قَالَ ﵁ زعم أهل الطَّرْد أَن الَّذِي يَقُولُونَ بالعلل المؤثرة ويجعلون التَّأْثِير مصححا للعلل الشَّرْعِيَّة لَا يَجدونَ بدا من القَوْل بتخصيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَهُوَ غلط عَظِيم كَمَا نبينه
وَزعم بعض أَصْحَابنَا أَن التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة جَائِز وَأَنه غير مُخَالف لطريق السّلف وَلَا لمَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ خطأ عَظِيم من قَائِله فَإِن مَذْهَب من هُوَ مرضِي من سلفنا أَنه لَا يجوز التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَمن جوز ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لأهل السّنة مائل إِلَى أقاويل الْمُعْتَزلَة فِي أصولهم
وَصُورَة التَّخْصِيص أَن الْمُعَلل إِذا أورد عَلَيْهِ فصل يكون الْجَواب فِيهِ بِخِلَاف مَا يروم إثْبَاته بعلته يَقُول مُوجب علتي كَذَا إِلَّا أَنه ظهر مَانع فَصَارَ مَخْصُوصًا بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَانِع بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي يخص مِنْهُ بعض مَا يتَنَاوَلهُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجب للتخصيص
ثمَّ من جوز ذَلِك قَالَ التَّخْصِيص غير المناقضة لُغَة وَشرعا وفقها وإجماعا
أما اللُّغَة فَلِأَن النَّقْض إبِْطَال فعل قد سبق بِفعل نشأه كنقض الْبُنيان
والتخصيص بَيَان أَن الْمَخْصُوص لم يدْخل فِي الْجُمْلَة فَكيف يكون نقضا أَلا ترى أَن ضد النَّقْض الْبناء والتأليف وضد الْخُصُوص الْعُمُوم
وَمن حَيْثُ السّنة التَّخْصِيص جَائِز فِي النُّصُوص الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة والتناقض لَا يجوز فيهمَا بِحَال
وَمن حَيْثُ الْإِجْمَاع فَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ يتْرك الْعَمَل بِهِ فِي بعض الْمَوَاضِع بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع أَو الضَّرُورَة وَذَلِكَ يكون تَخْصِيصًا لَا مناقضة وَلِهَذَا بَقِي ذَلِك الْقيَاس مُوجبا للْعَمَل فِي غير ذَلِك الْموضع
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَالْقِيَاس المنتقض فَاسد لَا يجوز الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول إِن الْمُعَلل مَتى ذكر وَصفا صَالحا وَادّعى أَن الحكم مُتَعَلق بذلك الْوَصْف فيورد عَلَيْهِ فصل يُوجد فِيهِ ذَلِك الْوَصْف وَيكون الحكم بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لفساد فِي أصل علته وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمَانع منع ثُبُوت الحكم أَلا ترى أَن سَبَب وجوب الزَّكَاة ملك النّصاب النامي ثمَّ يمْتَنع وجوب الزَّكَاة بعد وجوده لمَانع وَهُوَ انعدام حُصُول النَّمَاء بِمُضِيِّ الْحول وَلم يكن ذَلِك دَلِيل فَسَاد السَّبَب وَالْبيع بِشَرْط الْخِيَار يمْنَع ثُبُوت الْملك بِهِ لمَانع وَهُوَ الْخِيَار الْمَشْرُوط لَا لفساد أصل السَّبَب وَهُوَ البيع
