فلِمَ أُلامُ على حبس الجواب؟ (^١).
وقال ابن وهب: ثنا أشهل (^٢) بن حاتم، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسِخ من القرآن، أو أميرٌ لا يجد بُدًّا، أو أحمق متكلِّف. قال: فربما قال ابن سيرين: فلستُ بواحد من هذين، ولا أحبُّ أن أكون الثالث (^٣)!
قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفعُ الحكمِ بجملته تارةً وهو اصطلاح المتأخرين، ورفعُ دلالةِ العامِّ والمطلق والظاهر وغيرِها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حملِ مطلقٍ على مقيَّد وتفسيره وتبيينه به (^٤)، حتَّى إنهم لَيسمُّون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمُّنِ ذلك رفعَ دلالة الظاهر وبيانَ المراد. فالنسخُ عندهم وفي لسانهم هو بيانُ المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه. ومن تأمَّل كلامَهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالاتٌ أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢١١).
(٢) في حاشية ح: "سهل" مع علامة "صح"، وقد أخطأ المحشِّي.
(٣) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٢١٤) من طريق ابن وهب به. ورواه عبد الرزاق (٢٠٤٠٥)، والدارمي (١٧٧)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢١٧)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٣١)، والبيهقي في "المدخل" (٧١)، من طرق عن ابن سيرين عن حذيفة، ولم يسمع منه. لكن رواه الدارمي (١٧٨) من طريق ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه.
(٤) "به" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
[ ١ / ٧٣ ]
وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: رجلٌ يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأميرٌ لا يجد بدًّا، وأحمق متكلِّف. قال ابن سيرين: فأنا لستُ أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلِّفًا (^١)!
وقال أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب "جامع فضل العلم" (^٢): ثنا خلَف بن القاسم، ثنا يحيى بن الربيع، نا محمد بن حمَّاد المِصِّيصي، ثنا إبراهيم بن واقد، نا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن الحسين (^٣) إمامنا قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غُفِر لي. [١٩/أ] فقلتُ (^٤) له: بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلتُ: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم الله منِّي (^٥).
قال أبو عمر (^٦): وقال سَحنون يومًا: إنّا لله، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنا ذا يُتعلَّم منِّي ما تُضرَب به الرقابُ، وتُوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق. أما كنتُ عن هذا غنيًّا؟
قال أبو عمر (^٧): وقال أبو عثمان الحدّاد: القاضي أيسَرُ مأثَمًا وأقربُ
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢١٧)، وفي سنده سُنيد، وفيه لينٌ.
(٢) برقم (٢٢١٩).
(٣) في "جامع بيان العلم": "حسن".
(٤) ت: "قلت".
(٥) في النسخ المطبوعة: "أنه منِّي".
(٦) في "جامع بيان العلم" (٢٢٢٠).
(٧) في الكتاب المذكور (٢٢٢١).
[ ١ / ٧٤ ]