رسول الله - ﷺ -، وكان عن أبي بكر وعمر= قال به. فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أبي بكر وعمر= اجتهَد رأيه (^١).
وقال ابن أبي خَيثمة: حدَّثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجَر، عن الشعبي، عن مسروق قال: سألتُ أُبَيَّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجِمَّنا (^٢) حتى يكون، فإذا كان اجتهَدنا لك رأيَنا (^٣).
قال أبو عمر بن عبد البر (^٤): ورُوِّينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن
_________________
(١) "جامع بيان العلم" (١٦٠٠). ورواه ابن وهب في "المسند" (١١٢) ــ ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ١١٥) ــ، وابن أبي عمر العدني في "المسند" [كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٣٨٨)]، والدارمي (١٦٨)، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ــ ومن طريقهما ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٢٨، ٢٨ - ٢٩) ــ، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٢٧) ــ وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ــ، والبيهقي في "المدخل" (٧٣)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٩٧، ٤٩٨). ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٦٤) عن البيهقي قولَه: "إسناده صحيح".
(٢) من الإجمام. أي أرِحنا حتى يقع.
(٣) رواه أبو خيثمة في كتاب "العلم" (٧٦) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦٠٤)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٤)، وابن عساكر في "التاريخ" (٧/ ٣٤٤) ــ، وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٤٦٤)، والدارمي (١٥٢)، وابن بطة في "الإبانة" (٣١٥)، والسند صحيح.
(٤) في "جامع بيان العلم". وقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٧١٤) عن عبدة، عن الأعمش، عنه، وهو ظاهر الانقطاع. ورواه الدارمي (٢٩١٧)، من طريق الحكم، عن عكرمة، ورواه ابن أبي شيبة (٣١٧١٠)، والبيهقي في "السنن الكبير" (٦/ ٢٢٨) من طريق آخر عن عكرمة بمعناه.
[ ١ / ١٣٤ ]
ثابت: أفي كتاب الله ثلثُ ما بقي (^١)؟ فقال: أنا أقول برأيي، وتقول برأيك.
وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعَلَه: أرأيتَ رسولَ الله - ﷺ - فعَل هذا، أو شيءٌ رأيتَه؟ قال: بل شيءٌ رأيتُه (^٢).
وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي. ذكره ابنُ وهب، عن سليمان بن بلال، عن كَثير بن زيد، عن وليد بن رَباح، عن أبي هريرة (^٣).
وكان أبو الدرداء يقول: إيّاكم وفراسةَ العلماء. احذروا أن يشهدوا عليكم شهادةً تكُبُّكم على وجوهكم في النار. فوالله، إنَّه لَلحقُّ يقذفه الله [٣٥/أ] في قلوبهم (^٤).
_________________
(١) يعني: للأمّ في مسألتي العمريتين كما سيأتي.
(٢) علّقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١٦٠٦).
(٣) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦٠٧) عن ابن وهب به، وسنده يحتمل التحسين، خاصة أنه موقوف، وورد ما يشهد لأصل معناه.
(٤) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦٠٩). وقد رواه العسكري في "الأمثال" من طريق ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن أبي الدرداء بنحوه (كما في "المقاصد الحسنة" للسخاوي ص ٥٩)، ولا يصح البتة، بل هو منكر جدّا بهذا الإسناد. والأشبه بالصواب ما رواه اللالكائي في "كرامات الأولياء" (١٠١) من طريق غيلان الفزاري، عن أبي قتيلة أنه كان يقول: اتقوا فراسة العلماء؛ فإنه حقٌّ يجعله الله تعالى على أبصارهم، وفي قلوبهم. وذكر أبو الدرداء ــ يومًا ــ الفتنة (فذكر قصّةً). والظاهر أن الأمر التبس على بعض الرواة، فلم يُميِّز بين الخبرين، بل لفّق، ودخل عليه خبر في آخر، والله أعلم. وغيلان هو ابن معشر المقرائي، وأبو قتيلة هو مرثد بن وداعة.
[ ١ / ١٣٥ ]
قلتُ: وأصل هذا في الترمذي (^١) مرفوعًا: "اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].
وقال أبو عمر (^٢): ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبَغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَني، ثنا إبراهيم بن أبي الفيّاض البَرْقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بَزِيع الإسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن
_________________
(١) في "الجامع" (٣١٢٧) من حديث مصعب بن سلام، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ اهـ. وعطية شيعي ضعيف مدلّس، لكن الآفة من مصعب بن سلام، وهو ضعيف واهٍ، يقلب الحديث، وقد خلّط في هذا الحديث، ولا عبرة بمن تابعه من الضعفاء على روايته من هذا الوجه؛ فإن المحفوظ ما رواه العقيلي في "الضعفاء" (٥/ ٣٧٦) من طريق ابن وهب، عن سفيان، عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يُقال: اتقوا فراسة المؤمن قال العقيلي: وهذا أولى اهـ. وجزم الخطيب أيضًا أنه الصواب، وليُنظر ما دبّجه يراعُه في "التاريخ" (٤/ ٣١٣). وبالغ ابن الجوزي؛ فساقَه في "الموضوعات"، والصحيح أنه منكر ــ على كثرة طرقه ــ، لكنه لا يبلغ حدّ الوضع.