فَأَما إِذا قَالَ هَذَا الْموضع صَار مَخْصُوصًا من علتي لمَانع فقد ادّعى شَيْئا مُحْتملا فَيكون مطالبا بِالْحجَّةِ فَإِن أبرز مَانِعا صَالحا فقد أثبت مَا ادَّعَاهُ بِالْحجَّةِ فَيكون ذَلِك مَقْبُولًا مِنْهُ وَإِلَّا فقد سقط احتجاجه لِأَن الْمُحْتَمل لَا يكون حجَّة وَبِه فَارق الْمُدَّعِي التَّخْصِيص فِي النَّص فَإِنَّهُ لَا يُطَالب بِإِقَامَة الدَّلِيل على مَا يَدعِي أَنه صَار مَخْصُوصًا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ من عُمُوم الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ احْتِمَال الْفساد فَكَانَ جِهَة التَّخْصِيص مُتَعَيّنا فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَهنا فِي علته احْتِمَال الْفساد فَمَا لم يتَبَيَّن دَلِيل الْخُصُوص فِيمَا ادّعى أَنه مَخْصُوص من عِلّة لَا يَنْتَفِي عَنهُ معنى الْفساد فَلهَذَا لَا يقبل مِنْهُ مَا لم يتَبَيَّن الْمَانِع
ثمَّ جعل الْقَائِل الْمَوَانِع خَمْسَة أَقسَام مَا يمْنَع أصل الْعلَّة وَمَا يمْنَع تَمام الْعلَّة وَمَا يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَمَا يمْنَع تَمام الحكم وَمَا يمْنَع لُزُوم الحكم وَذَلِكَ يتَبَيَّن كُله حسا وَحكما فَمن حَيْثُ الْحس يتَبَيَّن هَذَا كُله فِي الرَّمْي فَإِن انْقِطَاع الْوتر أَو انكسار فَوق السهْم يمْنَع أصل الْفِعْل الَّذِي هُوَ رمي بعد تَمام قصد الرَّامِي إِلَى مُبَاشَرَته وإصابة السهْم حَائِطا أَو شَجَرَة ترده عَن سنَنه يمْنَع تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى المرمى وَدفع المرمي إِلَيْهِ عَن نَفسه بترس يَجعله أَمَامه يمْنَع ابْتِدَاء الحكم الَّذِي يكون الرَّمْي لأَجله بعد تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى الْمَقْصد وَذَلِكَ الْجرْح وَالْقَتْل ومداواته الْجراحَة بَعْدَمَا أَصَابَهُ حَتَّى اندمل وبرأ يمْنَع تَمام الحكم وَإِذا صَار بِهِ صَاحب فرَاش ثمَّ تطاول حَتَّى أَمن الْمَوْت مِنْهُ يمْنَع
[ ٢ / ٢٠٩ ]
لُزُوم الحكم بِمَنْزِلَة صَاحب الفالج إِذا تطاول مَا بِهِ وَأمن الْمَوْت مِنْهُ كل بِمَنْزِلَة الصَّحِيح فِي تَصَرُّفَاته وَفِي الحكميات إِضَافَة البيع إِلَى الْحر يمْنَع انْعِقَاد أصل الْعلَّة وإضافته إِلَى مَال الْغَيْر يمْنَع انْعِقَاد تَمام الْعلَّة فِي حق الْمَالِك حَتَّى تيعين جِهَة الْبطلَان فِيهِ بِمَوْتِهِ وَاشْتِرَاط الْخِيَار من الْمَالِك لنَفسِهِ فِي البيع يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَثُبُوت خِيَار الرُّؤْيَة للْمُشْتَرِي يمْنَع تَمام الحكم حَتَّى لَا تتمّ الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ مَعَه وَثُبُوت خِيَار الْعَيْب يمْنَع لُزُوم الحكم حَتَّى يتَمَكَّن من رده بعد تَمام الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ
وَالْحجّة لعلمائنا فِي إبِْطَال القَوْل بتخصيص الْعلَّة الإستدلال بِالْكتاب والمعقول وَالْبَيَان الَّذِي لَا يُمكن إِنْكَاره
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نبئوني بِعلم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَفِيهِ مُطَالبَة الْكفَّار بِبَيَان الْعلَّة فِيمَا ادعوا فِيهِ الْحُرْمَة على وَجه لَا مدفع لَهُم فصاورا محجوجين بِهِ وَذَلِكَ الْوَجْه أَنهم إِذا بينوا أحد هذهه الْمعَانى أَن الْحُرْمَة لأَجله انْتقض عَلَيْهِم بإقرارهم بِالْحلِّ فِي الْموضع الآخر مَعَ وجود ذَلِك الْمَعْنى فِيهِ وَلَو كَانَ التَّخْصِيص فِي علل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة جَائِزا مَا كَانُوا محجوجين فَإِن أحدا لَا يعجز من أَن يَقُول امْتنع ثُبُوت حكم الْحُرْمَة فِي ذَلِك الْموضع لمَانع وَقد كَانُوا عقلاء يَعْتَقِدُونَ الْحل فِي الْموضع الآخر لشُبْهَة أَو معنى تصور عِنْدهم وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿نبئوني بِعلم﴾ إِشَارَة إِلَى أَن الْمصير إِلَى تَخْصِيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ من الْعلم فِي شَيْء فَيكون جهلا
