قد بَينا أَنه كَانَ يعْتَمد الْوَحْي فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع
وَالْوَحي نَوْعَانِ ظَاهر وباطن
فَالظَّاهِر مِنْهُ قِسْمَانِ (أَحدهمَا) مَا يكون على لِسَان الْملك بِمَا يَقع فِي سَمعه بعد علمه بالمبلغ بِأَنَّهُ قَاطِعَة وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ الْآيَة وَالْآخر مَا يَتَّضِح لَهُ بِإِشَارَة الْملك من غير بَيَان بِكَلَام وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب وَالْوَحي الْبَاطِن هُوَ تأييد الْقلب على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة وَلَا معَارض وَلَا مُزَاحم وَذَلِكَ بِأَن يظْهر لَهُ الْحق بِنور فِي قلبه من ربه يَتَّضِح لَهُ حكم الْحَادِثَة بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى بقوله ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله﴾ وَهَذَا كُله مَقْرُونا بالابتلاء وَمعنى الِابْتِلَاء هُوَ التَّأَمُّل بِقَلْبِه فِي حَقِيقَته حَتَّى يظْهر لَهُ مَا هُوَ الْمَقْصُود وكل ذَلِك خَاص لرَسُول الله تثبت بِهِ الْحجَّة القاطعة وَلَا شركَة للْأمة فِي ذَلِك إِلَّا أَن يكرم الله بِهِ من شَاءَ من أمته لحقه وَذَلِكَ الْكَرَامَة للأولياء
وَأما مَا يشبه الْوَحْي فِي حق رَسُول الله ﷺ فَهُوَ استنباط الْأَحْكَام من النُّصُوص بِالرَّأْيِ
[ ٢ / ٩٠ ]
وَالِاجْتِهَاد فَإِنَّمَا يكون من رَسُول الله بِهَذَا الطَّرِيق فَهُوَ بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي لقِيَام الدَّلِيل على أَنه يكون ثَوابًا لَا محَالة فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقر على الْخَطَأ فَكَانَ ذَلِك مِنْهُ حجَّة قَاطِعَة وَمثل هَذَا من الْأمة لَا يَجْعَل بِمَنْزِلَة الْوَحْي لِأَن الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب فقد علم أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ من صفة الْكَمَال مَا لَا يُحِيط بِهِ إِلَّا الله فَلَا شكّ أَن غَيره لَا يُسَاوِيه فِي إِعْمَال الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام
وَهَذَا يبتنى على اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَنه ﵇ هَل كَانَ يجْتَهد فِي الْأَحْكَام وَيعْمل بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ فَأبى ذَلِك بعض الْعلمَاء وَقَالَ هَذَا الطَّرِيق حَظّ الْأمة فَأَما حَظّ رَسُول الله ﷺ هُوَ الْعَمَل بِالْوَحْي من الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
وَقَالَ بَعضهم قد كَانَ يعْمل بطرِيق الْوَحْي تَارَة وبالرأي تَارَة وَبِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ كَانَ يبين الْأَحْكَام
وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَنه ﵇ فِيمَا كَانَ يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث الَّتِي لَيْسَ فِيهَا وَحي منزل كَانَ ينْتَظر الْوَحْي إِلَى أَن تمْضِي مُدَّة الِانْتِظَار ثمَّ كَانَ يعْمل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَيبين الحكم بِهِ فَإِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك حجَّة قَاطِعَة للْحكم
فَأَما الْفَرِيق الأول فاحتجوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه كَانَ لَا يجوز لأحد مُخَالفَة رَسُول الله ﵇ فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع والرأي قد يَقع فِيهِ الْغَلَط فِي حَقه وَفِي حق غَيره فَلَو كَانَ يبين الحكم بِالرَّأْيِ لَكَانَ يجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك كَمَا فِي أَمر الْحَرْب فقد ظهر أَنهم خالفوه فِي ذَلِك غير مرّة واستصوبهم فِي ذَلِك أَلا ترى أَنه لما أَرَادَ النُّزُول يَوْم بدر دون المَاء قَالَ لَهُ الْخَبَّاب بن الْمُنْذر ﵁ إِن كَانَ عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَإِنِّي أرى الصَّوَاب أَن ننزل على المَاء ونتخذ الْحِيَاض فَأخذ رَسُول الله ﷺ بِرَأْيهِ وَنزل على المَاء
