سعيد بن أبي صدَقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحدٌ أهيَبَ لما (^١) لا يعلم من أبي بكر - ﵁ -. ولم يكن أحدٌ بعد أبي بكر أهيَبَ لما لا يعلم من عمر - ﵁ -. وأن أبا بكر نزلت به قضيةٌ فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا ولا في السنَّة أثرًا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي، وأستغفر الله (^٢).
فصل
في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب - ﵁ -
قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أنَّ عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إنَّ الرأي إنما كان من رسول الله - ﷺ - مصيبًا، إنَّ الله كان يُرِيه، وإنما هو منَّا الظنُّ والتكلُّف (^٣).
قلتُ: مراد عمر - ﵁ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فلم يكن له رأيٌ غير ما أراه الله إياه. وأمَّا رأيُ غيرِه (^٤) فظنٌّ وتكلُّف.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة هنا وفيما يأتي: "بما"، والصواب ما أثبت.
(٢) "جامع بيان العلم" (٢/ ٨٣٠)، وعنه في "الصادع" (٢٩٩). وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن عساكر في "التاريخ" (٣٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧، ٣٢٧)، وسنده إلى ابن سيرين صحيح.
(٣) ع: "وإنما هو الظن"، أسقط كلمتين. وقول عمر رواه أبو داود (٣٥٨٦)، وسنده ظاهر الانقطاع؛ فإن الزهري وُلد بعد استشهاد عمر - ﵁ - بدهر طويل. وانظر: "جامع بيان العلم" (٢/ ١٠٤٠) و"الصادع" (٣٠١).
(٤) في النسخ المطبوعة: "وأما ما رأى غيرُه".
[ ١ / ١١١ ]
[٢٩/ب] قال سفيان الثوري: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كتب كاتبٌ (^١) لعمر بن الخطاب: "هذا ما رأى الله ورأى عمرُ" فقال: بئسَ ما قلتَ! قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر (^٢).
وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: السُّنَّةُ ما سنَّه الله ورسوله - ﷺ -. لا تجعلوا خطأَ الرأي سنّةً للأمة (^٣).
قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة، عن ابن الهاد (^٤) عن محمد بن إبراهيم التَّيمي أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: أصبح أهلُ الرأي أعداءَ السُّنن، أعيَتْهم أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يَرْوُوها، فاشتقُّوها (^٥) بالرأي (^٦).
_________________
(١) ت، ع: "كنت كاتبًا"، تصحيف.
(٢) تقدَّم تخريجه، وانظر: "الصادع" لابن حزم (٣٠٥).
(٣) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠١٤) وعنه ابن حزم في "الصادع" (٣٠٦) و"الإحكام" (٢/ ٥١)، ورجال سنده ثقات ولكنه منقطع بين عبيد الله بن أبي جعفر وعمر.
(٤) في النسخ الخطية والمطبوعة. "أبي الزناد"، وهو تحريف، صوابه من مصادر التخريج. والمؤلف صادر من "الإحكام" لابن حزم (٦/ ٤٣).
(٥) في مطبوع "الإحكام" لابن حزم (٦/ ٣٦) و"أخبار المدينة": "فاستقوها". وفي "جامع بيان العلم" و"الصادع" والنسخ المطبوعة: "فاستبقوها".
(٦) من هذا الطريق رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٠١)، وابن حزم في "الصادع" (٣٠٤) و"الإحكام" (٦/ ٤٣). ورواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٣/ ٨٠١) من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم به بنحوه. ورواه ابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٠٥) ــ وعنه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٢ - ٤٣) ــ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن الهاد به.
[ ١ / ١١٢ ]
قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن عيَّاش، عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اتّقُوا الرأيَ في دينكم (^١).
وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحابُ الرأي أعداءُ السُّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلَّتت منهم أن يعُوها، واستَحْيَوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم؛ فعارضَوا السُّننَ برأيهم، فإياكم وإياهم (^٢).
وذكر ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأي، فإنَّ أصحابَ الرأي أعداءُ السنن، أعيتهم الأحاديث أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم (^٣).
_________________
(١) "جامع بيان العلم" (٢٠٠٢)، ومن طريق ابن وهب أخرجه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٢). ورواه البيهقي في "المدخل" (ص ١٨٩) عَقِب الأثر (٢١٠) من طريق ابن وهب به، لكن وقع في المطبوع "عبد الله بن سليمان" بدل "عبد الله بن عياش"، وهو خطأ، وابن وهب لم يسمع من ابن سليمان، بل روى عمّن روى عنه. والخبر ضعيفٌ معضلٌ.
(٢) رواه ابن وهب ــ ومن طريقه ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (٨)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٠٣) ــ، وفي سنده جهالة وإعضال. وله طريق آخر رواه أبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (٢٦٠)، وعنه قوام السنة الأصبهاني في "الحجة" (١/ ٢٢١)، وسنده ظاهر الضعف والإعضال.
(٣) رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٣/ ٨٠١)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٠٥)، وابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٢ - ٤٣) من طرق عن ابن الهاد به، وهو منقطع، محمد بن إبراهيم التيمي لم يُدرك عمر - ﵁ -.
[ ١ / ١١٣ ]
وقال الشعبي: عن عمرو بن حُرَيث قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: إياكم وأصحابَ الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا (^١).
وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة (^٢).
