِ زِيَادَة يجوز أَن يكون النّسخ بَيَانا للمدة فِيهِ وَيجوز أَن لَا يكون عندنَا
وعَلى قَوْلهم النّسخ يكون بَيَانا لمُدَّة الحكم فِي حق الْعَمَل بِهِ وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد الْفِعْل أَو التَّمَكُّن مِنْهُ حكما لِأَن التّرْك بعد التَّمَكُّن فِيهِ تَفْرِيط من العَبْد فَلَا يَنْعَدِم بِهِ معنى بَيَان مُدَّة الْعَمَل بالنسخ
قَالُوا لِأَن الْعَمَل هُوَ الْمَقْصُود بِالْأَمر وَالنَّهْي أَلا ترى أَن ورودهما بِذكر الْفِعْل معنى قَول الْقَائِل افعلوا كَذَا وَلَا تَفعلُوا كَذَا
وَتَحْقِيق معنى الِابْتِلَاء فِي الْفِعْل أَيْضا فَعرفنَا أَنه هُوَ الْمَقْصُود والنسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل لَا يكون إِلَّا بطرِيق البداء أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يَقُول قد أمرت عَبدِي أَن يفعل غَدا كَذَا ثمَّ بدا لي فنهيته عَنهُ
وَهَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَهِي عَمَّا أَمر بِفِعْلِهِ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل بِأَن يظْهر لَهُ من حَال الْمَأْمُور بِهِ مَا لم يكن مَعْلُوما حِين يَأْمُرهُ بِهِ لعلمنا أَنه بِالْأَمر إِنَّمَا طلب من الْمَأْمُور إِيجَاد الْفِعْل بعد التَّمَكُّن مِنْهُ لَا قبله إِذْ التَّكْلِيف لَا يكون إِلَّا بِحَسب الوسع والبداء على الله تَعَالَى لَا يجوز يقرره أَن القَوْل بِجَوَاز النّسخ قبل التَّمَكُّن يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا وقبيحا فِي وَقت وَاحِد لِأَن الْأَمر دَلِيل على حسن فعل الْمَأْمُور بِهِ عِنْد الْإِمْكَان وَالنَّهْي قبل التَّمَكُّن
[ ٢ / ٦٣ ]
دَلِيل على قبح فعله فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه يُوضحهُ أَن النّسخ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم على وَجه يجوز أَن يكون مَقْرُونا بِالْأَمر وَلِهَذَا جَازَ النّسخ فِي الْأَمر وَالنَّهْي دون الْخَبَر والنسخ قبل التَّمَكُّن لَا يَصح مَقْرُونا بِالْأَمر فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول افْعَل كَذَا إِلَى أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ ثمَّ لَا يَفْعَله بعد ذَلِك فَعرفنَا أَن النّسخ قبل التَّمَكُّن لَا يجوز
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك الحَدِيث الْمَشْهُور إِن الله تَعَالَى فرض على عباده خمسين صَلَاة فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج ثمَّ انتسخ مَا زَاد على الْخمس لسؤال رَسُول الله ﷺ فَكَانَ ذَلِك نسخا قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل إِلَّا أَنه كَانَ بعد عقد الْقلب عَلَيْهِ فَرَسُول الله ﷺ هُوَ الأَصْل لهَذِهِ الْأمة وَلَا شكّ أَنه عقد قلبه على ذَلِك وَلَا معنى لقَولهم إِن الله تَعَالَى مَا فرض ذَلِك عزما وَإِنَّمَا جعل ذَلِك إِلَى رَأْي رَسُوله ومشيئته لِأَن فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﵇ سَأَلَ التَّخْفِيف عَن أمته غير مرّة وَمَا زَالَ يسْأَل ذَلِك ويجيبه ربه إِلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى الْخمس فَقيل لَهُ لَو سَأَلت التَّخْفِيف أَيْضا فَقَالَ أَنا أستحي من رَبِّي وَفِي هَذَا بَيَان أَنه لم يكن ذَلِك مفوضا إِلَى اخْتِيَاره بل كَانَ نسخا على وَجه التَّخْفِيف بسؤاله بعد الْفَرْضِيَّة