وَلما أَرَادَ يَوْم الْأَحْزَاب أَن يُعْطي الْمُشْركين شطر ثمار الْمَدِينَة لينصرفوا قَامَ سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة ﵄ وَقَالا إِن كَانَ هَذَا عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَلَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف قد كُنَّا نَحن وهم فِي الْجَاهِلِيَّة لم يكن لنا وَلَا لَهُم دين فَكَانُوا لَا يطمعون
[ ٢ / ٩١ ]
فِي ثمار الْمَدِينَة إِلَّا بشري أَو بقري فَإِذا أعزنا الله تَعَالَى بِالدّينِ نعطيهم الدنية لَا نعطيم إِلَّا السَّيْف
وَقَالَ ﵇ إِنِّي رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة فَأَرَدْت أَن أصرفهم عَنْكُم فَإِذا أَبَيْتُم أَنْتُم وَذَاكَ ثمَّ قَالَ للَّذين جَاءُوا للصلح اذْهَبُوا فَلَا نعطيكم إِلَّا السَّيْف وَلما قدم الْمَدِينَة استقبح مَا كَانُوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عَن ذَلِك فأحشفت وَقَالَ عهدي بثماركم بِخِلَاف هَذَا فَقَالُوا نَهَيْتنَا عَن التلقيح وَإِنَّمَا كَانَت جودة الثَّمر من ذَلِك
قَالَ أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم وَأَنا أعلم بِأَمْر دينكُمْ فَتبين أَن الرَّأْي مِنْهُ كالرأي من غَيره فِي احْتِمَال الْغَلَط وبالاتفاق لَا تجوز مُخَالفَته فِيمَا ينص عَلَيْهِ من أَحْكَام الشَّرْع فَعرفنَا أَن طَرِيق وُقُوفه على ذَلِك مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الْغَلَط أصلا وَذَلِكَ الْوَحْي ثمَّ الرَّأْي الَّذِي فِيهِ توهم الْغَلَط إِنَّمَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه الضَّرُورَة تثبت فِي حق الْأمة لَا فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي يَأْتِيهِ فِي كل وَقت وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير التَّحَرِّي فِي أَمر الْقبْلَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ بِمَكَّة معاينا للكعبة وَيجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ نَائِيا عَن الْكَعْبَة لِأَن من كَانَ معاينا فالضرورة المحوجة إِلَى التَّحَرِّي لَا تتَحَقَّق فِي حَقه لوُجُود الطَّرِيق الَّذِي لَا يتَمَكَّن فِيهِ تُهْمَة الْغَلَط وَهُوَ المعاينة وَكَذَلِكَ حَال رَسُول الله ﷺ فِي الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَام وَلِأَنَّهُ ﵇ كَانَ ينصب أَحْكَام الشَّرْع ابْتِدَاء والرأي لَا يصلح لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء وَإِنَّمَا هُوَ لتعدية حكم النَّص إِلَى نَظِيره مِمَّا لَا نَص فِيهِ كَمَا فِي حق الْأمة لِأَنَّهُ لَا يجوز لأحد اسْتِعْمَال الرَّأْي فِي نصب حكم ابْتِدَاء فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا كَانَ ينصب الحكم ابْتِدَاء بطرِيق الْوَحْي دون الرَّأْي وَهَذَا لِأَن الْحق فِي أَحْكَام الشَّرْع لله تَعَالَى فَإِنَّمَا يثبت حق الله تَعَالَى بِمَا يكون مُوجبا للْعلم قطعا والرأي لَا يُوجب ذَلِك وَبِه فَارق أَمر الْحَرْب والشورى فِي الْمُعَامَلَات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمطلوب بِهِ الدّفع عَنْهُم أَو الْجَرّ إِلَيْهِم فِيمَا تقوم بِهِ مصالحهم وَاسْتِعْمَال الرَّأْي جَائِز فِي مثله لحَاجَة الْعباد إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم فَوق ذَلِك وَالله تَعَالَى يتعالى عَمَّا يُوصف بِهِ الْعباد من الْعَجز أَو الْحَاجة فَمَا هُوَ حق الله تَعَالَى لَا يثبت ابْتِدَاء إِلَّا بِمَا يكون مُوجبا علم الْيَقِين
[ ٢ / ٩٢ ]