وَأما الْمَعْقُول فَلِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة حكمهَا التَّعْدِيَة كَمَا قَررنَا وَبِدُون التَّعْدِيَة لَا تكون صَحِيحَة أصلا لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن مُوجبهَا وَإِذا جَازَ قيام الْمَانِع فِي بعض الْمَوَاضِع الَّذِي يتَعَدَّى الحكم إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْعلَّة جَازَ قِيَامه فِي جَمِيع الْمَوَاضِع فيؤدى إِلَى القَوْل بِأَنَّهَا عِلّة صَحِيحَة من غير أَن يتَعَدَّى الحكم بهَا إِلَى شَيْء من الْفُرُوع وَقد أثبتنا فَسَاد هَذَا القَوْل بِالدَّلِيلِ
ثمَّ إِن كَانَ تَعديَة الحكم بهَا إِلَى فرع
[ ٢ / ٢١٠ ]
دَلِيل صِحَّتهَا فانعدام الحكم بهَا إِلَى فرع آخر تُوجد فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة دَلِيل فَسَادهَا وَمَعَ مُسَاوَاة دَلِيل الصِّحَّة وَالْفساد لَا تثبت الْحجَّة الشَّرْعِيَّة مُوجبَة للْعَمَل يقرره أَن الْمَانِع الذى يدعى فِي الْموضع الْمَخْصُوص لَا بُد أَن يكون ثَابتا بِمثل مَا ثبتَتْ بِهِ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ دونه لَا يصلح دافعا لَهُ وَلَا مَانِعا لحكمه وَإِذا كَانَ مثلا لَهُ فَذَلِك الْمَانِع يُمكن تَعْلِيله بعلة توجب تَعديَة حكم النفى إِلَى سَائِر الْفُرُوع مثل الأَصْل الَّذِي علله الْمُعَلل بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من الْوَصْف لإِثْبَات الحكم فِيهِ فتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا من هَذَا الْوَجْه وأى مناقضة أبين من التَّعَارُض على وَجه المضادة بِصفة التساوى
ثمَّ قد بَينا فِيمَا سبق أَن دَلِيل الْخُصُوص يشبه النّسخ بصيغته والإستثناء بِحكمِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَقل بِنَفسِهِ كدليل النّسخ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا مُقَارنًا معنى كالإستثناء وَوَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ لَا يتَحَقَّق فِي الْعِلَل فَإِن نسخ الْعلَّة بِالْعِلَّةِ لَا يجوز والخصم يجوز أَن يكون الْمَانِع عِلّة مثل الْعلَّة الَّتِى يدعى تخصيصها وَكَيف يجوز النّسخ وَالْعلَّة فِيمَا احْتِمَال الْفساد لكَونهَا مستنبطة بالرأى
فَإِذا ظهر مَا يمْنَع الْعَمَل بهَا أصلا تتَعَيَّن جِهَة الْفساد فِيهَا بِخِلَاف النَّص فَإِنَّهُ لَا يحْتَمل جِهَة الْفساد فالنسخ يكون بَيَانا لمُدَّة الْعَمَل بِهِ
وَلِهَذَا نوع بَيَان آخر فَإِن الْخُصُوص يتَبَيَّن أَنه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْمحَال دون الْبَعْض وَذَلِكَ إِنَّمَا يجوز فِيمَا يجوز القَوْل فِيهِ بالنسخ مَعَ صِحَّته حَتَّى يُقَال إِنَّه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْأَوْقَات دون الْبَعْض والإستثناء إِنَّمَا يكون فِي الْعبارَات ليتبين بِهِ أَن الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي الْمعَانى الْخَالِصَة
