يعتد في الإجماع بالعلماء المجتهدين بغض النظر عن سنهم وطبقتهم وبلادهم، فلا ينعقد الإجماع إلا باتفاق علماء العصر المجتهدين وقت النظر في النازلة.
والدليل على ذلك: أن الآية التي هي مستند الإجماع تدل على أن اللوم يحصل بترك سبيل المؤمنين، وإذا اختلف المؤمنون لم يصح أن يسمى ما قاله الأكثر سبيل المؤمنين، بل سبيل بعض المؤمنين. ولو أخذ بظاهر الآية لاعتد بالعوام، ولكن لما كان العوام مأمورين باتباع العلماء لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل٤٣]. أصبح المعتد بقولهم العلماء المجتهدين.
وينبني على ما تقدم أن التابعي إذا بلغ درجة الاجتهاد في حياة الصحابة، يعتد بقوله في المسائل التي لم يقم عليها إجماع قبل بلوغه درجة الاجتهاد، فلو خالف التابعي المعاصرين له من الصحابة لم يعد مخالفا للإجماع إذ لا إجماع حينئذ.
وينبني على ذلك أيضا أن من حصَّل بعض العلوم التي لا بد منها لبلوغ درجة الاجتهاد دون بعضها لا يعتد بقوله، فالمحدث الذي لا يعرف أصول الفقه وقواعده، والفقيه الحافظ للفروع الذي لا يعرف أحاديث الأحكام، والأصولي
[ ١٣٤ ]
الذي لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقولهم في الإجماع، لكن الأصولي القادر على الاستنباط إذا عرف أدلة المسألة وأحاط بأكثرها اعتد بقوله فيها، والمحدث إذا عرف اللغة وأصول الفقه اعتد بقوله، والفقيه إذا عرف أصول الفقه واللغة وأدلة المسألة موضع البحث اعتد بقوله فيها. وهذا مبني على أن الاجتهاد يتجزأ فيكون العالم مجتهدا في بعض أبواب الفقه ومسائله دون غيرها. كما سيأتي في باب الاجتهاد.
وهذا يجعلنا نجهل أهل الاجتهاد في كل مسألة، فلا نجزم بحصول الإجماع فيها، مع وجود مخالف وإن لم نره من أهل الاجتهاد، فالإجماع مع وجود مخالف لا يمكن الاحتجاج به على الغير؛ لأن الخصم ربما عد المخالف من أهل الاجتهاد فلا يتحقق الإجماع عنده.