قَالَ ﵁ وَذَلِكَ معنى الْقيَاس لُغَة فالصورة بِلَا معنى يكون فَاسِدا من الدَّعْوَى ثمَّ شَرطه فَإِن وجود الشَّيْء على وَجه يكون مُعْتَبرا شرعا لَا يكون إِلَّا بِوُجُود شَرطه ثمَّ رُكْنه فقوام الشَّيْء يكون بركنه ثمَّ حكمه فَإِن الشَّيْء إِنَّمَا يخرج من حد الْعَبَث والسفه إِلَى حد الْحِكْمَة بِكَوْنِهِ مُفِيدا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِحكمِهِ ثمَّ بِالدفع بعد ذَلِك فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع
فَأَما الأول فَهُوَ معرفَة الْقيَاس لُغَة فَنَقُول للْقِيَاس تَفْسِير هُوَ المُرَاد بصيغته وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته بمنزله فعل الضَّرْب فَإِن لَهُ تَفْسِيرا هُوَ الْمَعْلُوم بصورته وَهُوَ إِيقَاع الْخَشَبَة على جسم وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ الإيلام
فَأَما تَفْسِير صِيغَة الْقيَاس فَهُوَ التَّقْدِير يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي قدره بِهِ وقاس الطَّبِيب الْجرْح إِذا سبره بالمسبار ليعرف مِقْدَار غوره وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن مَعْنَاهُ لُغَة فِي الْأَحْكَام رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره ليَكُون مثلا لَهُ فِي الحكم الَّذِي وَقعت الْحَاجة إِلَى إثْبَاته وَلِهَذَا يُسمى مَا يجْرِي بَين المناظرين مقايسة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْعَى ليجعل جَوَابه فِي الْحَادِثَة مثلا لما اتفقَا على كَونه أصلا بَينهمَا يُقَال قايسته مقايسة وَقِيَاسًا وَيُسمى ذَلِك نظرا أَيْضا إِذْ لَا يصاب إِلَّا بِالنّظرِ عَن إنصاف وَيُسمى ذَلِك اجْتِهَادًا مجَازًا أَيْضا لِأَن ببذل المجهود يحصل هَذَا الْمَقْصُود
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَأما الْمَعْنى الَّذِي هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ أَنه مدرك من مدارك أَحْكَام الشَّرْع ومفصل من مفاصله وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هُنَا ببسط الْكَلَام فَنَقُول إِن الله تَعَالَى ابتلانا بِاسْتِعْمَال الرَّأْي وَالِاعْتِبَار وَجعل ذَلِك مَوْضُوعا على مِثَال مَا يكون بَين الْعباد مِمَّا شَرعه من الدَّعْوَى والبينات فالنصوص شُهُود على حُقُوق الله تَعَالَى وَأَحْكَامه بِمَنْزِلَة الشُّهُود فِي الدَّعَاوَى وَمعنى النُّصُوص (شَهَادَته بِمَنْزِلَة) شَهَادَة الشَّاهِد ثمَّ لَا بُد من صَلَاحِية الشَّاهِد بِكَوْنِهِ حرا عَاقِلا بَالغا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية النَّص لكَونه شَاهدا بِكَوْنِهِ مَعْقُول الْمَعْنى وَلَا بُد من صَلَاحِية الشَّهَادَة بِوُجُود لَفظهَا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية الْوَصْف الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة وَذَلِكَ بِأَن يكون ملائما للْحكم أَو مؤثرا فِيهِ على مَا نبين الِاخْتِلَاف فِيهِ وَلَا بُد مِمَّا هُوَ قَائِم مقَام الطَّالِب فِيهِ وَهُوَ القائس وَلَا بُد من مَطْلُوب وَهُوَ الحكم الشَّرْعِيّ فالمقصود تَعديَة الحكم إِلَى الْفُرُوع وَلَا بُد من مقضي عَلَيْهِ وَهُوَ عقد الْقلب ليترتب عَلَيْهِ الْعَمَل بِالْبدنِ إِن كَانَ يحاج نَفسه وَإِن كَانَ يحاج غَيره فَلَا بُد من خصم هُوَ كالمقضي عَلَيْهِ من حَيْثُ إِنَّه يلْزمه الانقياد لَهُ وَلَا بُد من قَاض فِيهِ وَهُوَ الْقلب بِمَنْزِلَة القَاضِي فِي الْخُصُومَات ثمَّ بعد اجْتِمَاع هَذِه الْمعَانِي يتَمَكَّن الْمَشْهُود عَلَيْهِ من الدّفع كَمَا فِي الدَّعْوَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ يتَمَكَّن من الدّفع بعد ظُهُور الْحجَّة فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع وَرُبمَا يخالفنا فِي بعض هَذَا الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء أَيْضا