أولًا: أن القول له صيغة، فيمكن أن يعلم المراد به من جميع الوجوه، والتعبير به عن كل ما في النفس، بما يكون نصًّا في المطلوب أو ظاهرًا. حيث إن الألفاظ موضوعة لمعان معلومة يمكن تركيبها لتدل على المراد عينًا، وبدرجة العموم
_________________
(١) روى ذلك الدارقطني (نيل الأوطار ٧/ ٣٠).
(٢) رواه أحمد والدارقطني (نيل الأوطار ٧/ ٣٠).
(٣) قال أبو الحسين البصري في المعتمد (ص ٣٤٠): إن الفعل أكشف لأنه ينبئ عن صفة المبين مشاهدة.
[ ١ / ٩٩ ]
والخصوص المطلوبة، وبما يدل على الحكم المراد. وقد قال الشاعر:
القول ينفد ما لا ينفذ الإبَر
أما الفعل فلا يقع إلاّ على صورة واحدة، ولا يتعدّى تلك الصورة بنفسه، فلا يفهم منه بنفسه درجة الحكم أهي الوجوب، أم الاستحباب، أم الإباحة، ولا يعلم قدر انسحابه على أشخاص آخرين غير الفاعل، وعلى أحوال أخرى غير الحالة التي وقع عليها (١).
ثانيًا: أن القول يمكن أن يُدَلَّ به على أنه بيان للمجمل، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل بنفسه على ذلك، فلا يعلم ذلك إلا بدليل غير فعلي، إما بالقول، وإما بالعقل، وإما بأن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.
ثالثًا: إن الفعل لا يمكن الدلالة به على المعدوم والمعقول، بل على الموجود والمحسوس خاصة، بخلاف القول، إذ يمكن التعبير به عن كل ذلك (٢).
رابعًا: إن الفعل البياني، قد يلازمه حركات وأوصاف غير مراد أن تكون بيانًا، ويعرف ذلك بالاستقراء (٣). وهذا قد يجعل في كل جزء من أجزاء الفعل البياني احتمالًا أنه غير مراد. وهذه الاحتمالات لا يمكن إزالتها إلا بتكرار الفعل مع حذفها، أو بالقول، أو بغير ذلك من القرائن، كما وقف النبي - ﷺ - بعرفة في مكان معين، فلئلا يظن ظان أن ذلك المكان مقصود قال: "وقفت هنا وعرفة كلها موقف". وقال في مزدلفة مثل ذلك، وقال في النحر بمنى: "نحرت هنا ومنى كلها منحر" (٤). وفي رواية (٥): "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" (٦).
_________________
(١) القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني: المغني في التوحيد والعدل ١٧/ ٢٦٥، ٢٢٦، وانظر أيضًا: تيسير التحرير، حيث حكاه في ٣/ ١٤٨ والبناني: حاشيته على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٠٠
(٢) عبد الله دراز: حاشية على الموافقات ٣/ ٣١٤
(٣) تيسير التحرير ٣/ ١٤٩ والبناني على شرح جمع الجوامع ٢/ ١٠٠ والعلائي: تفصيل الإجمال ق ١٢
(٤) تيسير التحرير ٣/ ١٧٦
(٥) رواه أبو داود ٥/ ٤١٣ وسكت عنه المنذري.
(٦) انظر: روايات الحديث في جامع الأصول ٤/ ٧٠
[ ١ / ١٠٠ ]
والقول يمكن إخلاؤه عن مثل هذه الاحتمالات.
ووجه خامس: نضيفه إلى ما ذكره الأصوليون، وهو أن القول تتبلور به الأحكام والصلاة بين الأمور. وكم من حقائق كانت موجودة بالفعل، ولكن لا يلتفت الناس إلى وجودها، ولا ينتبهون إلى أنها تمثل دورًا فيما يجري (بالفعل) أمام أبصارهم. فلما قُيِّض لها شخص ذو فطانة وذكاء، فلمحها وعبّر عنها بالقول، أصبحت شيئًا معلومًا يمكن لغيره من الناس فهمه وتطبيقه والاستفادة منه. ويؤكد ذلك حوادث استخراج قوانين الظواهر الطبيعية، كالكهرباء والجاذبية والمغناطيسية والحرارة والبرودة، وتأثيراتها المختلفة. وشبيه به ما نراه لعلماء الصحابة كعائشة ﵂، في فهمها للأحكام وأسبابها من أفعال النبي - ﷺ -، في شؤون طهارته وصلاته بالليل والنهار وصيامه وغير ذلك، وما نراه لأئمة الأصوليين من استنباطهم لقوانين الأصول، مع أنها كانت جارية قبلهم (بالفعل) في نصوص الكتاب والسنة وكلام الناس، وهكذا الخليل مع قوانين العروض، وهكذا أيضًا قوانين كل علم وفن مما يوفق الله من شاء من أهل المواهب لاستخراجه والتعبير عنه. وبه تعالى التوفيق.