فالرأي الباطل أنواع:
أحدها: الرأي المخالف للنص. وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام فسادُه وبطلانُه، ولا تحِلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد.
النوع (^١) الثاني: هو الكلام في الدين بالخَرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها. فإنَّ مَن جهِلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرَّدِ قدرٍ جامعٍ بين الشيئين ألحَق أحدَهما بالآخر، أو لمجرَّدِ قدرٍ فارقٍ يراه بينهما يفرِّق بينهما في الحكم، من غير نظرٍ إلى النصوص والآثار= فقد وقع في الرأي المذموم الباطل، فضلَّ، وأضلَّ (^٢).
النوع الثالث: الرأي المتضمِّن لتعطيل (^٣) أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشُبَهَهم الداحضة في ردِّ النصوص الصحيحة الصريحة؛ فردُّوا
_________________
(١) "النوع" ساقط من ت.
(٢) في ع: "فصل وأصل" بالصاد المهملة فيهما. ويظهر أن هذا التصحيف قد وقع في النسخة المعتمدة في بعض الطبعات القديمة. فلما قرؤوه متصلًا بما بعده: "فصل وأصل النوع الثالث" حذفوا "وأصل" إلا في نشرة الوكيل، إذ لا معنى له هنا، وهكذا سقط: "فضلَّ وأضلَّ" من المتن، ووجد فيه فصل جديد! أما طبعة دار ابن الجوزي فاستدركت الساقط بين حاصرتين، ثم أثبتت لفظ "فصل" أيضًا!
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: "تعطيل". ولعله تصرف من بعض النساخ أو الناشرين.
[ ١ / ١٤٢ ]
لأجلها ألفاظَ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعانيَ النصوص التي لم يجدوا إلى ردِّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوعَ الأولَ بالتكذيب، والنوعَ الثانيَ بالتحريف والتأويل.
فأنكروا لذلك رؤيةَ المؤمنين ربَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامَه وتكليمَه لعباده، وأنكروا مباينتَه للعالم، واستواءَه على عرشه، وعلوَّه على المخلوقات، وعمومَ قدرته على كلِّ شيء. بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنِّ والإنس عن تعلُّق قدرته ومشيئته وتكوينه بها (^١)، ونفَوا لأجلها حقائقَ ما أخبَر به عن نفسه وأخبر به رسولُه من صفات كماله ونعوت جلاله. وحرَّفوا لأجلها النصوصَ عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرَّد الذي حقيقتُه أنه زُبالةُ الأذهان، ونُحاتة (^٢) الأفكار، وعُصارة (^٣) الآراء ووساوس الصدور. فملؤوا به الأوراق سوادًا،
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: "لها"، تصحيف.
(٢) كذا في جميع النسخ. وقد جمع المؤلف بينها وبين الزبالة في قوله في النونية: طوبى لهم لم يعبؤوا بنُحاتة الْـ أفكار أو بزُبالة الأذهانِ وقال فيها أيضًا: جاؤوكم بالوحي لكن جئتمُ بنحاتة الأفكار والأذهان وانظر: "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٠٦) و"اجتماع الجيوش" (٢/ ٥٨). وفي النسخ المطبوعة: "نخالة"، وكذا وقع في "اجتماع الجيوش" (٢/ ٥٤) و"الصواعق" (٢/ ٤٣٣)، وأخشى أن يكون تصحيفًا مع صحة معناه.
(٣) ع: "عقارة"، وفي غيرها: "عفارة"، وكذا في النسخ المطبوعة، ولا معنى لها بالفاء ولا بالقاف. والكلمات التي استعملها المؤلف في هذا السياق: النُّفاية، والكناسة، مع الزبالة، والنحاتة. ولعل الصواب ما أثبت. وكذا في بعض النسخ المعتمدة في المطبوع.
[ ١ / ١٤٣ ]
والقلوبَ شكوكًا، والعالمَ فسادًا.
وكلُّ من له مُسكةٌ من عقل يعلم أنَّ فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل. وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكُه، [٣٧/ب] ولا في أمَّةٍ إلا وفسد أمرُها أتمَّ فساد. فلا إله إلا الله، كم نُفِي بهذه الآراء من حقٍّ، وأُثبِتَ بها من باطل، وأُمِيت بها من هُدًى، وأُحْيِيَ بها من ضلالة! وكم هُدِم بها من معقِلٍ للإيمان (^١)، وعُمِر بها من دَيْرٍ (^٢) للشيطان (^٣)! وأكثرُ أصحاب الجحيم هم أهلُ هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شرٌّ من الحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
النوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدعُ، وغُيِّرت به السُّنن، وعَمَّ به البلاء، وتربَّى عليه الصغير، وهَرِم فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين.
النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر (^٤) عن "جمهور أهل العلم أنَّ الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه (^٥)
_________________
(١) س، ع: "الإيمان"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في ع ما يشبه "دين"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٣) ع: "الشيطان"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في "جامع بيان العلم" (٢/ ١٠٥٤).
(٥) ح: "الصحابة".
[ ١ / ١٤٤ ]
والتابعين - ﵃ -، أنه القولُ في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغالُ بحفظ المعضِلات والأغلوطات، وردُّ الفروع (^١) بعضها على بعض قياسًا، دون ردِّها على أصولها والنظرِ في عللها واعتبارها؛ فاستُعمِل فيها الرأيُ قبل أن تنزل، وفُرِّعت وشُقَّتْ (^٢) قبل أن تقع، وتُكُلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن. قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيلُ السنن، والبعثُ على جهلها، وتركُ الوقوف على ما يلزم الوقوفُ عليه منها ومن كتاب الله ﷿ ومعانيه. واحتجُّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء".
ثم ذكر (^٣) من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، [٣٨/أ] عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر قال: لا تسألوا عمَّا لم يكُن؛ فإنِّي سمعتُ عمرَ يلعن مَن يسأل عمَّا لم يكن.
ثم ذكر (^٤) من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا
_________________
(١) في "الجامع": "الفروع والنوازل".
(٢) في النسخ المطبوعة: "شقِّقت"، وكذا من "الجامع".
(٣) برقم (٢٠٣٦) من طريق أسد به، ورواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٢١) من طريق مسروق بن المرزبان، عن شريك، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر. وخالفه جرير بن عبد الحميد، فرواه عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أخرجه عنه أبو خيثمة في كتاب "العلم" (١٤٤) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٦٧)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٣) ــ. وهذا أشبه، على أن ليثًا ــ وهو ابن أبي سُليم ــ ضعيف شديد التخليط. ورواه الدارمي (١٢٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن يزيد المنقري، عن أبيه، عن ابن عمر. وهذا سند فيه جهالة.
(٤) برقم (٢٠٣٧). ورواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٨)، وأبو داود في "السنن" (٣٦٥٦)، وعبد الله بن سعد مجهول. ويُنظر: "المسند" لأحمد (٢٣٦٨٧)، و"العلل" للدارقطني (٧/ ٦٧).
[ ١ / ١٤٥ ]
عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابِحي، عن معاوية أن النبيَّ - ﷺ -: نهَى عن الأُغلُوطات.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله (^١).
وقال (^٢): فسَّره الأوزاعي: يعني: صعابَ المسائل (^٣).
وقال الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن عُبادة بن نسي، عن الصُّنابحي (^٤) عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أتعلمون (^٥) أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن عُضَل المسائل؟ (^٦).
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٣٨) من طريق ابن أبي شيبة به. ووقع في "المسند" لابن أبي شيبة (٩٧٣): عن الصنابحي، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، ثم قال: يقولون: هو معاوية هذا الرجل اهـ. ويَحْسُنُ تأمّل ما في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٢٣٦).
(٢) يعني ابن عبد البر.
(٣) رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٧)، وفيه: "شداد المسائل وصعابها". وانظر: "غريب الحديث" للخطابي (١/ ٣٥٤).
(٤) في النسخ: "عبادة بن قيس الصنابحي"، وهو تحريف وخلط. والتصحيح من "جامع بيان العلم" (٢٠٣٩).
(٥) في "الجامع": "أما تعلمون".
(٦) كذا رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٣٩)، ووقع عنده ذكر الصنابحي بين عبادة بن نسي ومعاوية. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٣٦٨)، وفي "مسند الشاميين" (٢٢٣٣)، ولم يقع عنده ذكر الصنابحي، مع أن الطبراني وابن عبد البر روياه من حديث علي بن عبد العزيز البغوي، عن سليمان الواسطي، عن الوليد. ولم يَرِدْ عند الدارقطني أيضًا حين ساق هذا الوجه في "العلل" (٧/ ٦٧). والحاصل أن ذكر الصنابحي من هذا الوجه مُدرجٌ، لا وجه له، إلا أن يكون من تخليط سليمان الواسطي وتلوُّنه؛ فهو مُتّهمٌ قد نزكوه. ويُضْعِفُ هذا الاحتمالَ أن مداره على الحافظ الشهير علي بن عبد العزيز البغوي.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقال أبو عمر (^١): واحتجُّوا أيضًا بحديث سهلٍ وغيره أن رسول الله - ﷺ - كره المسائل وعابها، وبأنه - ﷺ - قال: "إن الله يَكرَه لكم قِيلَ وقال، وكثرةَ السؤال" (^٢).
