المراد بانقراض العصر موت العلماء المجمعين على حكم الواقعة قبل رجوعهم عن رأيهم. وليس المراد موت جميع علماء العصر، بل موت الذين أفتوا في المسألة.
هذا الأمر اشترطه بعض العلماء واحتجوا عليه بأن العالم لا يمكن منعه من الرجوع عن رأي رآه ثم تبين له خطؤه، وبأن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن» (أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح) فرجع عن رأي اتفق عليه.
والصحيح أن انقراض العصر ليس شرطا؛ لأن الأمة إذا اتفقت على حكم فهي معصومة من الخطأ؛ لحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وما جاء في معناه من الأحاديث، فإذا حصل الإجماع وجب أن يكون على صواب وإذا كان
[ ١٣٥ ]
صوابا فما عداه خطأ؛ لأن الصواب لا يتعدد.
وجواز رجوع العالم إنما هو في المسائل التي لم يحصل فيها إجماع.
وما روي عن علي - ﵁ - لا دليل فيه؛ لأنه حكى اتفاقه مع عمر وحده ولم يحك اتفاق المسلمين جميعا، ومع هذا فقد أنكر عليه جابر بن زيد، وقال: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، أو قال: من رأيك في الفرقة.
ومما يؤيد القول بعدم اشتراط انقراض العصر أنه لو اشترط هذا الشرط لما تحقق إجماع أبدا؛ لأنه قبل أن ينقرض أهل العصر يبلغ درجة الاجتهاد علماء آخرون من الطبقة التي تليهم ومن حقهم أن يفتوا في تلك المسألة بخلاف ما اتفق عليه من سبقهم إذ لم ينعقد الإجماع بعد، فإن أفتوا بموافقتهم من قبلهم أصبحوا من أهل الإجماع فلا ينعقد حتى يموتوا ثم يأتي في عصرهم علماء من الطبقة الثالثة فيجوز لهم أن يخالفوا في تلك المسألة أو يوافقوا، وهكذا فلا يتحقق الإجماع أبدا.
والمشترطون للانقراض يقولون إنه ممكن؛ لأن العبرة بموت المجمعين من الطبقة الأولى قبل وجود المخالف من الطبقة الثانية أو الثالثة، ولا يشترط موت من لحق بهم من الطبقة الثانية أو الثالثة. وهذا لا دليل عليه إذ كيف يجعل موت فلان من الناس دليلا على التحريم أو الإباحة أو غيرهما من الأحكام؟.