وَالْحجّة لِلْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَرَسُول الله ﷺ أولي النَّاس بِهَذَا الْوَصْف الَّذِي ذكره عِنْد الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ فَعرفنَا أَنه دَاخل فِي هَذَا الْخطاب قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ وَقد دخل فِي جملَة المستنبطين من تقدم ذكره فَعرفنَا أَن الرَّسُول من جملَة الَّذين أخبر الله أَنهم يعلمُونَ بالاستنباط وَقَالَ تَعَالَى ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ وَالْمرَاد أَنه وقف على الحكم بطرِيق الرَّأْي لَا بطرِيق الْوَحْي لِأَن مَا كَانَ بطرِيق الْوَحْي فداود وَسليمَان ﵉ فِيهِ سَوَاء وَحَيْثُ خص سُلَيْمَان ﵇ بالفهم عرفنَا أَن المُرَاد بِهِ بطرِيق الرَّأْي وَقد حكم دَاوُد بَين الْخَصْمَيْنِ حِين تسوروا الْمِحْرَاب بِالرَّأْيِ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه﴾ وَهَذَا بَيَان بِالْقِيَاسِ الظَّاهِر
وَقَالَ النَّبِي ﵇ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فَقضيت أَكَانَ يقبل مِنْك وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس
وَقَالَ لعمر ﵁ حِين سَأَلَهُ عَن الْقبْلَة للصَّائِم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك وَقَالَ فِي حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِالْمَاءِ أَكنت شَاربه وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس فِي حُرْمَة الأوساخ وَاسْتِعْمَال الْمُسْتَعْمل
وَقَالَ إِن الرجل ليؤجر فِي كل شَيْء حَتَّى فِي مباضعة أَهله فَقيل لَهُ يقْضِي أَحَدنَا شَهْوَته ثمَّ يُؤجر على ذَلِك قَالَ أَرَأَيْتُم لَو وضع ذَلِك فِيمَا لَا يحل هَل كَانَ يَأْثَم بِهِ قَالُوا نعم
قَالَ فَكَذَلِك يُؤجر إِذا وَضعه فِيمَا يحل وَهَذَا بَيَان بطرِيق الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ مَأْمُورا بالمشاورة مَعَ أَصْحَابه قَالَ تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ وَقد صَحَّ أَنه كَانَ يشاورهم فِي أَمر الْحَرْب وَغير ذَلِك حَتَّى رُوِيَ أَنه شاور أَبَا بكر وَعمر ﵄ فِي مفاداة الْأُسَارَى يَوْم بدر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بكر بِأَن يفادي بهم وَمَال رَأْيه إِلَى ذَلِك حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ ومفاداة الْأَسير بِالْمَالِ جَوَازه وفساده من أَحْكَام الشَّرْع وَمِمَّا هُوَ حق الله تَعَالَى وَقد شاور فِيهِ أَصْحَابه وَعمل فِيهِ بِالرَّأْيِ إِلَى أَن نزل الْوَحْي بِخِلَاف مَا رَآهُ فَعرفنَا أَنه كَانَ يشاورهم فِي الْأَحْكَام كَمَا فِي الحروب وَقد شاورهم فِيمَا يكون جَامعا لَهُم فِي أَوْقَات الصَّلَاة ليؤدوها بِالْجَمَاعَة ثمَّ لما جَاءَ عبد الله بن زيد ﵁ وَذكر مَا رأى فِي الْمَنَام من أَمر الْأَذَان
[ ٢ / ٩٣ ]
فَأخذ بِهِ وَقَالَ (ألقها على بِلَال) وَمَعْلُوم أَنه أَخذ بذلك بطرِيق الرَّأْي دون طَرِيق الْوَحْي أَلا ترى أَنه لما أَتَى عمر وَأخْبرهُ أَنه رأى مثل ذَلِك قَالَ الله أكبر هَذَا أثبت وَلَو كَانَ قد نزل عَلَيْهِ الْوَحْي بِهِ لم يكن لهَذَا الْكَلَام معنى وَلَا شكّ أَن حكم الْأَذَان مِمَّا هُوَ (من) حق الله ثمَّ قد جوز الْعَمَل فِيهِ بِالرَّأْيِ فَعرفنَا أَن ذَلِك جَائِز وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم فِي الْأَحْكَام لتطييب نُفُوسهم وَهَذَا لِأَن فِيمَا كَانَ الْوَحْي فِيهِ ظَاهرا مَعْلُوما مَا كَانَ يستشيرهم وَفِيمَا كَانَ يستشيرهم الْحَال لَا يَخْلُو إِمَّا أَن كَانَ يعْمل برأيهم أَو لَا يعْمل فَإِن كَانَ لَا يعْمل برأيهم وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما لَهُم فَلَيْسَ فِي هَذِه الاستشارة تطييب النَّفس وَلكنهَا من نوع الاستهز وَظن ذَلِك برَسُول الله ﷺ محَال وَإِن كَانَ يستشيرهم ليعْمَل برأيهم فَلَا شكّ أَن رَأْيه يكون أقوى من رَأْيهمْ وَإِذا جَازَ لَهُ الْعَمَل برأيهم فِيمَا لَا نَص فِيهِ فجواز ذَلِك بِرَأْيهِ أولى