(٢) في "جامع بيان العلم" (١٦١١، ١٦١٢) وعنه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٢٧). وأخرجه الدارقطني في "غرائب مالك"، والخطيب في "الرواة عن مالك"، وفي "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٧٦، ٢/ ٣٩١)؛ من طرق عن ابن أبي الفياض به، وضعّفوه كلّهم. ويحسن النظر في "جامع بيان العلم" (١٦١٢)، و"لسان الميزان" لابن حجر (٤/ ١٣٣)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني (٤٨٥٤). ولا ريب في نكارته وغرابته الشديدة من طريق مالك. أما الرواية التي صحّحها السيوطي في "الجامع الكبير" مما خرّجه الطبراني في "الأوسط" (١٦١٨) من طريق الوليد بن صالح، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي - ﵁ -؛ فلا تصح البتة، بل هي منكرةٌ، تفرّد بها الوليد هذا، وهو مجهول.
[ ١ / ١٣٦ ]
سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عليٍّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، الأمرُ ينزِل بنا لم ينزِل فيه القرآنُ، ولم تمضِ فيه منك سنَّة. قال: "اجمعوا له العالِمين ــ أو قال: "العابدين" ــ من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضُوا فيه برأي واحد". وهذا غريب جدًّا من حديث مالك. وإبراهيمُ البَرْقي وسليمان ليسا ممن يُحتجُّ بهما.
وقال عمر لعلي وزيد: لولا رأيُكما لاجتمعَ رأيي ورأيُ أبي بكر، كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجدَّ (^١).
وعن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعتَ؟ قال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا. قال: لو كنتُ أنا لَقضيتُ بكذا. قال: فما منَعك، والأمرُ إليك؟ قال: لو كنتُ أرُدُّك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه - ﷺ - لفعلتُ، ولكنِّي أردُّك إلى رأيي، والرأيُ مشترك. فلم ينقُضْ ما قال علي وزيد (^٢).
وذكر الإمام أحمد (^٣) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنَّ الله اطلع في
_________________
(١) "جامع بيان العلم" (١٦١٣). ورواه البيهقي في "السنن الكبير" (٦/ ٢٤٦) من طريق الشعبي، وقال: "هذا مرسلٌ، الشعبي لم يُدرك أيام عمر، غير أنه مرسلٌ جيدٌ".
(٢) "جامع بيان العلم" (١٦١٤). ورواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٢/ ٦٩٣) عن هارون بن معروف، عن ضمرة بن ربيعة، عن حفص بن عمر، وهذا معضل، والظاهر أن حفص بن عمر هو السكوني الشامي، مجهول الحال، ترجمته في "التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ٣٦٦)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٣/ ١٧٨)، و"تاريخ مدينة دمشق" لابن عساكر (١٤/ ٤٣١ - ٤٣٢).
(٣) في "المسند" (٣٦٠٠) عن أبي بكر (وهو ابن عياش)، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، وصححه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٧٩)، وقال ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (ص ٦٥): "هذا حديثٌ حسنٌ". ورواه الطيالسي (٢٤٣)، وابن وهب في "المسند" (١٢٥)، وابن الأعرابي في "المعجم" (٨٦٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٥٨٣)، من حديث المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ورواه الطبراني في "الأوسط" (٣٦٠٢) من طريق عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أبي وائل به. ويُنظر: "المسند" للبزار (١٨١٦)، و"العلل" للدارقطني (٥/ ٦٦)، و"الأمالي المطلقة" لابن حجر (ص ٦٥ - ٦٦)، ويُراجَع "شرح العلل" لابن رجب (٢/ ٧٨٨)؛ فقد تناول مسألة اضطراب عاصم فيما يرويه عن زرّ وأبي وائل.
[ ١ / ١٣٧ ]
قلوب العباد، فرأى قلبَ محمد - ﷺ - خيرَ قلوب [٣٥/ب] العباد، فاختاره لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده، فرأى قلوبَ أصحابه (^١) خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته. فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح (^٢).
وقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إنَّ عمر بن عبد العزيز استعمل عروةَ بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي (^٣) عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدتُ منها بدًّا، وما جعلتُك إلا لتكفيني، وقد حمَّلتُك ذلك، فاقضِ فيه برأيك (^٤).
_________________
(١) ت: "الصحابة".
(٢) سيأتي الأثر مرة أخرى برواية أبي داود الطيالسي.
(٣) ح: "صالح".
(٤) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦١٧) عن ابن وهب، ووصله ابن عساكر في "التاريخ" (٤٠/ ٢٩١) من طريق ابن وهب به، لكن ساقه مختصرًا ليس فيه محلّ الشاهد. وروى أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب "القضاة" (ص ٢٤٢) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن توبة بن نمر، قصةً شبيهةً بهذه، وقعت لقاضي مصر عياض بن عبيد الله مع عمر بن عبد العزيز.
[ ١ / ١٣٨ ]