وقال ابن أبي خَيثمة: ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا مالك عن الزهري، عن سهل بن سعد قال: لعن رسولُ الله - ﷺ - المسائلَ، وعابَها (^٣).
قال أبو عمر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد، وهو خلاف لفظ "الموطأ".
قال أبو عمر (^٤): وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله
_________________
(١) في "الجامع" (٢/ ١٠٥٧) والكلام متصل.
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٤٢) من طريق ابن أبي خيثمة به. والمحفوظ ما في "الموطأ" (٢٠٩٢)، و"العلم" لأبي خيثمة (٧٧)، و"صحيح البخاري" (٥٢٥٩، ٥٣٠٨)، و"صحيح مسلم" (١٤٩٢) بلفظ: (كره)، وليس (لعن). ويُنظر أيضًا: "الفقيه والمتفقه" للخطيب (٢/ ١١)، و"ذم الكلام" لأبي إسماعيل الهروي (٥٢٣).
(٤) في "جامع بيان العلم" (٢٠٤٧).
[ ١ / ١٤٧ ]
- ﷺ -: "أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرةُ السؤال، فلا أدري أهو ما أنتم فيه ممَّا أنهاكم عنه من كثرة المسائل؛ فقد كرِه رسول الله - ﷺ - المسائلَ وعابَها. وقال الله ﷿ [٣٨/ب]: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فلا أدري أهو هذا، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء.
وقال الأوزاعي: عن عَبْدة بن أبي لُبابة: وددتُ أنَّ حظِّي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني. يتكاثرون بالمسائل، كما يتكاثر أهلُ الدراهم بالدراهم (^١).
قال (^٢): واحتجُّوا أيضًا بما رواه ابنُ شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "أعظمُ المسلمين في المسلمين جُرْمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم
_________________
(١) كذا رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٤٥) من طريقٍ غريبةٍ جدًّا عن ضمرة، عن الأوزاعي، عن عبدة. والمحفوظ عن ضمرة (وهو ابن ربيعة) أنه يرويه عن رجاء بن أبي سلمة، عن عبدة، رواه ابن أبي خيثمة في "التاريخ" (٤٣٠٨ - السفر الثالث)، وأبو زرعة الدمشقي في "التاريخ" (١/ ٣٥٥) ــ ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١١٤)، وابن عساكر في "التاريخ" (٣٧/ ٣٨٧) ــ من طريقين عن ضمرة به. وتابع ضمرة عليه: زيد بن الحباب، رواه الدارمي (٢٠٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في "التاريخ" (٣٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١١٤)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (٣٠٠) من طرق عن زيد بن الحباب به. والأثر صحيح.
(٢) يعني ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٤٨).
[ ١ / ١٤٨ ]
من أجل مسألته" (^١).
وروى ابن وهب أيضًا (^٢) قال: حدَّثني ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: "ذروني ما تركتُكم، فإنما أهلكَ من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافُهم على أنبيائهم. فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيءٍ فخذوا منه ما استطعتم" (^٣).
وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: أُحرِّج بالله على كلِّ امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإنَّ الله قد بيَّن ما هو كائن (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨).
(٢) هذا لفظ ابن عبد البر، لقوله في الحديث السابق: "رواه عن ابن شهاب: معمر، وابن عيينة، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وهذا لفظ حديث يونس بن يزيد من رواية ابن وهب عنه".
(٣) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٤٩) من طريق ابن وهب به، وابن لهيعة وإن كان فيه لينٌ، لكن قد تابعه أبو الزناد عند البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، وللحديث طرق أخرى كثيرة في الصحيحين وغيرهما ليس هذا مجال سردها.
(٤) "جامع بيان العلم" (٢٠٥١، ٢٠٥٢). ورواه الدارمي (١٢٦)، وعمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٢/ ٧٧١)، والبيهقي في "المدخل" (٢٩٣)، من طرق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، به. وتابعه عبد الله بن طاوس عند أبي خيثمة في كتاب "العلم" (١٢٥)، وسُنيدِ بن داود ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٥٦) ــ، والبيهقي في "المدخل" (٢٩٢). وطاوس لم يُدرك عمر - ﵁ -. وله شاهدٌ رواه الخطيب في "الجامع" (٢/ ١٢) من طريق عمرو بن مرة، عن عمر، وهو ظاهر الانقطاع.