فيتبين بِمَا ذكرنَا أَن القَوْل بالتخصيص مُسْتَقِيم فِي النُّصُوص من حَيْثُ إِن بِدَلِيل الْخُصُوص لَا تتمكن شُبْهَة الْفساد فِي النَّص بِوَجْه بل يتَبَيَّن أَن اسْم النَّص لم يكن متناولا للموضع الْمَخْصُوص مَعَ كَون الْعَام صَحِيحا مُوجبا للْعَمَل قطعا قبل قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمن جوز تَخْصِيص الْعلَّة لَا يجد بدا من القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين أجمع وعصمة الإجتهاد عَن احْتِمَال الْخَطَأ وَالْفساد كعصمة النَّص من ذَلِك
[ ٢ / ٢١١ ]
وَهَذَا تَصْرِيح بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب لما هُوَ الْحق حَقِيقَة وَأَن الِاجْتِهَاد يُوجب علم الْيَقِين وَفِيه قَول بِوُجُوب الْأَصْلَح وَفِيه من وَجه آخر قَول بالمنزلة بَين المنزلتين وبالخلود فِي النَّار لأَصْحَاب الْكَبَائِر إِذا مَاتُوا قبل التَّوْبَة
فَهَذَا معنى قَوْلنَا إِن فِي القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة ميلًا إِلَى أصُول الْمُعْتَزلَة من وُجُوه
وَلَكنَّا نقُول انعدام الحكم لَا يكون إِلَّا بعد نُقْصَان وصف أَو زِيَادَة وصف وَهُوَ الَّذِي يسمونه مَانِعا مُخَصّصا وبهذه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان تَتَغَيَّر الْعلَّة لَا محَالة فَيصير مَا هُوَ عِلّة الحكم منعدما حكما وَعدم الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون من تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء
وَبَيَان هَذَا أَن الْمُوجب لِلزَّكَاةِ شرعا هُوَ النّصاب النامي الحولي عرف بقوله ﵇ (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) وَالْمرَاد نفي الْوُجُوب والعلل الشَّرْعِيَّة لَا توجب الحكم بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة على مَا بَينا أَن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى وَالْإِضَافَة إِلَى الْعلَّة لبَيَان أَن الشَّرْع جعلهَا مُوجبَة تيسيرا علينا فَإِذا كَانَت بِهَذَا الْوَصْف مُوجبَة شرعا عرفنَا أَن عِنْد انعدام هَذَا الْوَصْف يَنْعَدِم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة
وَلَا يلْزمنَا جَوَاز الْأَدَاء لِأَن الْعلَّة الْمُوجبَة غير الْعلَّة المجوزة للْأَدَاء وَقد قَررنَا هَذَا فِيمَا سبق أَن الْجُزْء الأول من الْوَقْت مجوز أَدَاء الصَّلَاة فرضا وَإِن لم يكن مُوجبا للْأَدَاء عينا مَعَ أَن هَذَا الْوَصْف مُؤثر فَإِن النَّمَاء الَّذِي هُوَ مَقْصُود إِنَّمَا يحصل بِمُضِيِّ الْمدَّة أَلا ترى أَن الْوُجُوب يتَكَرَّر بِتَكَرُّر الْحول لتجدد معنى النَّمَاء بِمُضِيِّ كل حول وَكَذَلِكَ البيع بِشَرْط الْخِيَار فَإِن الْمُوجب للْملك شرعا البيع الْمُطلق وَمَعَ شَرط الْخِيَار لَا يكون مُطلقًا بل بِهَذِهِ الزِّيَادَة يصير البيع فِي حق الحكم كالمتعلق بِالشّرطِ وَقد بَينا أَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ غير الْمُطلق ولصفة الْإِطْلَاق تَأْثِير أَيْضا فَإِن الْمُوجب للْملك بِالنَّصِّ التِّجَارَة عَن ترَاض وَتَمام الرِّضَا يكون عِنْد إِطْلَاق الْإِيجَاب لَا مَعَ شَرط الْخِيَار فَظهر أَن الْعلَّة تنعدم بِزِيَادَة وصف أَو نُقْصَان
[ ٢ / ٢١٢ ]
وصف وَهُوَ الْحَاصِل الَّذِي يجب مراعاته فَإِنَّهُم يسمون هَذَا الْمَعْنى المغير مَانِعا مُخَصّصا فَيَقُولُونَ انعدام الحكم مَعَ بَقَاء الْعلَّة بِوُجُود مَانع وَذَلِكَ تَخْصِيص كالنص الْعَام يلْحقهُ خُصُوص فَيبقى نصا فِيمَا وَرَاء مَوضِع الْخُصُوص
