وأمثلته أن النبي - ﷺ - بيّن بقوله عدد ما أمر به الله من الصلوات، فبيّن بالقول أنها خمس صلوات، وصلاها فعلًا كذلك، لم تزد ولم تنقص.
وكذلك بينّ مقادير ما أمر الله به من الزكاة المفروضة في الذهب والفضة أنها ربع العشر، وأخذها كذلك.
_________________
(١) سيأتي تخريج هذا الحديث بتوسع في فصل الفعل البياني.
(٢) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٣٨ حيث قال: "إن البيان هو الفعل، دون القول المعلق للفعل بالمبين".
(٣) تيسير التحرير ٣/ ١٧٦
[ ١ / ١٠٧ ]
والذي يعتبر بيانًا منهما هو أولهما ورودًا، سواء علم أو جهل. إذ به يحصل التبيين (١)، ويخرج الأمر عن الإبهام. ويكون الثاني منهما مؤكّدًا له ومقويًّا، كما تقدم عند ذكر أعلى أنواع البيان.
وهذا هو القول المعتمد.
وقيل يكونان بمجموعهما بيانًا.
وقيل القول هو البيان، سواء تقدم أو تأخر، دون الفعل، لأنه أقوى من الفعل (٢).
هذا وقد قرّر الآمدي (٣) وبعض الأصوليين أن المتأخّر منهما إنما يجوز اعتباره تأكيدًا للأول في حال استوائهما في القوة، وحال كون الثاني منهما أقوى. أما إن كان الثاني أضعف فلا يكون مؤكِّدًا، إذ إنه يخلو من الإفادة، فيكون المجيء به عبثًا.
وبَنَى على ذلك أنه في حال العلم بأولهما ورودًا يكون الثاني تأكيدًا إنْ كان أقوى من الأول.
وفي حال الجهل بذلك، فالأشبه أن الأول ورودًا هو الأضعف منهما، لئلا يلزم المحذور الذي أشار إليه.
وقد رفض السبكي هذه الطريقة، فرأى أن المتأخِّر يكون توكيدًا ولو كان أضعف (٤).
والذي نختاره هنا قول السبكي.
ونزيد أن العرب لم تزل تؤكّد في كلامها الأقوى دلالة بالأضعف. كما في
_________________
(١) هكذا أطلق أبو الحسين البصري في المعتمد ص ٣٣٩ جعل المتقدم منهما هو البيان ولم يعرج على تفصيل.
(٢) نقله الشوكاني ص ١٧٣
(٣) الإحكام في أصول الأحكام ٣/ ٣٧ ونقله البدخشي ٢/ ١٥١ وأقره.
(٤) جمع الجوامع ٢/ ٦٨
[ ١ / ١٠٨ ]
الإتباع، كقولهم: جاؤوا أجمعون "أكتعون"، وحارٌّ "يارّ". إذ التابع هنا لا دلالة له أصلًا قبل اقترانه بالمتبوع، على ما هو المعتمد عند اللغويين.
وأيضًا فإن دليل الآمدي ينتج امتناع التأكيد بالمساوي، وهو لا يقول به. وهذا نص عبارته "لو فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن يكون مؤكِّدًا للراجح، إذ الشيء لا يؤكّد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الإتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزّه عن الإتيان بما لا يقيد". فقوله: "والبيان حاصل دونه" صادق على التأكيد بالمساوي، فيلزمه منعه. وذلك معلوم بطلانه حتى في التأكيد بالمفرد (١).
وفي الطبيعة إذا نحن أضأنا غرفة بمصباح، ثم قَوَّينا النور بمصباح آخر أضعف من الأول، فلا شكّ أن له تأثيرًا في تقوية الرؤية، ما لم يكن الأول كالشمس في قوة إضاءته، ومثل هذا بالنسبة إلى الألفاظ نادر جدًا في الدلالة على المعاني المركبة كما تقدم.
ولا ينبني على هذه المسألة شيء من الأحكام، إذ الفرض أن القول والفعل متفقان في المدلول. بل هي تذكر لمجرد استيفاء الأقسام.