[ ١ / ١٤٩ ]
قال أبو عمر (^١): وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. ما سألوه إلا عن ثلاثَ عشرةَ مسألةً حتى قُبِض - ﷺ -، كلُّهن في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ما كانوا يسألونه إلا عمَّا ينفعهم.
قال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاثَ عشرةَ مسألةً إلا ثلاثٌ.
قلت: [٣٩/أ] ومراد ابن عباس بقول (^٢): "ما سألوه إلا عن ثلاثَ عشرة مسألةً": المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائلُ التي سألوه عنها وبيَّن لهم أحكامَها بالسنَّة لا تكاد تُحصَى، ولكن إنما كانوا يسألون (^٣) عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدَّرات والأغلوطات وعُضَل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت هممُهم مقصورةً على تنفيذ ما أمرهم به. فإذا وقع بهم أمرٌ سألوا (^٤) عنه، فأجابهم.
_________________
(١) في "الجامع" (٢٠٥٣). ورواه الدارمي (١٢٧)، والبزار في "المسند" (٥٠٦٥)، وأبو يعلى في "المسند الكبير" (كما في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٢٣٦)، و"المطالب العالية" لابن حجر ١٤/ ٦٠٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٨٨)، وابن بطة في "الإبانة" (٢٩٦)، وعطاء بن السائب كان قد اختلط.
(٢) ف: "بقوله"، وكذا في المطبوع.
(٣) ع، ف: "يسألونه".
(٤) ت: "سألوه".
[ ١ / ١٥٠ ]
وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢].
وقد اختُلِف في هذه الأشياء المسؤول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية (^١)؟ على قولين:
فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها، أي سكت عن تحريمها، فيكون سؤالُهم عنها سببَ تحريمها، ولو لم يسألوا لكانت عفوًا. ومنه قوله - ﷺ -، وقد سئل عن الحجِّ أفي كلِّ عام؟ فقال: "لو قلتُ نعم لَوجبَتْ، ذروني ما تركتُكم، فإنما أهلك الذين قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم" (^٢).
ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة (^٣) المذكور: "إنَّ من أعظمِ (^٤) المسلمين في المسلمين جُرْمًا" الحديث.
ومنه الحديث الآخر: "إنَّ الله فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهكوها. وسكتَ عن أشياء رحمةً من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (^٥).
_________________
(١) ت: "أحكام شرعية أو قدرية".
(٢) متفق عليه. وقد تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة. وحديث أبي ثعلبة سيأتي عَقِبَه، أما هذا فهو من حديث سعد بن أبي وقاص، وقد تقدَّم قريبًا.
(٤) في النسخ المطبوعة: "إن أعظم".
(٥) رواه مسدد في "المسند"، وابن أبي شيبة في "المسند" [كما في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٤٢٣)، و"المطالب العالية" لابن حجر (١٢/ ٤١٦)]، وسُنيد ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠١٢)، وابن حزم في "الإحكام" (٨/ ٢٤ - ٢٥) ــ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٢٢١)، وفي "مسند الشاميين" (٣٤٩٢)، وابن المقرئ في "المعجم" (٤٧١)، والدارقطني في "السنن" (٤٣٩٦)، وابن بطة في "الإبانة" (٣١٤)، وابن منده في "مجلس من أماليه" (٩)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١١٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٧)، وابن حزم في "الإحكام" (٨/ ٢٤)، والبيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ١٢)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٦)، وابن عساكر في "معجمه" (٢/ ٩٦٥)، وقال: "هذا حديث غريب، ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة". وأغرب البوصيري فقال: "هذا إسنادٌ صحيح"! والصواب قول شيخِه ابن حجر في "المطالب": "رجاله ثقات، إلا أنه منقطع". ويُنظر: "العلل" للدارقطني (٦/ ٣٣٤)، و"جامع العلوم والحكم" لابن رجب (٢/ ١٥٠ - ١٥٢).
[ ١ / ١٥١ ]
وفُسِّرت بسؤالهم عن [٣٩/ب] أشياء من الأحكام القدرية، كقول عبد الله بن حُذَافة: مَنْ أبي يا رسول الله؟ (^١).
وقول الآخر (^٢): أين أبي (^٣) يا رسول الله؟ قال: "في النار" (^٤).
والتحقيق: أن الآية تعُمُّ النهيَ عن النوعين. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إمّا في أحكام الخلق والقدر، فإنه يسوءهم أن يبدو لهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٣) ومسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس.
(٢) في النسخ المطبوعة: "آخر".
(٣) كذا في ع، وهو الصواب في هذا الحديث. وفي غيرها: "أنا"، وهو حديث آخر عن جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قُتِلتُ؟ قال: "في الجنة". أخرجه البخاري (٤٠٤٦) ومسلم (١٨٩٩).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس (٢٠٣).
