الراغب في تعلم مهنة ما، يدرس أولًا أسسها نظريًّا، ويتفهم قواعدها وأصولها من الأقوال المسموعة أو المدونة في دواوين تلك المهنة. فإذا انتهى من ذلك وخرج إلى الحياة العملية مزوَّدًا بتلك المعلومات، وهو يظن أنه قد أتقن ما سمع وعلمه حق العلم، يجد أنه عند المباشرة لتطبيق المعلومات التي حصلها يخفى عليه شيء كثير من التفاصيل التي تجدّ عليه، والتي هي بحاجة إلى أن يستكشف أسرارها وطرق علاجها.
والمشاهدة لفعل نموذجيٍّ من معلم نموذجي، من أعلى المستويات في تلك المهنة ذي خبرة بدقائقها وأسرارها، يطبق المعلومات النظرية، هذه المشاهدة هي
[ ١ / ٤٢ ]
وسيلة حية، ومصدر مهمّ، يتعلم منه طالب العلم الشيء الكثير عن المادة التي يدرسها. وخاصة إذا كانت "مشاهدة قصدية، وموجهة توجيهًا صحيحًا، لنواحي مختلفة من عمل المدرس. وهي ضرورية مع الطلبة الصغار والكبار على السواء وينبغي ألا تتوقف طيلة مدة الدراسة. وهي طريقة ناجحة في تنمية اتجاهات محمودة نحو المهنة موضوع الدرس، وكذلك في تنمية مهارات كافية في تلك المهنة" (١).
هذا وقد أصبح استخدام وسائل الإيضاح المشاهدة جزءًا أساسيًا من عملية التعليم في العصر الحاضر، وأولتها المؤسسات التعليمية الاهتمام البالغ. إذ إنها تعطي للمعلومات مزيدًا من الحيوية، وتجعل الطالب متشوّقًا إلى المادة العلمية، ومتمتعًا متلذذًا بما يصحله منها، بالإضافة إلى معاونتها للطالب على تحليل المادة الدراسية، وفهمها فهمًا جيدًا. فإن من طبيعة هذه الوسائل أن توضح ما غمض في المادة. وتفسّر ما يصعب التعبير عنه بالقول.
كما أن هذه الوسائل من شأنها أن تجعل المعلومات المدروسة ذات قيمة تطبيقية عملية، يستطيع الطالب أن يستفيد منها في فعالياته المختلفة في حياته.
وكل ذلك يعود إلى الميزة البارزة في وسائل الإيضاح، وهي ربطها للمعلومات الجديدة التي يقدمها المعلم إلى الطالب بالمعلومات القديمة، وبذلك تعين الوسائل الإيضاحية على تثبيت ما يعرضه المدرّس من المادة في ذهن الطالب.
وبالإضافة إلى ذلك، تثير الوسائل الإيضاحية الملاحظة والتأمّل في الأشياء والحوادث والمواقف الجديدة، حتى تطلب النفس الجواب على ما يقع من المشكلات التي يشاهد الطالب وقوعها، وتتحدد أمامه مجسمة واضحة، فيقع الجواب عنها لديه موقعًا مستقرًا.
وواضح أن المعلومات تصل إلى ذهن الطالب، في طريقة المشاهدة، عن طريق حاسة البصر.
_________________
(١) محمد حسين آل ياسين: مبادئ في طرق التدريس. بيروت، المكتبة العصرية ص ٢٨٤
[ ١ / ٤٣ ]
ويؤكِّد علماء النفس أن الإدراك الحسي لشيء ما، يقوى ويتعاظم لدى الفرد كلما اشترك في إدراكه من الحواس عدد أكبر. فإذا وصف المدرس للطلبة نهرًا معينًا تحصَّل لديهم فكرة ما عن هذا النهر. ولكن إذا رسم المدرس النهر، أو أخذهم إليه، تتوسع فكرتهم عن هذا النهر، وترسخ معلوماتهم عنه حتى لا تكاد تَمّحي من أذهانهم، فيسهل تذكرهم له واستعادة صورته.
فإذا سبحوا في مائه، وشربوا منه، وشعروا ببرده أو حرِّه، قويت معرفتهم وازدادت رسوخًا.
وبذلك تخرج المعلومات بالمشاهدة من عالم العقل إلى عالم الواقع، ومن القول إلى الفعل، ومن التصور المجرد إلى الحقيقة الواقعة (١).