من المعلوم أن الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب:
فالفرض عندهم ما كان دليل التكليف به قطعيًا. والواجب ما كان في دليله اضطراب.
ولكن النبي - ﷺ - كان يأتيه الوحي من الله بطريق لا يشك فيه، لأنه كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيًا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (٤) فيأتيه الوحي مباشرة كالتكليم وحيًا، أو من وراء حجاب، أو بسند هو رواية جبريل الأمين عن ربه ﷿. فليس في الطريق شبهة، ومن أجل ذلك قال بعض الحنفية إن أفعاله - ﷺ - التي هو مكلّف بها حتمًا، كلها من قبيل الفرض، وليس فيها من المسمّى (واجبًا) في اصطلاحهم شيء.
ولكن البزدوي والسرخسي يثبتان الواجب مع الفرض. يقول البزدوي: "باب أفعال النبي - ﷺ -. وهي أربعة أقسام: مباح، ومستحب، وواجب، وفرض" (٥). وقال شارحه البخاري: "الشيخ (يعني البزدوي) وشمس الأئمة
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٢١
(٢) سورة المائدة: آية ٨٧.
(٣) سورة الأحزاب: آية ١، ٢
(٤) سورة الشورى: آية ٥١
(٥) أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار للبخاري.
[ ١ / ١٣٦ ]
(يعني السرخسي) قسما أفعاله - ﷺ - أربعة أقسام. والقاضي الإمام (١)، وسائر الأصوليين قسموها ثلاثة: واجب ومستحب ومباح. وأرادوا بالواجب الفرض. وهذا أقرب إلى الصواب، لأن الواجب الاصطلاحي ما ثبت بدليل فيه اضطراب، ولا يتصور ذلك في حقه - ﷺ -، لأن الدلائل الموجبة في حقه كلها قطعيّة".
هذا ما قال. ولكن بتدقيق النظر يتبين أن كلام الإمامين البزدوي والسرخسي صواب. وذلك أنهم يثبتون أن النبي - ﷺ - كان متعبّدًا بالاجتهاد، وأن اجتهاده قد يداخله الخطأ (٢)، كما تقدم. وهم وإن قالوا إنه لا يقرّ عليه، إلاّ أنه - ﷺ - عندما يقدم على الفعل باجتهاد، يقدم عليه بدليل ظنّيّ هو القياس. وشبهة الخطأ في القياس قائمة، بدليل أن الخطأ وقع فعلًا، كما قد أثبتوا ذلك.
فهذا يبينّ أن ما ذهب إليه البزدوي والسرخسي صحيح ثابت، وأن ما رجحه البخاري مرجوح.
أقول: وينبغي أن يقال مثل هذا القول على مذهب الحنفية، في المحرّم والمكروه. فما كُلِّف - ﷺ - بتركه حتمًا نصًا فهو محرم، وما رأى اجتهادًا منه أنه مكلف بتركه، فهو مكروه كراهة تحريم. فإذا أُقر عليه تبين أنه محرم. والله أعلم.