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بقوله ﴿فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم﴾ فَإِن هَذَا نسخ الْأَمر قبل الْفِعْل وَلَكنهُمْ يَقُولُونَ كَانَ هَذَا النّسخ بعد التَّمَكُّن من الْفِعْل وَإِن كَانَ قبل مُبَاشرَة الْفِعْل وَلَا خلاف فِي جَوَاز ذَلِك وَالأَصَح هُوَ الأول وَلِأَن النّسخ جَائِز بعد وجود جُزْء مِمَّا تنَاوله الْأَمر بِالْفِعْلِ فَإِن قَول الْقَائِل افعلوا كَذَا فِي مُسْتَقْبل أعماركم يجوز نسخه بِالنَّهْي عَنهُ بعد مُضِيّ جُزْء من الْعُمر وَلَوْلَا النّسخ لَكَانَ أصل الْكَلَام متناولا لجَمِيع الْعُمر فبالنسخ يتَبَيَّن أَنه كَانَ المُرَاد الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ فِي ذَلِك الْجُزْء خَاصَّة وَلَا يتَوَهَّم فِيهِ معنى البداء أَو الْجَهْل بعاقبة الْأَمر فَكَذَلِك النّسخ بعد عقد الْقلب على الحكم واعتقاد الحقية فِيهِ قبل التَّمَكُّن من الْعَمَل يكون بَيَانا أَن المُرَاد كَانَ عقد الْقلب عَلَيْهِ إِلَى هَذَا الْوَقْت واعتقاده الْفَرْضِيَّة فِيهِ دون مُبَاشرَة الْعَمَل وَإِنَّمَا يكون مُبَاشرَة الْعَمَل مَقْصُودا لمن ينْتَفع بِهِ وَالله يتعالى عَن ذَلِك وَإِنَّمَا الْمَقْصُود فِيمَا يَأْمر الله بِهِ عباده الِابْتِلَاء والابتلاء بعزيمة الْقلب
[ ٢ / ٦٤ ]
واعتقاد الحقية لَا يكون دون الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ وَرُبمَا يكون ذَلِك أهم أَلا ترى أَن فِي الْمُتَشَابه مَا كَانَ الِابْتِلَاء إِلَّا بِعقد الْقلب عَلَيْهِ واعتقاد الحقية فِيهِ
وَكَذَلِكَ فِي الْمُجْمل الَّذِي لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ إِلَّا بعد الْبَيَان يكون الِابْتِلَاء قبل الْبَيَان بِعقد الْقلب عَلَيْهِ واعتقاد الحقية فِيهِ وَيكون ذَلِك حسنا لَا يشوبه من معنى الْقبْح شَيْء فَكَذَلِك الْأَمر الَّذِي يرد النّسخ عَقِيبه قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل وَيعْتَبر هَذَا بإحياء الشَّخْص فقد تبين انْتِهَاء مُدَّة حَيَاته بِالْمَوْتِ قبل أَن يصير مُنْتَفعا بحياته إِمَّا فِي بطن أمه بِأَن ينْفَصل مَيتا أَو بعد الِانْفِصَال قبل أَن ينْتَفع بحياته وَأحد لَا يَقُول إِنَّه يتَمَكَّن فِيهِ معنى البداء أَو إِنَّه يجْتَمع فِيهِ معنى الْحسن والقبح يُوضحهُ أَن الْوَاحِد منا قد يَأْمر عَبده ومقصوده من ذَلِك أَن يظْهر عِنْد النَّاس حسن طَاعَته وانقياده لَهُ ثمَّ ينهاه عَن ذَلِك بعد حُصُول هَذَا الْمَقْصُود قبل أَن يتَمَكَّن من مُبَاشرَة الْفِعْل وَلَا يَجْعَل ذَلِك دَلِيل البداء مِنْهُ وَإِن كَانَ مِمَّن يجوز عَلَيْهِ البداء فَلِأَن لَا يَجْعَل النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل بعد عزم الْقلب واعتقاد الحقية موهما للبداء فِي حق من لَا يجوز عَلَيْهِ البداء أولى وَإِنَّمَا يجْتَمع الْحسن والقبح فِي شَيْء وَاحِد إِذا كَانَ مَأْمُورا بِهِ ومنهيا عَنهُ فِي وَقت وَاحِد وَذَلِكَ لَا يكون مَعَ أَن الْحسن مُطلقًا مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه الشَّرْع يقرره أَن تَمام الْحسن على مَا يَزْعمُونَ إِنَّمَا يظْهر عِنْد مُبَاشرَة الْعَمَل وَالْإِطْلَاق يَقْتَضِي صفة الْكَمَال ثمَّ بالِاتِّفَاقِ يجوز النّسخ بعد التَّمَكُّن من الْفِعْل قبل حَقِيقَة الْفِعْل لِأَن معنى الْحسن فِيهِ كَامِل من حَيْثُ عقد الْقلب واعتقاد الحقية فِيهِ فَكَذَلِك قبل التَّمَكُّن وَلَا نقُول بِأَن مثل هَذَا الْبَيَان لَا يجوز مَقْرُونا بِالْأَمر فَإِنَّهُ لَو قَالَ افْعَل كَذَا فِي وَقت كَذَا (إِن لم أنسخه عَنْك كَانَ ذَلِك أمرا مُسْتَقِيمًا بِمَنْزِلَة قَوْله افْعَل كَذَا فِي وَقت كَذَا) إِن تمكنت مِنْهُ وَتَكون الْفَائِدَة فِي الْحَال هُوَ الْقبُول بِالْقَلْبِ واعتقاد الحقية فِيهِ فَكَذَلِك يجوز مثله بعد الْأَمر بطرِيق النّسخ وَالله الْمُوفق