وقال ابن هبيرة (١): "استخراج الغوامض والاطلاع عليها". (٢) ولعله مراد من أطلق.
وشرعًا: الأحكام (٣) الشرعية الفرعية، والفقيه: من عرف جملة غالبة منها عن أدلتها (٤) التفصيلية بالاستدلال. (٥) وهو مراد الأصحاب بقولهم:
_________________
(١) هو: أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة -وقيل: يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة- الذهلي الشيباني، عون الدين، من كبار الوزراء في الدولة العباسية، عالم بالفقه والأدب، وله نظم جيد، ولد في قرية من أعمال دجيل بالعراق سنة ٤٩٩ هـ، ودخل بغداد، فتعلم صناعة الإِنشاء، وقرأ التاريخ والأدب وعلوم الدين، استوزره المقتفي سنة ٥٤٤ هـ، توفي ببغداد سنة ٥٦٠ هـ. من مؤلفاته: الإِفصاح عن معاني الصحاح. انظر: الروضتين ١/ ١٤١، ووفيات الأعيان ٦/ ٢٣٠، ومرآة الجنان ٣/ ٣٣٤، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٢٥١، والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٦٩، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٨٦، وشذرات الذهب ٤/ ١٩١.
(٢) انظر: الإِفصاح لابن هبيرة ١/ ٥٦، ولفظه: "استخراج الغوامض والاطلاع على أسرار الكلم".
(٣) في هامش (ب) قال بعضهم: العلم بالأحكام، وقال آخرون: معرفة الأحكام. وما قاله هنا أحسن، لأن الفقه نفس الأحكام. وفي هامش (ظ): صوابه: معرفة الأحكام. ثم جاء فيه أيضًا: المعروف من كلام الأصوليين أن الفقه شرعًا العلم بالأحكام، لا نفس الأحكام. والمصنف جعله نفس الأحكام. والظاهر أن لفظ (المعرفة) أو (العلم) سقط من غير قصد، وهو مراده؛ بدليل قوله: وهو مراد الأصحاب بقولهم: الفقه معرفة الأحكام.
(٤) في هامش (ظ): قوله: "عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال" راجع إِلى قوله: "الأحكام الشرعية الفرعية".
(٥) نهاية ٢أمن (ب).
[ ١ / ١١ ]
"الفقه: معرفة الأحكام بالفعل أو القوة (١) القريبة". وذكر بعض أصحابنا بدل "غالبة":" كثيرة " (٢).
وخرج بالأدلة التفصيلية علم الله ورسوله؛ لأنه لم يستفد من الأدلة.
وقيل (٣): علم الله عنها؛ لأن العلم بالعلة لازم للعلم بالمعلول.
رد: ليست الأدلة علة للاحكام؛ بل أمارات (٤).
وقيل (٥): خرج بها العلم عن دليل إِجمالي (٦)، كالخلاف (٧) نحو: "ثبت بالمقتضي، وامتنع بالنافي"، وكأصول الفقه.
_________________
(١) في (ب): "والقوة".
(٢) انظر: المسودة/ ٥٧١، وكتاب صفة الفتوى والفتي والمستفتي، لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي/ ١٤.
(٣) انظر: البلبل/ ٨.
(٤) الأمارات: جمع أمارة. والأمارة لغة: العلامة. واصطلاحًا: هي التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إِلى المطر؛ فإِنه يلزم من العلم به الظن بوجود المطر. والفرق بين الأمارة والعلامة: أن العلامة ما لا ينفك عن الشيء كوجود الألف واللام على الاسم، والأمارة تنفك عن الشيء كالغيم بالنسبة للمطر. انظر: التعريفات/ ١٦.
(٥) وضع فوق (قيل) في (ب) علامة تشير إِلى سقوطها في بعض النسخ.
(٦) انظر: البلبل/ ٧.
(٧) فن الخلاف: علم يعرف به كيفية إِيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية، بإِيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من أقسام المنطق، إِلا أنه خص بالمقاصد الدينية. انظر: المدخل إِلى مذهب أحمد/ ٢٣١ ومفتاح السعادة ١/ ٣٥٢ - ٢٥٤، ٢/ ٤٢٦.
[ ١ / ١٢ ]
وقيل (١): خرج علم الله ورسوله بالاستدلال.