ويتبين بِهَذَا أَنه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم لتقريب الْوُجُوه وتحميس الرَّأْي على مَا كَانَ يَقُول المشورة تلقيح الْعُقُول وَقَالَ من الحزم أَن تستشير ذَا رَأْي ثمَّ تُطِيعهُ ثمَّ الاستنباط بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يبتنى على الْعلم بمعاني النُّصُوص وَلَا شكّ أَن دَرَجَته فِي ذَلِك أَعلَى من دَرَجَة غَيره وَقد كَانَ يعلم بالمتشابه الَّذِي لَا يقف أحد من الْأمة بعده على مَعْنَاهُ فَعرفنَا بِهَذَا أَن لَهُ من هَذِه الدرجَة أَعلَى النِّهَايَة وَبعد الْعلم بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُوقف بِهِ على الحكم الْمَنْع من اسْتِعْمَال ذَلِك نوع من الْحجر وتجويز اسْتِعْمَال ذَلِك نوع إِطْلَاق وَإِنَّمَا يَلِيق بعلو دَرَجَته الْإِطْلَاق دون الْحجر
وَكَذَلِكَ مَا يعلم بطرِيق الْوَحْي فَهُوَ مَحْصُور متناه وَمَا يعلم بالاستنباط من مَعَاني الْوَحْي غير متناه
وَقيل أفضل دَرَجَات الْعلم للعباد طَرِيق الاستنباط أَلا ترى أَن من يكون مستنبطا من الْأمة فَهُوَ على دَرَجَة مِمَّن يكون حَافِظًا غير مستنبط فَالْقَوْل بِمَا يُوجب سد بَاب مَا هُوَ أَعلَى الدَّرَجَات فِي الْعلم عَلَيْهِ شبه الْمحَال وَلَوْلَا طعن المتعنتين لَكَانَ الأولى بِنَا الْكَفّ عَن الِاشْتِغَال بِإِظْهَار هَذَا بِالْحجَّةِ فقد كَانَ دَرَجَته فِي الْعلم مَا لَا
[ ٢ / ٩٤ ]
يُحِيط بِهِ إِلَّا الله وَتَمام معنى التَّعْظِيم فِي حق من هُوَ دونه أَن لَا يشْتَغل بِمثل هَذَا التَّقْسِيم فِي حَقه وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك لدفع طعن المتعنتين
ثمَّ مَا بَينه بِالرَّأْيِ إِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ صَوَابا لَا محَالة فَيثبت بِهِ علم الْيَقِين بِخِلَاف مَا يكون من غَيره من الْبَيَان بِالرَّأْيِ وَهُوَ نَظِير الإلهام على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي بَيَان الْوَحْي الْبَاطِن وَأَنه حجَّة قَاطِعَة فِي حَقه وَإِن كَانَ الإلهام فِي حق غَيره لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة على مَا نبينه فِي بَابه
وَالدَّلِيل على هَذِه الْقَاعِدَة مَا رُوِيَ أَن خَوْلَة ﵂ لما جَاءَت إِلَيْهِ تسأله عَن ظِهَار زَوجهَا مِنْهَا قَالَ مَا أَرَاك إِلَّا قد حرمت عَلَيْهِ فَقَالَت إِنِّي أشتكي إِلَى الله فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك﴾ الْآيَة فَعرفنَا أَنه كَانَ يُفْتِي بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَكَانَ لَا يقر على الْخَطَأ وَهَذَا لأَنا أمرنَا باتباعه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ وَحين بَين بِالرَّأْيِ وَأقر على ذَلِك كَانَ اتِّبَاع ذَلِك فرضا علينا لَا محَالة فَعرفنَا أَن ذَلِك هُوَ الْحق الْمُتَيَقن بِهِ وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي حق الْأمة فالمجتهد قد يخطىء ويقر على ذَلِك فَلهَذَا لم يكن الرَّأْي فِي حق غَيره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا صَالحا لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء بل لتعدية حكم النَّص إِلَى غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد ثَبت بِالنَّصِّ عمله بِالرَّأْيِ فِيمَا لم يقر عَلَيْهِ وَرُبمَا عوتب على ذَلِك وَرُبمَا لم يُعَاتب
فمما عوتب عَلَيْهِ مَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ وَمِمَّا لم يُعَاتب عَلَيْهِ مَا يرْوى أَنه لما دخل بَيته وَوضع السِّلَاح حِين فرغ من حَرْب الْأَحْزَاب أَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ وضعت السِّلَاح وَلم تضعه الْمَلَائِكَة
وَأمره بِأَن يذهب إِلَى بني قُرَيْظَة
