عمل أهل المدينة ليس المقصود به عملهم في جميع الأعصار، بل في عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فحسب، وقد جعله القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي على ضربين: نقلي واستدلالي.
والنقلي كنقلهم الصاع والمد والأذان والأوقات وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا حجة عند جمهور العلماء، وقال أبو العباس القرطبي إنه لا ينبغي الخلاف فيه.
وأما الاستدلالي فهو ما ذهبوا إليه بطريق الاجتهاد، وهذا هو محل الخلاف بين المالكية وغيرهم، بل قال القاضي عبد الوهاب إن المالكية مختلفون فيه على ثلاثة أوجه هي:
١ - أنه ليس بحجة ولا مرجح، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والأبهري وأبي الفرج وغيرهم.
٢ - أنه مرجح عند التعارض ولا يستدل به منفردا.
[ ١٣٧ ]
٣ - أنه حجة (١).
والذين رأوا حجيته من المالكية ونسبوه لإمامهم، أخذوه مما عرف عن الإمام مالك أنه كان يروي الخبر ثم يترك العمل به ويقول: «وليس على هذا العمل عندنا» يعني في المدينة كما فعل في خيار المجلس.
ويشكل على هذا النقل أن الإمام مالكا ﵀ ذكر في الموطأ في باب العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرأ من العيب لو اشترطه، ثم خالفهم، ولعل هذا هو ما جعل بعض علماء المالكية ينكرون احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة إلا فيما سبيله النقل.
وأظهر ما يستدل به للقول بحجية إجماع أهل المدينة: أن المدينة قد ضمت صحابة رسول الله ﷺ وأبناءهم وأبناء أبنائهم، وأن ما اتفقوا عليه لا بد أن يكون ظاهرا معلوما في عهد رسول الله ﷺ فيكون حجة. وكذلك ما تركوه مع قيام الداعي إليه لا يتركونه إلا بحجة عن رسول الله ﷺ.
وأما الاستدلال بالأحاديث الواردة في فضل المدينة وفضل الأنصار ودعاء الرسول ﷺ لأهلها فلا دلالة فيها على حجية إجماعهم أو عملهم.
واستدل الجمهور على عدم الحجية بأن أدلة الإجماع ما خصت أهل المدينة بل عمت الأمة.