ينفُون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عِنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبِّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلِّين".
فصل
القسم الثاني: فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام. فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء. وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصّ الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
قال عبد الله بن عباس (^١) في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله (^٢)،
_________________
(١) رواه ابن جرير في "جامع البيان" (٧/ ١٨٠)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٥٥٣٤)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٧٨)، والبيهقي في "المدخل" (٢٦٦).
(٢) رواه ابن جرير (٧/ ١٧٩)، وابن المنذر في "التفسير" (١٩٣٠)، والحاكم (١/ ١٢٢ - ١٢٣) ــ وصحّحه ــ، وعنه البيهقي في "المدخل" (٢٦٨).
[ ١ / ١٤ ]
والحسن البصري (^١)، وأبو العالية (^٢)، وعطاء بن أبي رباح (^٣)، والضحاك (^٤)، ومجاهد بن جبر (^٥) في إحدى الروايتين عنه: "أولو الأمر هم العلماء". وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
وقال أبو [٥/ب] هريرة (^٦)، وابن عباس (^٧) في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم (^٨)، والسدي (^٩) ومقاتل: "هم الأمراء". وهو الرواية الثانية عن أحمد (^١٠).
_________________
(١) رواه آدم بن أبي إياس في "التفسير" (ص ٢٨٥)، وسعيد بن منصور في "السنن" (٦٥٤ - التفسير)، وابن جرير (٧/ ١٨١)، وابن المنذر (١٩٣١)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٦).
(٢) رواه ابن جرير (٧/ ١٨١).
(٣) رواه سعيد بن منصور (٦٥٥ - التفسير)، والدارمي (٢٢٥)، وابن جرير (٧/ ١٨١)، وابن المنذر (١٩٣١، ١٩٣٢).
(٤) رواه ابن المنذر (١٩٣٣) من طريق جويبر ــ وهو واهٍ ــ عنه بمعناه. ووازن بتفسير ابن أبي حاتم (٥٥٣٩).
(٥) رواه سعيد بن منصور (٦٥٣، ٦٥٦ - التفسير)، وأبو خيثمة في كتاب "العلم" (٦٢)، وابن جرير (٧/ ١٧٩، ١٨٠، ١٨١)، وابن المنذر (١٩٢٨، ١٩٣٤)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٥).
(٦) رواه ابن جرير (٧/ ١٧٦)، وابن المنذر (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٠، ٥٥٣٢).
(٧) انظر: "جامع البيان" لابن جرير (٧/ ١٧٦، ١٧٧).
(٨) رواه ابن جرير ٧/ ١٧٧.
(٩) انظر: "زاد المسير" (٢/ ١١٦) وعنه صدر المؤلف.
(١٠) وانظر: الوجه الحادي والأربعين من وجوه الرد على المقلِّد. وفي "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٥٨): "وقالوا في قوله تعالى أقوالًا تجمع العلماء والأمراء. ولهذا نصَّ الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية، إذ كلٌّ منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله".
[ ١ / ١٥ ]
والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم؛ فكما أن طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلُّهم لهم تبعًا، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس. قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء (^١).
وقال عبد الله بن المبارك (^٢):
رأيتُ الذنوبَ تُميت القلوبَ وقد يورِثُ الذلَّ إدمانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب وخيرٌ لنفسك عصيانُها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سَوءٍ ورهبانُها
_________________
(١) وجدتُ بعضَه مرويّا من كلام سفيان الثوري، رواه الدينوري في "المجالسة" (٤٦٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٥). ونقله شيخ الإسلام في غير موضع. انظر: "جامع المسائل" (٢/ ٧٢) و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ٣٥٤)، (١٤/ ٤٩٤)، (١٨/ ١٥٨).
(٢) أنشدها المصنف في "الداء والدواء" (ص ١٤٧) و"المدارج" (٣/ ٢٤٧) أيضًا. وهي لابن المبارك في "معجم ابن المقرئ" (ص ٣٦٤) و"الحلية" (٨/ ٢٧٩) وغيرهما. وفي "المجالسة" (٢/ ٣٠) أن إبراهيم بن أدهم كان يتمثل بها.
[ ١ / ١٦ ]