والمقلد: قيل (٢): خرج به (٣)، وقيل: بالأول (٤).
وذكر (٥) جماعة (٦): "العلم بها"، وأن الظن بها ليس فقهًا في عرف
_________________
(١) انظر: البلبل / ٨.
(٢) انظر المرجع السابق.
(٣) في هامش (ب): قوله: "والمقلد خرج به" بالاستبدلال، لأن علمه ليس بالاستدلال
(٤) في هامش (ب): قوله "وقيل بالأول" أي بقوله: عن أدلتها التفصيلية. وفي هامش (ظ): قوله:" "وقيل بالأول" أي قوله: "معرفة الأحكام" ووجهه: أن المقلد ليس عارفًا بالحكم، وإِنما هو مقلد في معرفته. هذا ظاهر كلامه. وبعضهم أخرجه بالعلم على قول من حده بالعلم، فقال: العلم بالأحكام. قال الأسنوي في شرحه: "لأن ما عند المقلد يسمى تقليدًا لا علمًا"، وظاهر كلام الطوفي أنه خارج بقوله "عن أدلتها"، ولا يحتاج إِلى "التفصيلية"، قال: لأن علمه بها ليس عن دليل أصلًا.
(٥) انظر: البلبل/ ٧، والإِحكام للآمدي ١/ ٦. وفي هامش (ظ): قوله "وذكر جماعة العلم بها" أي أبدل لفظ المعرفة بلفظ العلم، فقيل: الفقه: العلم بالأحكام. ويحتمل أنه عائد إِلى قوله: "وشرعًا: الأحكام". ولم يذكر العلم ولا المعرفة؛ بل جعل الفقه نفس الأحكام. وهذا واضح إِن ثبت أن أحدًا عرف الفقه بنفس الأحكام لكني لم أره في كلامهم، وإِنما الذي رأيته في كلام الأصحاب وغيرهم أن الفقه معرفة الأحكام المذكورة. وجماعة قالوا: العلم بالأحكام. وأما جعل الفقه نفس الأحكام، من غير ذكر المعرفة أو العلم فلم أظفر به في كلام الأشياخ. ثم ظهر لي أن المصنف لم يرد إِلا أن الجماعة عدلوا عن لفظ المعرفة إِلى لفظ العلم؛ بدليل قوله: "وأن الظن بها ليس فقهًا". وهذا يمنع الاحتمال الثاني. والله أعلم.
(٦) نهاية الصفحة المفقودة من (ح).
[ ١ / ١٣ ]
اللغوي (١) والأصولي.
وقال (٢) الآمدي (٣) وجماعة: "أو العلم (٤) بالعمل بها". وفيه نظر وضعف.
وعليه يحذف من الحد (٥) "عن أدلتها التفصيلية" أو "بالاستدلال"؛ لصحة الحد بدونه. (٦)
_________________
(١) علم اللغة: علم باحث عن مدلولات جواهر المفردات وهيئاتها الجزئية التي وضعت تلك الجواهر معها لتلك المدلولات بالوضع الشخصي، وعما حصل من تركيب كل جوهر جوهر، وهيئاتها الجزئية على وجه جزئي، وعن معانيها الموضوع لها بالوضع الشخصي. انظر: مفتاح السعادة ١/ ٨٩.
(٢) في (ح): فقال.
(٣) هو: أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين الآمدي. ولد سنة ٥٥١ هـ بـ (آمد) وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم، وكان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، وانحدر إِلى بغداد، وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي، وبقي على ذلك مدة، ثم انتقل إِلى مذهب الشافعي، توفي سنة ٦٣١ هـ بدمشق، وقد ألف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف. من مؤلفاته: الإِحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السول في علم الأصول، وأبكار الأفكار في علم الكلام. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٣، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٥٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٣٠١، ولسان الميزان ٣/ ١٣٤.
(٤) انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٦. وفي هامش (ظ): فهم المصنف من كلام الآمدي أنه حد الفقه بحدين: أحدهما: العلم بالأحكام. والآخر: العلم بالعمل بالأحكام.
(٥) في هامش (ظ): أي من الحد الأخير، وهو: العلم بالعمل بها.
(٦) نهاية ٢ أمن (ظ).
[ ١ / ١٤ ]