[ ١ / ١٥٢ ]
ما يكرهونه مما سألوا عنه، وإما في أحكام التكليف، فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يشقُّ عليهم تكليفُه مما سألوا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداءً بغير سؤال، فسألتم عن تفصيلها وعلمِها أبدى لكم وبيَّن لكم. والمراد بحين النزول زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن (^١) للنزول. وكأنَّ في هذا إذنًا (^٢) لهم في السؤال عن تفصيل المنزَّل ومعرفته بعد إنزاله، ففيه رفعٌ لتوهم المنع من السؤال عن تلك (^٣) الأشياء مطلقًا.
والقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي إن سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيانُ ما سألتم عنه ولا بُدَّ، وبدا لكم ما يسوءكم، لأنه وقتُ وحي، فاحذروا أن يوحي الله إلى رسوله في بيان ما سألتم عنه ما يسوءكم. والمعنى لا تتعرَّضوا للسؤال عما يسوءكم بيانُه، وإن تعرَّضتم له في زمن الوحي أُبديَ لكم.
وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عن بيانها خبرًا وأمرًا، بل طَوَى بيانهَا عنكم رحمةً ومغفرةً وحلمًا، والله غفور حليم. فعلى القول الأول، عفا الله عن التكليف بها توسعةً عليكم. وعلى القول الثاني، عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها.
_________________
(١) في هامش ح بخط بعض القراء: "المقدر" وفوقه "صح". وفي هامش ف أشير إلى أن في نسخة: "المقدر".
(٢) ت، ع: "إذن".
(٣) "تلك" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقوله: [٤٠/أ] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أراد نوع تلك المسائل، لا أعيانها. أي قد تعرَّض قومٌ من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بُيِّنت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتَهم والتعرُّضَ لما تعرَّضوا له.
ولم ينقطع حكمُ هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله.
ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "يا صاحب الميزاب (^١)، لا
_________________
(١) ت: "المقرات"، كذا بالتاء المفتوحة، والصواب: المِقْراة وهي أولى بالإثبات في المتن، وإن لم أرها في رواية، بل الوارد: "يا صاحبَ الحوض"، فإن المقراة بمعنى الحوض. وقد جاءت في حديث آخر أخرجه الدارقطني في "السنن" (٣٤) عن ابن عمر قال: خرج رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فسار ليلًا، فمرُّوا على رجلٍ جالسٍ عند مِقراةٍ له، فقال عمر: يا صاحبَ المقراة، أوَلَغَتِ السباعُ الليلةَ في مِقراتك، فقال له النبي - ﷺ -: "يا صاحبَ المقراة لا تُخبِرْه، هذا تكلُّف. لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شرابٌ وطهورٌ". وكأنَّ "الميزاب" في النسخ تصحيف "المقرات" الوارد في ت. ولكنَّ المشكل ما ورد في "إغاثة اللهفان" للمصنف (١/ ٢٨٠). قال: "مرّ عمر بن الخطاب - ﵁ - يومًا، فسقط عليه شيء من ميزاب، ومعه صاحب له. فقال: "يا صاحبَ الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحبَ الميزاب، لا تُخبرنا، ومضى. ذكره أحمد". وقد ورد نحوه في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٥٧، ٥٢١، ٦٠٧)، (٢٢/ ١٨٤)، وفي الموضع الأخير: "وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه مرَّ هو وصاحب له بمكان، فسقط على صاحبه ماء من ميزابٍ ". وقال ابن مفلح في "الفروع" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤): " لحديث عمر - ﵁ - في الميزاب". فهل هذا أثر آخر ثبت عن عمر كما قال شيخ الإسلام؟ وذكره أحمد كما قال المصنف؟ فإن الأثر الذي أخرجه الإمام مالك وغيره فيه ورودُ عمر بن الخطاب وصاحبه عمرو بن العاص حوضًا، وسؤالُ عمرٍو صاحبَ الحوض: هل ترد حوضك السباع؟ ثم هو منقطع كما ترى في تخريجه الآتي. أما "أثر الميزاب" ففيه أن ماءً منه قَطَر على صاحب عمر، فنادى صاحبَ الميزاب. فهما أثران مختلفان في المعنى، ولكن لم أقف على "أثر الميزاب" هذا. وأخشى أن يكون استدلال الإمام أحمد في مسألة الميزاب بأثر الحوض قد أدَّى بعد خلط وتصحيف إلى هذه الصورة الجديدة له، والله أعلم.
[ ١ / ١٥٤ ]