[٣٠/أ] وقال محمد بن عبد السلام الخُشَني: ثنا محمد بن بشار، ثنا يونس بن عبيد [الله] العُمَيري (^٣) ثنا مبارك بن فَضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتَّهِمُوا الرأيَ في الدين، فلقد رأيتُني وإني لَأرُدُّ أمرَ رسول الله - ﷺ - برأيي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يومَ أبي جندل، والكتابُ يُكتَب، وقال: "اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال (^٤): نكتُب: "باسمك اللهم"، فرضي رسولُ الله - ﷺ -، وأبيتُ،
_________________
(١) رواه الدارقطني في "السنن" (٤٢٨٠) ــ ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (٢١٣) ــ، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٢٠١)، وابن عبد البر في "الجامع" (٢٠٠٤) ــ وعنه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٢) ــ والخطيب في "الفقيه" (١/ ٤٥٢)، وفي سند الأثر عبد الرحمن بن شريك النخعي، ووالدُه، ومجالدُ بن سعيد؛ كلّهم ضعفاء، ليسوا بأقوياء. وقد أشار البيهقي في "المدخل" (٢١٤) إلى إعلاله، وأن المحفوظ ما رواه عَقِبَه (٢١٥) من كلام الشعبي بمعناه.
(٢) كذا قال - ﵀ -: "في غاية الصحة"! وقال ذلك ابن حزم أيضًا في "الصادع" (ص ٥٩٢) ولكن في الأثر السابق عن مسروق فقط.
(٣) في النسخ: "عبيد العمري". وكذا في مطبوعة "الإحكام" لابن حزم. وفي "الصادع": "عبيد اليعمري". والصواب ما أثبت.
(٤) يعني سهيل بن عمرو.
[ ١ / ١١٤ ]
فقال: "يا عمر تراني قد رضيتُ، وتأبى؟ " (^١).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٢):
حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَعْمَر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند
_________________
(١) رواه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٦) و"الصادع" (٣٠٠). ورواه أبو يعلى [كما في "مسند الفاروق" لابن كثير وحسَّنه وجوّده (٢/ ٣٥١)، و"المقصد العلي" للهيثمي (٦٤)، و"إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ١٥٥ - ١٥٦)]ــ ومن طريقه الضياء في "المختارة" وقوّاه (٢١٩) ــ، والبزار في "المسند" (١٤٨)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، والطحاوي في "بيان المشكل" (١٣/ ٣٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٢)، والبيهقي في "المدخل" (٢١٧)، وصححه ابن حزم في "المحلّى" (١/ ٦١).
(٢) في "المصنف" (٩٥٢) وعنه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٢١٠٩٧). وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٢١٠٩٦)، والبزار في "المسند" (٣٧٣٠) مختصرًا، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥٨)، وفي "بيان المشكل" (٥/ ١١٧). وابن حزم في "الصادع" (٣٠٧) ويبدو أن النقل منه. ورواه الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٥٨)، وفي "بيان المشكل" (٥/ ١٧٤) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حيية، عن عبيد بن رفاعة (ولم يذكر أباه رفاعة في السند). أما الليث بن سعد؛ فاختُلِف عليه في سياق سنده؛ فليُوازَن ما في المطالب العالية لابن حجر ١/ ٦٩، و"إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري (١/ ٣٧٣، ح: ٦٥٨/ ٢) بما عند الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٥٩)، و"بيان المشكل" (٥/ ١٧٤)، و"المعجم الكبير" للطبراني (٤٥٣٦). ويُنظر: "الإمام" لابن دقيق العيد (٣/ ٢٢ - ٢٥)، و"إتحاف المهرة" (٤/ ٥١٧، ١١/ ٣٨١، ٥٦٣، ١٧/ ٩٨)، و"المطالب العالية" (١/ ٦٩ - ٧٠) كلاهما لابن حجر.
[ ١ / ١١٥ ]
عمر بن الخطاب - ﵁ -، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أميرَ المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة. فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد، فلما رآه عمر فقال عمر: أيْ عدوَّ نفِسه قد بلغتَ أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلتُ، ولكن سمعتُ من أعمامي حديثًا، فحدَّثتُ به: من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع. فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدُكم المرأةَ فأكسَلَ، لم يغتسل (^١)؟ قال: قد كنَّا نفعل ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه من (^٢) رسول الله - ﷺ - شيء (^٣). فقال عمر: ورسول الله - ﷺ - يعلم ذلك؟ قال: ما أدري. فأمر عمرُ بجمع (^٤) المهاجرين والأنصار، [٣٠/ب] فجُمِعوا، فشاورَهم فأشار الناسُ أن لا غسلَ؛ إلا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل. فقال عمر: هذا وأنتم أصحابُ بدر قد اختلفتم، فمَن بعدكم أشدُّ اختلافًا. فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله - ﷺ - من أزواجه. فأرسَلَ إلى حفصة فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسَلَ إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ. فقال: لا أسمع برجلٍ فعَلَ ذلك إلا أوجعتُه ضربًا.
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: "أن يغتسل"، والظاهر أن "أن" تحريف "لم" لوصل أسفل الهمزة بالنون. والصواب ما أثبت من "المصنَّف" و"الصادع" ومنه النقل.
(٢) ع: "عن". وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ساقط من ت. وفي "المصنَّف" و"الصادع": "نهي"، فلا يبعد أن يكون ما في النسخ محرَّفًا عنه.
(٤) ما عدا س، ت: "بجميع".
[ ١ / ١١٦ ]