العصمة في اللغة اسم مصدر عصم، وهي بمعنى: المنع، كذا في (لسان العرب). وفي (القاموس) عصم: منع ووقى. أقول: ولعلها بمعنى المنع المضمن معنى الوقاية، على ما تدل عليه استعمالاتها المختلفة؛ فليس كل منع عصمة، وإنما العصمة أن تمنع الشيء أن يلحقه الضرر. قال الله تعالى: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ (٤) وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم﴾ (٥) أي يتمسك بحبله وهداه خشية الانحراف، كما قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ (٦) وتقول العرب: اعتصم بالفرس، إذا أمسك بعرفه حين يخشى السقوط. وقال الزجاج:
_________________
(١) تيسير التحرير ٣/ ٢٠
(٢) ٢/ ٥٣
(٣) ٢/ ٢٤٥ أ.
(٤) سورة هود: آية ٤٣
(٥) سورة آل عمران: آية ١٠١
(٦) سورة آل عمران: آية ١٠٣
[ ١ / ١٤٠ ]
أصل العصمة الحبل، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه. وتقول العرب: عصام القِربة، وعصام الإناء. فالعصام: الحبل أو الحلقة التي يعلّق بها الشيء فلا يسقط.
أما في الاصطلاح، فالعصمة: منع الله عبده من السقوط في القبيح من الذنوب والأخطاء ونحو ذلك، وهو المعنى المراد في هذا المبحث.
هذا، وتستعمل العصمة في حق النبي - ﷺ - بمعنى آخر وهو أنه تعالى عصمه من أن يصل إليه أذى الناس، لأجل أن يتمكن من إبلاغ دعوته. ففي الحديث أن عائشة قالت: "كان النبي - ﷺ - يحرس، حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبّة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله" (٢).
وسيأتي لهذا المعنى مزيد بسط في أواخر مسألة العصمة.
والعصمة بهذا المعنى، خارجة عن المعنى الاصطلاحي للعصمة، الذي قدمنا ذكره، كما لا يخفى.