وَنحن نقُول تنعدم الْعلَّة حِين ثَبت المغير فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا فِي الْعِلَل مُسْتَقِيم بِخِلَاف النُّصُوص فَإِن بِالنَّصِّ الْخَاص لَا يَنْعَدِم النَّص الْعَام وعَلى هَذَا الطَّرِيق مَا استحسنه عُلَمَاؤُنَا من الْقيَاس فِي كتبهمْ فَإِن الِاسْتِحْسَان قد يكون بِالنَّصِّ وبوجود النَّص تنعدم الْعلَّة الثَّابِتَة بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبر بِالْعِلَّةِ أصلا فِي مَوضِع النَّص وَلَا فِي مُعَارضَة حكم النَّص
وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْسَان إِذا كَانَ بِسَبَب الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع كالنص من كتاب أَو سنة فِي كَونه مُوجبا الْعلم
وَكَذَلِكَ مَا يكون عَن ضَرُورَة فَإِن مَوضِع الضَّرُورَة مجمع عَلَيْهِ أَو مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا يعْتَبر بِالْعِلَّةِ فِي مَوضِع النَّص فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الِاسْتِحْسَان بِقِيَاس مستحسن ظهر قُوَّة أَثَره لما بَينا أَن الضَّعِيف فِي مُعَارضَة الْقوي مَعْدُوم حكما
وَبَيَان مَا ذكرنَا فِي أَن النَّائِم إِذا صب فِي حلقه مَاء وَهُوَ صَائِم لم يفْسد صَوْمه على قَول زفر لِأَنَّهُ مَعْذُور كالناسي أَو أبلغ مِنْهُ وَفَسَد صَوْمه عندنَا لفَوَات ركن الصَّوْم وَالْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ ركنها فَيلْزم على هَذَا النَّاسِي
فَمن يجوز تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول انْعَدم الحكم هُنَاكَ لوُجُود مَانع وَهُوَ الْأَثر فَكَانَ مَخْصُوصًا من هَذِه الْعلَّة بِهَذَا الطَّرِيق مَعَ بَقَاء الْعلَّة
وَنحن نقُول انْعَدم الحكم فِي النَّاسِي لِانْعِدَامِ الْعلَّة حكما فَإِن النسْيَان لَا صنع فِيهِ لأحد من الْعباد وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الله تَعَالَى أطْعمهُ وسقاه وَصَارَ فعله فِي الْأكل سَاقِط الِاعْتِبَار وتفويت الرُّكْن إِنَّمَا يكون بِفعل الْأكل فَإِذا لم يبْق فعله فِي الْأكل شرعا كَانَ ركن الصَّوْم قَائِما حكما وَإِنَّمَا لم يحصل الْفطر هُنَا لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة للفطر ثمَّ النَّائِم لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَن الْفِعْل الَّذِي يفوت بِهِ ركن الصَّوْم مُضَاف إِلَى الْعباد هُنَا فَيبقى مُعْتَبرا مفوتا ركن
[ ٢ / ٢١٣ ]
الصَّوْم بِخِلَاف إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى من لَهُ الْحق
وَكَذَلِكَ قُلْنَا إِن الْمَغْصُوب يصير مَمْلُوكا للْغَاصِب عِنْد تقرر الضَّمَان عَلَيْهِ لِأَن بِهَذَا السَّبَب لما تقرر الْملك فِي ضَمَان الْقيمَة وَهُوَ حكم شرعى فيقرر الْملك فِيمَا يُقَابله فَيلْزم على هَذَا فصل الْمُدبر من حَيْثُ إِنَّه يَتَقَرَّر الْملك فِي قِيمَته للْمَغْصُوب مِنْهُ وَلَا يثبت الْملك فِي الْمُدبر للْغَاصِب فَمن يرى تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم فِي الْمُدبر مَعَ وجود الْعلَّة لمَانع وَهُوَ أَنه غير مُحْتَمل للنَّقْل من ملك إِلَى ملك