وَمن ذَلِك أَنه أَمر أَبَا بكر ﵁ بتبليغ سُورَة بَرَاءَة إِلَى الْمُشْركين فِي الْعَام الَّذِي أمره فِيهِ أَن يحجّ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَا يبلغهَا إِلَيْهِم إِلَّا رجل مِنْك
فَبعث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي أَثَره ليَكُون هُوَ الْمبلغ للسورة إِلَيْهِم والقصة فِي ذَلِك مَعْرُوفَة فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه كَانَ يعْمل بِرَأْيهِ وَكَانَ لَا يقر إِلَّا على مَا هُوَ الصَّوَاب وَلِهَذَا كَانَ لَا تجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك لِأَنَّهُ حِين أقرّ عَلَيْهِ فقد حصل التيقن بِكَوْن الصَّوَاب فِيهِ فَلَا يسع لأحد أَن يُخَالِفهُ فِي ذَلِك
فَأَما قَوْله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾
[ ٢ / ٩٥ ]
فقد قيل هَذَا فِيمَا يَتْلُو عَلَيْهِ من الْقُرْآن بِدَلِيل أول السُّورَة قَوْله تَعَالَى ﴿والنجم إِذا هوى﴾ أَي وَالْقُرْآن إِذا أنزل
وَقيل المُرَاد بالهوى هوى النَّفس الأمارة بالسوء وَأحد لَا يجوز على رَسُول الله ﷺ اتِّبَاع هوى النَّفس أَو القَوْل بِهِ وَلَكِن طَرِيق الاستنباط والرأي غير هوى النَّفس
وَهَذَا أَيْضا تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي﴾ ثمَّ فِي قَوْله ﴿إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ مَا يُوضح جَمِيع مَا قُلْنَا لِأَن اتِّبَاع الْوَحْي إِنَّمَا يتم فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ الْوَحْي بِعَيْنِه واستنباط الْمَعْنى فِيهِ لإِثْبَات الحكم فِي نَظِيره وَذَلِكَ بِالرَّأْيِ يكون
ثمَّ قد بَينا أَنه مَا كَانَ يقر إِلَّا على الصَّوَاب فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَ ذَلِك وَحيا فِي الْمَعْنى وَهُوَ يشبه الْوَحْي فِي الِابْتِدَاء على مَا بَينا إِلَّا أَنا شرطنا فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن الْوَحْي وَهُوَ نَظِير مَا يشْتَرط فِي حق الْأمة للْعَمَل بِالرَّأْيِ الْعرض على الْكتاب وَالسّنة فَإِذا لم يُوجد فِي ذَلِك فَحِينَئِذٍ يُصَار إِلَى اجْتِهَاد الرَّأْي
وَنَظِيره من الْأَحْكَام من كَانَ فِي السّفر وَلَا مَاء مَعَه وَهُوَ يَرْجُو وجود المَاء فَعَلَيهِ أَن يطْلب المَاء وَلَا يعجل بِالتَّيَمُّمِ وَإِن كَانَ لَا يَرْجُو وجود المَاء فَحِينَئِذٍ يتَيَمَّم وَلَا يشْتَغل بِالطَّلَبِ فحال غير رَسُول الله مِمَّن يبتلى بحادثة كَحال من لَا يَرْجُو وجود المَاء لِأَنَّهُ لَا طمع لَهُ فِي الْوَحْي فَلَا يُؤَخر الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَرَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي فِي كل سَاعَة عَادَة فَكَانَ حَاله فِيمَا يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث كَحال من يَرْجُو وجود المَاء فَلهَذَا كَانَ ينْتَظر وَلَا يعجل بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَكَانَ هَذَا الِانْتِظَار فِي حَقه بِمَنْزِلَة التَّأَمُّل فِي النَّص المؤول أَو الْخَفي فِي حق غَيره وَمُدَّة الِانْتِظَار فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن نزُول الْوَحْي فِيهِ بِأَن كَانَ يخَاف الْفَوْت فَحِينَئِذٍ يعْمل فِيهِ بِالرَّأْيِ ويبينه للنَّاس فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَت حجَّة قَاطِعَة بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي
وافقا لما هُوَ فِي الْقُرْآن يَجْعَل صادرا عَن الْقُرْآن وبيانا لما فِيهِ
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ يَجْعَل ذَلِك بَيَان حكم مُبْتَدأ حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه
وعَلى هَذَا قُلْنَا بَيَان النَّبِي ﵇ للتيمم فِي حق الْجنب صادر عَمَّا فِي الْقُرْآن وَبِه يتَبَيَّن أَن المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾
[ ٢ / ٩٦ ]