كتابنا هذا من أشهر مؤلفات ابن القيم، ولم نر من دفع نسبته إليه أو شكّك فيها. وكيف يتطرق إليها الريب، وهي محفوفة بأدلة قاطعات وشواهد مؤكدات من داخل الكتاب وخارجه جميعًا؟ وإليك جملة منها:
١ - النسخ الخطية التي وصلت إلينا من الكتاب لم تختلف في اسم المؤلف، سواء ورد الاسم في صفحة عنوانها، أو في فاتحتها، أو خاتمتها.
٢ - الذين ذكروه في ثبت مؤلفات ابن القيم، بعضهم معدود من أصحابه وتلامذته، مثل صلاح الدين الصفدي الذي ذكره في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ٢٧١) و«أعيان العصر وأعوان النصر» (٤/ ٣٦٩)، ومثل شهاب الدين ابن رجب، وابنه زين الدين ابن رجب، ذكره أولهما في معجم شيوخه كما في «المنتقى» منه (ص ١٠١) والآخر في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥). ومن أصحاب كتب التراجم الذين عدّوا الكتاب من مؤلفات ابن القيم غير تلامذته: الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي في «بغية الوعاة» (١/ ٦٣) ومجير الدين العليمي في «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤) والداوودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩).
٣ - أفاد من الكتاب علماء كثيرون من الحنابلة وغيرهم، وكلهم عزاه إلى ابن القيم، وسيأتي ذكر بعضهم في المبحث القادم ومبحث الصادرين عنه.
٤ - وقد أحال عليه ابن القيم نفسه في ثلاثة كتب من مؤلفاته، وهي «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (١/ ٣٢)، و«التبيان في أيمان القرآن»
[ المقدمة / ٧ ]
(ص ٣٤٥)، و«الفوائد» (ص ١٠). أما «إغاثة اللهفان»، فذكر فيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٩]، ثم قال: «وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمَّناه من الحكم فى كتاب (المعالم) وغيره». والمقصود بكتاب المعالم كتابنا هذا كما سيأتي في المبحث القادم، والكلام على المثلين المذكورين وارد فيه (١/ ٣١٦ - ٣٢١).
وأما كتاب «التبيان»، فجاء فيه قوله: «وقد بينا في كتابنا (المعالم) بطلان التحليل وغيره من الحيل الربوية بأسماء الرب وصفاته». وانظر هذا المبحث في كتابنا ه ذا (٣/ ٤٩١ - ٥٠٧، ٦٠٠ وما بعدها).
وأما كتاب «الفوائد»، فافتتحه ابن القيم بقاعدة جليلة تكلم فيها على تفسير سورة ق والقرآن المجيد، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [١١] قال: «أي مثل هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعدما غُيِّبتم فيها. وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا (المعالم)، وبينّا بعض ما فيها من الأسرار والعبر». وستجد كلامه على القياس المذكور في كتابنا هذا في (١/ ٣٠٥) وما بعدها.
٥ - كما أحال ابن القيم على هذا الكتاب في كتبه الأخرى، أشار فيه أيضًا إلى كتابين من مؤلفاته، وهما: كتاب «الفروسية»، و«بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال»، وذلك في قوله (٤/ ٤٣٥، ٤٣٦): «إذا أخرجَ المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين،
[ المقدمة / ٨ ]
والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز. وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلل، كما هو مقتضى المنقول عن الصديق وأبي عبيدة بن الجراح، واختيار شيخنا وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلل، على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في «الفروسية الشرعية»، وذكرنا فيه وفي كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال» بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها، وبينّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته».
قلت: كتاب «الفروسية» معروف ومطبوع، والبحث المشار إليه استغرق منه نحو مائتي صفحة (٨٨ - ٢٨٤). أما الكتاب الآخر فذكره الصفدي بهذا الاسم في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ١٩٦) و«أعيان العصر» (٤/ ٣٧٠). وسماه ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥) «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل»، وأبوه من قبل في معجم شيوخه، كما في «المنتقى» (ص ١٠١).
وقد أحال ابن القيم في موضع (٥/ ٤١٧) على كتاب لم يسمه، فقال: «وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع. وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب». ويظهر أن المقصود به كتابه «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (١/ ٤٨ - ٦٣).
٦ - سمّى المؤلف فيه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أكثر من مائة مرة، ونقل من أقواله وأخباره وأحواله، وأشار إلى بعض مصنفاته، بل ساق
[ المقدمة / ٩ ]
بعض قواعده وأجوبته بنصها، وسيأتي تفصيلها في مبحث موارد الكتاب.
٧ - تضمن الكتاب مباحث كثيرة وآراء واجتهادات للمؤلف ذكرها في كتبه الأخرى أيضا وبلفظ قريب مما جاء هنا بعض الأحيان؛ وقد نبهنا عليها في تعليقاتنا، فنكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:
- التعليل في كتاب الله العزيز: ذكر المؤلف في (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢) الأدوات والطرق التي استعملت في القرآن الكريم لبيان الأسباب والعلل مع أمثلتها. وترى هذا البحث في «الداء والدواء» (ص ٣١ - ٣٤) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩١٣ - ٩١٥) و«مدارج السالكين» (٣/ ٤٦١) و«شفاء العليل» (ص ١٨٨ - ١٩٨).
- كلام المؤلف في حكومة داود وسليمان ﵉ في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، وأقوال العلماء في المسألة وترجيح الحكم السليماني في ضمان النفش والمثل، تراه بلفظ مقارب في كتابنا هذا (٢/ ١٣٣ - ١٣٦) و«تهذيب السنن» (٣/ ١٣٦ - ١٣٨). وانظر أيضا: «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥).
- ذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] إلى أن الله سبحانه رتب فيها المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها، فالقول على الله بغير علم أشد المحرمات (١/ ٨٠ - ٨١) ونجد هذا التفسير نفسه في «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٨).
- كثير من أمثال القرآن الكريم التي فسرها في كتابنا هذا، تكلم عليها في مؤلفاته الأخرى أيضا بنحو ما جاء هنا، كالمثلين المائي والناري في قول
[ المقدمة / ١٠ ]
الله تعالى في سورة الرعد [١٧]: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فسرهما في هذا الكتاب (١/ ٣١١ - ٣١٣) و«طريق الهجرتين» (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٤ - ١٦٦) و«الوابل الصيب» (ص ١٣٣ - ١٣٤) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٣١).
وكذلك تكلم في (١/ ٢٩٤ - ٢٩٧) على الآيات الأخيرة (٧٨ - ٨٣) من سورة يس، فقال: «فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة»، ثم فصّلها. وفسّر هذه الآيات في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧) أيضا، وذكر سبعة أدلة من هذه دون تصريح بعددها.
وقول الله سبحانه في سورة النور [٣٩ - ٤٠]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فيه مثلان لأعمال الكفار، وقد شرحهما المؤلف في كتابِنا (١/ ٣١٦ - ٣٢١) و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٧ - ٣٩)، ولا فرق بين الموضعين إلا في الإجمال والتفصيل، أما التفسير فهو هو.
ونكتفي بهذا القدر، والحق أن إفاضة القول في باب النسبة تحصيل حاصل، فإن الكتاب بمقاصده ومباحثه ومنهجه وأسلوبه ينادي باسم مؤلفه، ولا يخطئ في ذلك من له شيء من الأنسة بكتبه.
* * * *
[ المقدمة / ١١ ]