وَنحن نقُول انعدمت الْعلَّة الْمُوجبَة للْملك فِي الْمُدبر فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا لِأَن الْعلَّة تقرر الْملك فِي قيمَة هِيَ بدل عَن الْعين وَقِيمَة الْمُدبر لَيْسَ بِبَدَل عَن عينهَا لِأَن شَرط كَون الْقيمَة بَدَلا عَن الْعين أَن تكون الْعين مُحْتملا للتَّمْلِيك وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الْمُدبر لِأَن الْمُدبر جرى فِيهِ عتق من وَجه وَالْعِتْق فِي الْمحل يمْنَع وجوب قيمَة الْعين بِسَبَب الْغَصْب وَلَكِن الضَّمَان وَاجِب بِاعْتِبَار الْجِنَايَة الَّتِى تمكنت من الْغَاصِب بتفويت يَده لِأَن مَعَ جَرَيَان الْعتْق فِيهِ من وَجه قد بقيت الْيَد والمالية مُسْتَحقَّة للْمَالِك فَإِن انعدام ذَلِك يعْتَمد ثُبُوت الْعتْق فِي الْمحل من كل وَجه فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِوُجُود مَا يغيرها
وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا فِي الزِّنَا إِنَّه ثبتَتْ بِهِ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة فِي الأَصْل بِاعْتِبَار الْوَلَد الَّذِي يتخلق من الماءين فَيصير بِوَاسِطَة الْوَلَد أمهاتها وبناتها فِي حَقه كأمهاته وَبنَاته وأبناؤه وآباؤه فِي حَقّهَا كآبائها وأبنائها ثمَّ الْوَطْء فِي مَحل الْحَرْث سَبَب لحُصُول هَذَا الْوَلَد فيقام مقَامه وَيلْزم على هَذَا أَنه لَا يتَعَدَّى الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات من الْجَانِبَيْنِ فَمن يَقُول بتخصيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم مَعَ قيام الْعلَّة فِي هَذِه الْمَوَاضِع للنَّص أَو الْإِجْمَاع وَنحن نقُول إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة لِأَن فِي النَّص الْمُوجب لحُرْمَة الْمُصَاهَرَة ذكر الْأُمَّهَات وَالْبَنَات والآباء وَالْأَبْنَاء خَاصَّة فامتداد الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات يكون تغييرا
[ ٢ / ٢١٤ ]
وإثباتا احرمة أُخْرَى لِأَن الْمَقْصُود غير الممتد وَإِنَّمَا يُعلل الْمَنْصُوص وَلَا يجوز تَبْدِيل الْمَنْصُوص بِالتَّعْلِيلِ فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة لَا لمَانع مَعَ قيام الْعلَّة
وَكَذَلِكَ إِن ألزم أَن الْمَوْطُوءَة لَا تحرم على الواطىء بِوَاسِطَة الْوَلَد والقرب بَينهمَا أمس فالتخريج هَكَذَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم هُنَاكَ لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِاعْتِبَار مورد النَّص كَمَا قَررنَا وَهَذَا أصل كَبِير وَفقه عَظِيم
من ترك التعنت وَتَأمل عَن إنصاف يخرج لَهُ جَمِيع مَا لم يذكر بِمَا هُوَ من نَظَائِر مَا ذكرنَا عَلَيْهِ
وعمدة هَذَا الْفِقْه معرفَة الْخُصُوص فَإِن النصين إِذا كَانَ أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا فالعام لَا يَنْعَدِم بالخاص حَقِيقَة وَلَا حكما وَلَيْسَ فِي وَاحِد من النصين توهم الْفساد فَعرفنَا أَن الْخَاص كَانَ مُخَصّصا للموضع الذى تنَاوله من حكم الْعَام مَعَ بَقَاء الْعَام حجَّة فِيمَا وَرَاء ذَلِك وَإِن تمكن فِيهِ نوع شُبْهَة من حَيْثُ إِنَّه صَار كالمستعار فِيمَا هُوَ حَقِيقَة حكم الْعَام فَأَما الْعلَّة وَإِن كَانَت مُؤثرَة فَفِيهَا احْتِمَال الْفساد وَالْخَطَأ وَهِي تحْتَمل الإعدام حكما فَإِذا جَاءَ مَا يغيرها جعلناها مَعْدُومَة حكما فِي ذَلِك الْموضع ثمَّ انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَلَا يكون فِيهَا شَيْء من معنى التَّنَاقُض وَلَا يكون من التَّخْصِيص فِي شَيْء وَالله أعلم