رسول الله - ﷺ - أو يفعل.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديمُ آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به، ورفعُها عليه؟ أوَ ليس هذا أولى أن يكون مُحبِطًا لأعمالهم (^١)؟
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فإذا جعَل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا (^٢) إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه أن لا [٢٨/أ] يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه. وإذنُه يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنّه أذِن فيه (^٣).
وفي "صحيح البخاري" (^٤) من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: حجَّ علينا عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "إن الله لا ينزِع العلمَ بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينزِعه معَ قبضِ (^٥) العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جُهَّالٌ يُستفتَون، فيُفْتُون برأيهم،
_________________
(١) وانظر: "الوابل الصيب" (ص ٢٠ - ٢١) و"الصواعق" (٣/ ٩٩٧).
(٢) بعده في ت: "حتى يستأذنوه"، وهو مقحم.
(٣) وانظر: "المدارج" (٢/ ٣٦٨).
(٤) برقم (١٠٠، ٧٣٠٧). وأخرجه مسلم (٢٦٧٣).
(٥) ت: "بقبض".
[ ١ / ١٠٦ ]
فيَضِلُّون ويُضِلُّون".
وقال وكيع: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا ينزِع الله العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينزع العلمَ بموت العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالِمًا اتخذ الناسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا" (^١).
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث عروة بن الزبير قال: قالت لي (^٣) عائشة: يا ابن أختي بلغني أنَّ عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فَالْقَه، فاسأله، فإنه قد حمَل عن النبي - ﷺ - علمًا كثيرًا. قال: فلقيتُه، فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - ﷺ -. قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ الله لا ينزِع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبِض العلماءَ، فيرفع العلمَ معهم، ويبقى في الناس رؤوس جهال يُفتونهم بغير علم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون". قال عروة: فلما حدَّثتُ عائشةَ بذلك أعظمَتْ ذلك وأنكرَته، قالت: أحدَّثك أنه سمع رسولَ الله - ﷺ -[٢٨/ب] يقول هذا؟ قال عروة: نعم. حتَّى إذا كان عامٌ قابلٌ قالت لي (^٤): إن ابن عمرو قد قدِمَ، فَالْقَه، ثم فاتِحْه حتى تسأله عن
_________________
(١) رواه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٣٩) من طريق أبي ثور الكلبي، عن وكيع به. وقد أغرب أبو ثور الفقيه بإدراج لفظتَيْ "فقالوا بالرأي" في هذا الحديث، وإنما هما مشهورتان في طريق آخر منكر، أصلُه مرسَلٌ، رواه ابن ماجه (٥٦) وغيره، فالظاهر أنه دخل عليه حديثٌ في حديث.
(٢) البخاري (٧٣٠٧) ومسلم (٢٦٧٣) واللفظ له.
(٣) "لي" ساقط من النسخ المطبوعة.
(٤) "لي" ساقط من ت.
[ ١ / ١٠٧ ]