وقال في رواية الربيع عنه: "والبدعة ما خالف كتابًا أو سنّةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -" (^١). فجعَلَ ما خالف قولَ الصحابي بدعةً.
وسيأتي إن شاء الله تعالى إشباعُ الكلام في هذه المسألة، وذكرُ نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوبِ اتباعهم في فتاواهم (^٢)، وأن لا يخرج من جملة أقوالهم، وأنَّ الأئمة متفقون على ذلك.
والمقصود: أنَّ أحدًا ممَّن بعدهم لا يساويهم في رأيهم (^٣). وقد كان
_________________
(١) رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩) و"المدخل" (٢٥٣) بنحوه، ومن طريقه ابن عساكر في "بيان كذب المفتري" ص ٩٧، وسنده صحيح. وتُنظر: وصية الإمام الشافعي في كتاب "الأم" (٥/ ٢٦٢).
(٢) ع: "فتاويهم"، وكذا في المطبوع.
(٣) زاد بعده بعضهم في حاشية ح، ت: "وكيف يساويهم" دون أي علامة. وكذا في متن ف والنسخ المطبوعة.
[ ١ / ١٧٥ ]
أحدُهم يرى الرأيَ، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر في أسارى بدر أن تُضرَب أعناقُهم، فنزل القرآن بموافقته (^١). ورأى أن تُحجَب نساءُ النبيِّ - ﷺ -، فنزل القرآن بموافقته. ورأى أن يُتَّخَذ من مقام إبراهيم مُصلًّى، فنزل القرآن (^٢) بموافقته. وقال لنساء النبيِّ - ﷺ - لما اجتمعن في الغيرة عليه: عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ، فنزل القرآن بموافقته (^٣). ولمَّا تُوفِّي عبد الله بن أُبَيٍّ قام رسولُ الله - ﷺ - ليصلِّي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول الله إنه منافق. فصلَّى عليه رسولُ الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿ (^٤): ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (^٥).
وقد قال سعد بن معاذ لمَّا حكَّمه النبيُّ - ﷺ - في بني قريظة: إني أرى أن تُقتَل مقاتلتُهم، [٤٥/أ] وتُسْبَى ذريتُهم (^٦)، وتُغنَم أموالُهم. فقال النبي - ﷺ -: "لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" (^٧).
_________________
(١) انظر حديث ابن عمر عن عمر في "صحيح مسلم" (٢٣٩٩).
(٢) لفظ "القرآن" ساقط من ت، ع.
(٣) ذكرت هذه الأمور الثلاثة في حديث أنس عن عمر في "صحيح البخاري" (٤٠٢).
(٤) ع: "فأنزل الله عليه". وكذا في المطبوع.
(٥) أخرجه البخاري (١٢٦٩) ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر.
(٦) ف: "ذراريهم". وفي المطبوع: "ذرياتهم".
(٧) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٨١٦٦)، من طريق محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعا، وهو غريبٌ جدّا بهذا السند، والمحفوظ عن سعد بن إبراهيم روايتُه هذا الحديث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد دون قوله: "من فوق سبع سماوات"، كما في "الصحيحين". ويُنظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (٤/ ٢٩١)، و"العلل" لابن أبي حاتم (٩٧١)، و"العلل" للدارقطني (٤/ ٣٣٢)، و"أطراف الغرائب والأفراد" لابن طاهر (٥٠٠).
[ ١ / ١٧٦ ]
ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرًا في المفوِّضة قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه. أرى أنَّ لها مهرَ نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العِدَّة. فقام ناسٌ من أشجَع فقالوا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - قضى في امرأةٍ منَّا يقال لها: بَرْوَع بنت واشِق بمثل ما قضيتَ به. فما فرح ابنُ مسعود بشيء بعد الإسلام فَرَحَه بذلك (^١).
وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً، وعلمًا ومعرفةً، وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحةً للأمة. وقلوبُهم على قلب نبيِّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقَّون (^٢) العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًّا طريًّا لم يَشُبْه (^٣) إشكال، ولم يَشِنْه (^٤) اختلاف (^٥)، ولم تُدَنِّسه معارضة. فقياسُ رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.
_________________
(١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٥٤٩٤)، و"المجتبى" (٣٣٥٨)، وفي سنده اختلاف على الشعبي، سرده النسائي في "السنن الكبرى" (٥٤٩٢ - ٥٤٩٨)، لكن الحديث صحيح، صححه غير واحد من الحفاظ، كما تقدّم.
(٢) ع: "ينقلون"، تصحيف. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ت: "يشنه".
(٤) لم تعجم الكلمة في ع. وفي ف والنسخ المطبوعة: "يشبه" كالسابق.
(٥) في النسخ المطبوعة: "خلاف".
[ ١ / ١٧٧ ]